الدرس في شرح القواعد المثلى 32، ألقاها
يشرح المقطع تفسير آية المبايعة ويبين أن الصحابة كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الله مباشرة. يوضح أن هذا الفهم يتعارض مع أول الآية ومع الواقع.
يشرح المقطع معنى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلاقتها بطاعة الله تعالى، ويبين أن مبايعة الرسول تعتبر مبايعة لله تعالى. يوضح معنى قوله تعالى 'يد الله فوق أيديهم'.
يشرح الشيخ حديث النبي حول عيادة المريض وإطعام الجائع وإسقاء العاطش، ويبين أن الله تعالى يضيف هذه الأفعال إلى نفسه للترغيب. يؤكد أن تفسير السلف لهذا الحديث يبقى على ظاهره.
أهل السنة والجماعة يجرون آيات وأحاديث الصفات على ظاهرها دون تحريف أو تعطيل. هذه القاعدة تعبر عن منهجهم في التعامل مع النصوص المتعلقة بالصفات الإلهية.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. إن ظاهر الآية «إن يد الله فوق أيديهم» حقيقة، وأنها ملامسة لأيديهم. قالوا: أنتم يا أهل السنة والجماعة تقولون: لا، يد الله فوق أيديهم ليست كذلك، أي ليست ملامسة لأيدي المبايعين. قالوا: هذا من التأويل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والجواب أن يقال: هذه الآية تضمنت الجملتين. الجملة الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾. قالوا: قد أخذ السلف، أهل السنة والجماعة، بظاهرها وحقيقتها، وهي صريحة في أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أنهم يبايعون الله نفسه، ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ؛ لمنافاته لأول الآية، وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾. لو قال قائل: «إنما يبايعون الله» معناها أنهم إنما بايعوا الله، فهذه الآية تناقض أول آية. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾، والضمير «ك» يعود على النبي صلى الله عليه وسلم. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أنهم يبايعون الله نفسه. والواقع يستحيل أن يكون الله عز وجل أو يكون شيء من ذات الله عز وجل حالا في الأرض. الواقع أن الصحابة رضي الله عنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دلت الأدلة الكثيرة على هذا. قال رحمه الله تعالى: واستحالته في حق الله تعالى، أي مستحيل أن يكون شيء من ذات الله عز وجل حالا في الأرض ويحصل المبايعة مباشرة بمماسة هذا من المحال. إذن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: قوله «إنما يبايعون الله» يدل على أنها لا تدل على أن الله عز وجل هو الذي باشر المبايعة حقيقة؛ لثلاثة أمور: الأمر الأول لمنافاتها لأول الآية، الأمر الثاني لمخالفتها للواقع؛ لأن الصحابة بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثالث أنه محال أن يكون شيء من ذات الله عز وجل بين مخلوقاته. قال رحمه الله تعالى: وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعة له؛ لأنه رسوله، وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله تعالى. ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله؛ لأنه رسوله المبلغ عنه، كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. قال: وفي إضافة مبايعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى من تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتأييده وتوكيد هذه المبايعة وعظمها ورفع شأن المبايعين ما هو ظاهر. قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وهذه أيضا على ظاهرها وحقيقتها؛ فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين؛ لأن يده من صفاته، وهو سبحانه فوقهم على عرشه، فكانت يده فوق أيديهم. وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته، وهو لتوكيد كون مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم مبايعة لله عز وجل. ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم. ألا ترى أنه يقال: «السماء فوقنا» مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا؟ فيد الله عز وجل فوق أيدي المبايعين لرسوله صلى الله عليه وسلم مع مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليهم. قال رحمه الله تعالى: ولا يمكن لأحد أن يفهم المراد بقوله «يد الله فوق أيديهم» يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ؛ لأن الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه ووصفها بأنها فوق أيديهم. ويد النبي صلى الله عليه وسلم عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم، بل كان يبسطها إليهم فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم. قال: المثال الخامس عشر هو آخر الأمثلة. قولوا: تعال في الحديث القدسي «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني». وجه هذه الشبهة من أهل التأويل أنهم قالوا: يا أهل السنة والجماعة، الله عز وجل يقول في هذا الحديث القدسي «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني»، وظاهر النص أن الله عز وجل هو الذي مرض. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا الحديث رواه مسلم في باب فضل عيادة المريض من كتاب البر والصلة والآداب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرضا فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟» الحديث. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والجواب أن السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف. وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به، والمتكلم أعلم بكلامه وأعلم بمراده من غيره. فقوله تعالى: «مرضت واستطعمتك واستسقيتك» بينه الله تعالى بنفسه حيث قال: «أما علمت أن عبد فلانا مرضا وأنه استطعمك عبد فلان وأنه استسقاك عبد فلان». وهو صريح في أن المراد به مرض العبد واستطعام عبد من عباد الله واستسقاء عبد من عباد الله. والذي فسره بذلك هو المتكلم به، وهو أعلم بمراده. فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه والاستسقاء المضاف إليه بمرض العبد والاستطعام والاستسقاء لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره؛ لأن ذلك تفسير المتكلم به. إنما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولا للترغيب والحث، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، أي أن هذا الإنسان الذي يقرض أخاه المسلم، لا يقرض الله عز وجل حقيقة؛ لأن الله عز وجل هو الغني. فكذلك في عيادة المريض وفي إطعام الجائع وفي إسقاء العاطش، أضاف الله عز وجل هذه الأمور إلى نفسه من باب الترغيب لا لأنه سبحانه وتعالى بحاجة إلى هذه الأشياء. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغات لأهل التأويل الذين يحرفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. لو كان في نص من النصوص من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما قد يفهم منه معنى باطل، فإن الله عز وجل وكذا رسوله يبينونه في الحال، كما في هذا الحديث. وأن نكتفي بهذا القدر من الأمثلة. وإلا فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة معروفة، وهي إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، والله أعلى وأعلم.