الدرس في حلية طالب العلم 60، ألقاها
يناقش أهمية تحلي طالب العلم بصفات معينة مثل قول "لا أدري" عند عدم معرفة الجواب، وحرمة القول على الله بغير علم. يعظم قدر الرب جل وعلا ويبين أهمية التزام الصدق في الفتوى.
يشرح الفرق بين الجهل البسيط والجهل المركب، ويبين أن قول "لا أعلم" أو "الله أعلم" عند عدم المعرفة هو من العلم. يضرب أمثلة بورع العلماء مثل الإمام مالك بن أنس.
يُنصح بقول "الله أعلم" عند الجهل بالمسألة، ويُحذر من التكلم بغير علم. يبين أن هذا من عادة الصحابة والأئمة وهو دليل على التوسعة وعدم التكبر.
ينتهي الحديث بدعاء الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، ويعبر عن تواضع المتحدث. يُظهر استخدام صيغ الاستغفار والتسبيح في ختام الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى، وهو يذكر الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم: قال الرابع، الأمر الرابع والثلاثون: جنة الطالب، أو جنة طالب العلم. جنة طالب العلم، أي مما ينبغي أن يستجن به طالب العلم، بمعنى أن يستتر به. قال: «جنة العالم: لا أدري، ويهتك حجابه الاستنكاف منها». وقوله: «يقال»، وعليه فإن كان نصف العلم «لا أدري»، فنصف الجهل «يقال». وأظن هذا الأمر، كما ترون، هو متعلق بما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم، فمما ينبغي، بل يجب أن يتحلى به طالب العلم، أن يتحلى بأن لا يتطاول على العلم، ولا يتصرع في العلم، ولا يتجرع على العلم، بل ينبغي له أن يعرف أولًا قدر العلم، وثانيًا حرمة القول على الله جل وعلا بغير علم، وثالثًا أن يعرف قدر نفسه. فإنه إن علم قدر نفسه، كان ذلك سببًا للأمر الثاني، وكذا الأمر الأول. فلذا يقول الشيخ: «جنة العالم: لا أدري»، بمعنى أن العالم إذا كان عالمًا، إذا جاءت إليه المسألة وهو لا يعلمها، يكفي أن يقول: «لا أدري». هل إذا قال «لا أدري» كان فيه من قصة الجواب؟ لا، بل كما ذكر أن هذا من العلم. كما جاء في صحيح البخاري وغيره، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال يومًا لأصحابه واعظًا لهم: «يا أيها الناس، من كان يعلم شيئًا فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، هذا من العلم». وفي المقابل من التكلف، قال ابن مسعود: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، بمعنى أن الإنسان إما أن يعلم فيتكلم بعلم، وإما أن لا يعلم فيسعه أن يقول: «الله أعلم». فإن هذا من العلم، لماذا؟ هذا من العلم؛ لأنه أولًا: علمًا عظّم الرب جل وعلا، وقدر ربه جل وعلا حق تقديره، فخشي أن يقول في حق ربه جل وعلا ما لم يعلم، فهذا من العلم. وأيضًا: علمًا حرّم القول على الله بغير علم، فأمسك، وهذا من العلم. ثالثًا: عرف قدر نفسه فأمسك، وهذا كذلك من العلم. فإذا كان الإنسان إذا عرضت له مسألة لا يعلمها، فيسعه أن يقول فيها: «الله أعلم»، فإن هذا من العلم، ليس من الجهل، بل كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى، في الكلام على الجهل وتقسيمه إلى قسمين: إلى جهل بسيط، وإلى جهل مركب. الجهل البسيط: أن لا يعلم الشيء وهو يعلم أنه لا يعلم، جهل بسيط. ولكن الجهل المركب: أن لا يعلم الشيء ولا يعلم أنه لا يعلم، وهذا جهل مركب، وهو أشد. ذكر الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى الرازي في مقدمة كتابه «الجرح والتعدين» في ترجمة الإمام مالك بن أنس، ذكر من فضائل الإمام مالك ومناقبه وورعه رضي الله عنه ورحمه الله وغفر له: أنه أتاه آت من خراسان، أو من بلد بعيدة، جاء إلى الإمام مالك في المدينة، قطع مسيرة شهر أو أكثر حتى يصل إلى الإمام مالك، فيسأله عن مسائل أشكلت عليهم في تلك البلدة. جاء إلى مالك رحمه الله تعالى فسأله، فقال له: «لا أحسن هذا». فسأله سؤالًا آخر، فقال: «لا أحسن هذا». الثالث قال: «لا أحسن هذا». الرابع: «لا أحسن هذا». وهكذا الرجل يسأل، والإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: «لا أحسن هذا»، أي: لا أدري، لا أدري، لا أحسن هذا، لا أعلم هذا. فقال له الرجل: «يا أبا عبد الله، أرجع إلى الناس، فماذا أقول لهم؟» قال لهم: «قل لهم: يقول مالك إنه لا يحسن ذلك»، إنه لا يحسن ذلك، أي: لا يدري، لا يعلم. فهل كان في هذا منقصة للإمام مالك رحمه الله تعالى؟ لا، بل ذكرت هذه القصة وهذه الواقعة في مناقب الإمام مالك رحمه الله تعالى، منقبة، ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في مناقب الإمام مالك رحمه الله تعالى. أنه ما منعه مكانته ومنزلته أن يتكلم بشيء ويقول: اجتهد ولعل يصيب ولعل أخطئ، «لا أحسن، لا أحسن»، اكتفى بورعه رحمه الله تعالى، فكان ورعه جنة له في أن يقول على الله جل وعلا ما لم يعلم، ما لم يعلم. لذا هذا كما يقال: مثال، وله نظائر. كم نجد في كتب أهل العلم عن الأئمة الكبار رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم وأرضاهم، يسأل أحدهم عن المسألة فيقول: «الله أعلم». اقرأوا وانظروا في كتب أهل العلم، كم يذكر عن إمام أحمد رحمه الله تعالى أنه توقف في مسألة كذا وكذا وكذا. «ما قولك يا أبا عبد الله في كذا وكذا؟» يقول: «الله أعلم، الله أعلم». الإمام الشافعي: كم من مسألة يسأل فيها فيقول: «الله أعلم، لا أدري». وغيرهم من الأئمة رحمهم الله تعالى. ليس في هذا منقصة أبدًا، بل هذا من التوسعة عليك أيها الطالب، بل وعلى العالم، إذا جاءت المسألة فليقل: «الله أعلم»، ولا سيما إن كان في الأمر سعة، في الأمر سعة، اذهب إلى غير، اسأل غير. وقد كان من عادة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم -صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلم الناس بالله جل وعلا، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وبشرعه ودينه- يأتي السائل فيسأل عن المسألة، فيتدافعون المسألة: هذا يقول: «اسأل فلانًا»، والآخر يقول: «بل اسأل فلانًا»، والآخر يقول: «بل اسأل فلانًا»، يتدافعون، يتدافعون فيه دفع الفتوى إلى الغير، هذا من السعة. وهذا في ساعة، وفرق بين أن تكون مسألة نازلة تحتاج إلى فتوى واجتهاد، وإلى قول فصل، هذا أمره آخر. وفي مثل هذا المقام كما يقول العلماء: يسوق الاجتهاد، مسألة حرجة، لا بد أن يفعل كذا أو كذا، إما لضيق الوقت، وإما... وإما هذا أمر آخر. لكن ينبغي كما ذكر أن يكون بين يدي، بل بين عيني طالب العلم: «الله أعلم»، يستريح، يستريح. «الله أعلم» يسألك السائل عن مسألة لا تعرفها، «الله أعلم». إن كنت تعلمها وتعرفها، قل كذا وكذا، قال العالم الفلاني كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، قال الله جل وعلا كذا وكذا، الحمد لله، إن كان بعلم فبها ونعمة، وإن لم يكن فامسك، فأمسك عن القول عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم بغير علم. ثم قال رحمه الله تعالى في المقابل: أن لا يستنكف الإنسان عن هذا الأمر، أي: أن لا يستكبر عن أن يقول: «الله أعلم»، بل تكون «الله أعلم» أمام عينيه، نصف عينيه. قال: «وعليه فإن كان نصف العلم لا أدري، فنصف الجهل يقال». وأظن يقول: إذا كان العلماء يقول: «نصف العلم لا أدري» أو «الله أعلم»، فنصف الجهل أن يقول إنسان تخمينًا: لعله كذا، وأظن كذا، ويقال كذا، جهلًا، ظنًا، يتكلم بغير علم، هذا مذموم. وفي المقابل من تكلم بعلم هذا ممدوح، ومن لم يعلم فليقل: «الله أعلم». وفي قوله: «الله أعلم»، كما سمعتم سعة، سعة له وتوسيع، بحمد الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.