الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 55، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الإحسان مقام عظيم في الإسلام، وهو مرتبط بحسن العبادة وخشوع القلب. الإحسان يشمل جميع العبادات ويتطلب حضور القلب وتدبر الأقوال والأفعال.
الإحسان في الإسلام يشمل متابعة رسول الله في العبادات والإحسان للوالدين واتباع الصحابة بإحسان. يتضمن الإحسان للوالدين التواضع وبذل الندى وكف الأذى، وللصحابة بالثناء عليهم ونشر محاسنهم.
الإسلام يأمر بالإحسان إلى جميع المخلوقات، بما في ذلك الحيوانات، ويضع حدودًا في التعامل مع الكفار. كما يحذر من الغلو في الإحسان ويؤكد أن الإسلام دين الوسطية والعدل.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد فقد ذكرنا في الدرس الماضي الأبيات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بجامع وصف الإحسان، وتقدم شيئًا من الكلام عن مقام الإحسان، وأنه مقام عظيم، وهو على مقامين: المراقبة والمشاهدة، تقدم معنا هذين المقامين. هو مقام الإحسان، لعظمه ومكانة شأنه في ديننا، جاء الأمر به في كتاب الله جل وعلا، في سنن رسوله عليه الصلاة والسلام، فالله جل وعلا يقول: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾، وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾، وقال جل وعلا: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا﴾، وهكذا قال سبحانه: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾، والنصوص كثيرة في كتاب الله في الأمر بالإحسان، مما يدل على مكانة الإحسان في دين الإسلام، بل وفي الشرائع كلها. وجاء في مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». فهذا الحديث فيه بيان مكانة الإحسان في الدين، وأن الله جل وعلا كتبه على كل شيء، لشأنه وعظيم مكانته. والإحسان والإحسان أنواع، فمن الإحسان وأعظم الإحسان أن يحسن العبد في عبادته لربه جل وعلا، فهذا أعظم إحسان من العبد حين يعبد ربه جل وعلا على حسن عبادة وعلى حسن عمل، يأتي بالصلاة حسنة، ويأتي بالصيام حسنًا، ويزكي حسنًا، ويحج حسنًا، عباداته فيها إحسان، حيث يأتي بواجباتها، شروطها، وأيضًا يجعلها كاملة بإتيان بمستحباتها، فكل ذلك مأمور به. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يدعو الله جل وعلا مع أنه أعظم المحسنين في عبادته، أفضل وأعظم من صلى وصام هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأفضل من حج وزكى عليه الصلاة والسلام، ومع هذا كان يدعو ربه جل وعلا عند دبر كل صلاة فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وأعوذ بك من فتنة القبر وعذاب القبر...» إلى آخر الدعاء، فيدعو الله جل وعلا أن يعينه على حسن العبادة وأداء العبادة حسنة، مع أنه عليه الصلاة والسلام الذي قد أحسن في عبادته عليه الصلاة والسلام، وليس أحد أفضل منه عليه الصلاة والسلام إحسانًا في العبادة، فما بالنا فنحن أولى وأجدر بنا أن ندعو الله جل وعلا أن يعيننا على حسن العبادة: الصلاة والصيام والحج والزكاة والصلة، وكذلك سائر العبادات لنأتي بها على إحسان، لأن الله جل وعلا أحسن إلينا سبحانه وتعالى، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ أحسن الله جل وعلا إلينا بأن خلقنا ورزقنا وأنعم علينا سائر النعم، فالواجب الشكر، ومن أعظم الشكر لله سبحانه وتعالى أن تحسن له جل وعلا حين تأتي بهذه العبادة، لا تصلي وقلبك غافل، تصلي بقلب غافل وبقلب ساه لاه، أين الإحسان؟ أين حضور القلب؟ أين تدبر فيما تقرأ؟ أين تدبر فيما تقول في سجودك وركوعك واعتدالك؟ فالإحسان أن تستحضر ما تقول، وأن تخشع وتقف بين يدي ربك سبحانه وتعالى محسنا في قيامك وجلوسك. ولا يمكن أن تحسن إلا إذا تعلمت كيف صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن متابعتك لرسول الله عليه الصلاة والسلام في صلاته فهذا هو الإحسان، لأن الإحسان ليس بالهوى وليس بالذوق، بأن يقف الإنسان على ما يهوى أو يجلس على ما يهوى أو يستحسن شيئًا، لا الإحسان بالمتابعة، فلا يمكن أن يأتي الإنسان بالإحسان وهو غير متابع لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فالذي يحسن في صلاته هو الذي يصلي كما صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهكذا كما حج وكما صام وكما فعل سائر العبادات، فالإتيان بها حسنة بالمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها. فمن أعظم الإحسان إحسان العبد في عبادته لربه سبحانه وتعالى، ومن الإحسان الإحسان للوالدين، ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾، ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾، فمن الإحسان الإحسان للوالدين لأن الله أمر بذلك، فتبين بهذا أن من الإحسان أن يحسن العبد إلى والديه بالتواضع لهما، خفض الجناح، وبذل الندى، وكف الأذى، كل ما عد إحسانًا، فالعبد مأمور بالإتيان به مع والديه لعظيم حق الوالدين على الابن، فالوالدان أحسنا إليك أيما إحسان كان سببًا في وجودك، وكان سببًا في تعليمك، وفي نشأتك، وإلى آخر ذلك مما لا يمكن حصره من الإحسان الذي قام به الوالدان اتجاهك، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ بأن تحسن إلى الوالدين بالبر بهما، وبعدم عقوقهما، إلى آخر ذلك، بالدعاء لهما حال حياتهما وبعد مماتهما، كما أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾. ومن الإحسان أن تحسن إلى من له الحق عليك، ومن أعظم الإحسان الإحسان إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الصحابة رضي الله تعالى عنهم، هم الذين نقلوا لنا هذا الدين، تعلموا هذا الدين من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحفظوه لنا في صدورهم، ونقلوه لمن بعدهم، ومن بعدهم إلى من بعدهم، إلى أن وصل إلينا هذا الدين، فلهم حق علينا، أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فالإحسان إليهم بالثناء عليهم، بذكر محاسنهم، بنشر مآثرهم، بطولاتهم، تضحياتهم، بالثناء العطر عليهم، بكف الألسنة عما حصر منهم، إما هو من اجتهاد منهم أو خطأ مغفور لهم بحسناتهم التي هي أمثال الجبال، وبكذلك صحبتهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فمن إحسان إليهم عدم التعرض لكلام فيهم بما يكون سببًا في القبح فيهم أو الهمز واللمز والآخر، ذلك قد أساء الروافض والخوارج أيما إساءة مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، تنقصوهم، سبوهم، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم»، أي أمر الروافض والخوارج أن يستغفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترضوا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله ترضى عنهم، فالواجب أن ترضى عنهم، نقول: رضي الله عنهم، وأن نتبعهم بإحسان، ﴿والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم﴾، فالواجب إتباعهم بإحسان والثناء عليهم، أما الروافض فطعنوا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والخوارج على طرفي نقيض، فمنهم غلا ومنهم غلا في بعضهم وفرط في الآخرين، ومنهم كذلك عكس، لكن أهل السنة والجماعة أحسنوا إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لعلمهم لما لهم من حق عظيم عليهم في نقل هذا الدين، بذلوا أرواحهم، وبذلوا أموالهم، وتركوا أوطانهم نصرة لدين الله جل وعلا، وذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالإحسان إليهم، تجاوز عن