الدرس في كتاب الصلاة 95، ألقاها
يشرح هذا الفصل حديث أبي هريرة رضي الله عنه حول فضل التبكير إلى صلاة الجمعة، ويبين الأجر المترتب على ذلك في الساعات المختلفة، مع تفسير مفردات الحديث.
يستعرض هذا الفصل آراء العلماء في تفسير الساعات المذكورة في الحديث وأفضلية التضحية بالإبل، ويبين أن هناك ملائكة مكلفين بكتابة حاضري الجمعة.
يناقش هذا الفصل اختلاف أهل العلم في وقت صلاة الجمعة، ويبين أهمية أداء الصلاة في وقتها المحدد مع الدعاء بعدها، ويظهر الخشوع والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام": عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر». طيب حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أرضًا نتكلم أولًا على مفردات هذا الحديث. قوله صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة» معناه غسلًا كغسل الجنابة، أي في الهيئة والصفة. هذا هو المشهور في تفسير هذا الحديث. وذهب بعض أهل العلم كالإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى أنه فسره على ظاهره، فقال: من اغتسل يوم الجمعة غسل جنابة، أي أنه يغتسل غسل جنابة. قوله «قرب» أي تصدق. قوله «قرب بدنه» معناه تصدق ببدنه. والبدنة قال الجمهور من أهل اللغة وجماعة من الفقهاء: يقع على الواحدة من الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لعظم بدنها. وخصها جماعة بالإبل، أي أنه إذا أطلق البدنة فلا يراد بها إلا الإبل. والمراد هنا، أي في هذا الحديث، الإبل بالاتفاق، قاله النووي رحمه الله. في الحديث فوائد: منها الحث على التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب الناس في الفضيلة بحسب أعمالهم. وفيه أن القربان والصدقة يقع على القليل والكثير. الثالث: فيه أفضلية التضحية بالإبل، أن التضحية بالإبل أفضل من البقرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدمها على البقرة. من الفوائد أيضًا أن هؤلاء الملائكة الذين يكتبون الحاضرين غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة. ذكر هذا بعض العلماء فيما حكاه الإمام النووي رحمه الله تعالى عنهم. في الحديث مسائل: الأولى: ما المراد من هذه الساعات؟ هل هي من أول النهار أو بعد الزوال؟ ذهب مالك رحمه الله إلى أن المراد بها لحظات لطيفة بعد الزوال. وذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالساعة من أول النهار، وهو الراجح لحديث الباب. المسألة الثانية: اختلف العلماء هل أول هذه الساعات من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟ فذهب طائفة إلى أن أولها من طلوع الفجر، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد. وقال الطائفة: أولها من طلوع الشمس، وحكي هذا القول عن الثوري وأبي حنيفة. المسألة الثالثة: هل من جاء في أول الساعة ومن جاء في آخر الساعة نفسها سواء في الأجر؟ ذهب بعض الشافعية إلى أنهم ليسوا سواء، بل هم درجات على حسب سبقهم. وذهب آخرون منهم إلى أن من جاء في أول ساعة من هذه الساعات وآخرها مشتركان في تحصيل أصل الأجر. قال رحمه الله تعالى: عن سلامة بن الأكوع رضي الله عنه، وكان من أصحاب الشجرة، قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به». وفي لفظ: «كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع فنتبع الفيء». قوله رحمه الله تعالى عن سلامة بن الأكوع، وسلم بن عمر بن قشير الأسلمي، المعروف بابن الأكوع، أحد الشجعان، وهو من أصحاب الشجرة، أي ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. قوله: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة» تفيد الاستمرار. استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على أن وقت صلاة الجمعة يكون قبل الزوال. واستدل به آخرون على أن وقت صلاة الجمعة يكون بعد الزوال. مسألة: متى يكون وقت صلاة الجمعة وخطبتها؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى أن وقتها هو وقت صلاة الظهر، ولا يجوز قبلها. وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أحمد وإسحاق: يجوز صلاتها قبل الزوال. احتج الجمهور بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري. قال الشافعي رحمه الله تعالى: صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال. والجواب عن احتجاجهم بحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة ويعجل بها بعد الزوال من غير إبراد. فيكون ذلك في أول الوقت، ثم ينطلق أحدهم بعد الصلاة وقد زالت الشمس، ولكنها في أوائل الزوال. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.