المسيء منهم أو المعسر منهم، وهكذا تجاوز عن مسيئهم وتقبلوا من محسنهم، كل ذلك يدلنا على هذا الأصل العظيم الذي هو من أعظم أنواع الإحسان مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك ديننا عظيم حتى جعل الإحسان مع الحيوان، كما أنه جعل الإحسان مع الوالدين، أمر بالإحسان مع الجيران، مع الأرحام، مع الأولاد، مع الأزواج، الإحسان حتى مع الكفار، بالمجادلة بالتي هي أحسن، ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾، في الجدال في عرض هذا الدين، في الدعوة إلى هذا الدين بالتي هي أحسن، إحسان معهم حتى في قتلهم، فلا نمثل بهم، ولا كذلك نتجاوز الحد الشرعي الذي أذن لنا فيه، وهذا من الإحسان المأمور به حتى مع الكفار، يعلم أن هذا الدين دين الإسلام دين عدل، ودين عظيم، قائم على العدل، وقائم على وضع الشيء في موضعه، وعدم التجاوز، وعدم العبث، إلى آخر ذلك من محاسن هذا الدين العظيم، وهذه الشريعة التي أرسل بها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا كذلك حتى مع الحيوان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث شداد بن أوس كما سمعتم: «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». وجاءت الأحاديث كثيرة في الإحسان إلى الحيوان، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تصبر البهائم، تحبس كما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه، وهكذا كذلك جاء في الصحيحين أن ابن عمر مر على قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، جعلوها غرضًا يرمونها، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لهؤلاء: «إن النبي عليه الصلاة والسلام لعن من فعل هذا»، إن النبي عليه الصلاة والسلام لعن من فعل هذا، وهي دجاجة، قد تهاون بعض الناس اليوم مع هذه الحيوانات، يقولوا: هذه حيوانات، وهذه كذا، لا، فديننا أعطى حتى الحيوانات حقوقًا، وأمر بالإحسان إليهم، قل ذلك، نهى النبي عليه الصلاة والسلام كذلك أن تتخذ البهائم منابر، ونهى أن تكلف فوق طاقتها. حتى النبي عليه السلام كان في خروجه من عرفات إلى مزدلفة كان يرخي الزمام للقصواء، انظروا الإحسان واستحضار النبي عليه السلام لهذا المقام مع هذه البهيمة، إذا كانت تصعد يشد عليها الحبل، فكان يرخي لها عليه الصلاة والسلام، ما يغفل حتى في هذه المواقف، مع أنه في حج وفي أداء مناسك، ومع هذا يرعى هذا الحق لهذه البهيمة، فإذا رأى الحبل قد شد عليها في حال الصعود أرخى لها، هذا اهتمام عظيم، ما شغله عليه الصلاة والسلام كونه في أداء فرض، وفي يعني أمر عظيم أن ينسى هذا الحق أو أن يهمل هذا الحق لهذه البهيمة، فكل ذلك يدلنا على الإحسان العظيم الذي جعله شرعنا حتى للحيوان. بخلاف الكفار قد غلوا في الإحسان مع الحيوان، مع أنهم أساءوا إلى الإنسان، أساء أهل الكفر مع الإنسان، وزعموا أنهم قد أحسنوا إلى الحيوان، ربما إذا سقط كلب في مكان يعني لا يمكن أن يخرج من ذلك المكان إلا بعد أشهر، بحفر ذلك المكان وبإتيان بالأشياء لإخراج هذه الجثة، جثة الكلب، ربما صرفوا الآلاف والملايين، بزعم أن هذا من الإحسان إلى هذا الكلب، أنه قد مات، وجثة يصعب خروجها إلا بشكل أنفس كما يقال، ومع هذا يبالغون في هذا، وربما يعني يزعمون أنهم أحسنوا إلى هذه الحيوانات، فيكون الكلب له الغرفة الخاصة به في البيت، وله السرير، وله المقعد، وربما له طبيب يعالجه، يقلب له الضغط والسكر، وفصيلة الدم، سبحان الله، بزعم أن هذا الإحسان، هذا هراء، هذا يعني غلو، فالإسلام وسط وعدل في هذه الأمور، والإحسان مقام عظيم، نسأل الله أن يجعلنا من عباده المحسنين. صلى الله عليه وسلم، وبارك على آل محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.