الدرس في حلية طالب العلم 7، ألقاها
يؤكد الدرس على أهمية الإخلاص لله في العبادة، ويشير إلى أن النية الصالحة أساس قبول الأعمال. يُذكر حرص السلف على نياتهم وتفقد قلوبهم.
يُنبه الدرس على خطورة الرياء في العبادات، ويوضح أن إخلاص النية لله ضروري لقبول العبادات، وأن فقدان الإخلاص يمكن أن يحول الطاعات إلى مخالفات.
الرياء يحول العمل لله إلى عمل للدنيا، ويتلف العلم مهما كان صاحبه مجتهدًا. العلم النافع يكون لله جل وعلا، لذا كان السلف حريصين على إخلاص النية.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء لله بالتسبيح والاستغفار والتوبة، ويعبر عن التضرع والاعتراف بالذنوب واللجوء إلى الله طلباً للمغفرة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على العلم وأنه عبادة وأساس العبادة، أو من أسس العبادة وأصولها وقواعدها العظام، بل الذي لا يتصور أن تكون العبادة عبادة شرعية إلا به، محبوبة إلى الله جل وعلا، إلا به، هو الإخلاص لله جل وعلا، وكذا المتابعة. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى، كما مر معنا فيما مضى: «وعليه فإن شرط العبادة إخلاص النية لله عز وجل»، إخلاص النية لله عز وجل. وقد تقدم معنا شأن النية وعظيم أمر النية عند الصالحين وعند الأئمة المرضيين، رضي الله عنهم ورحمهم الله. لذا كان لزامًا أن يكرر مثل هذا الأمر، أن يكرر مثل هذا الأمر، لما فيه من التنبيه على أهمية الإخلاص لله جل وعلا. لذا من تأمل في صحيح البخاري، رحمه الله تعالى، فإنه رحمه الله افتتح كتابه بحديث: «إنما الأعمال بالنيات». وهذه إلماحة، أو تلك إلماحة، من الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، على أهمية الإخلاص، وأن العلم لا يقوم إلا بإخلاص، العلم مفتقر إلى إخلاص في أوله وفي أثنائه وفي نهايته؛ لأنه عبادة. وكما مر معنا فيما مضى عن بعض الأئمة، رحمهم الله تعالى، كما مر معنا عن يحيى بن أبي كثير، أنه قال: «تعلموا النية؛ فإنها أبلغ من العمل». لذا فإن الناظر في حال السلف، رضي الله عنهم ورحمهم الله، لا يرى في ذلك العجب العجاب من حرصهم على نياتهم وتفقدهم لقلوبهم، وكذلك النظر في أعمالهم: هل هي لله جل وعلا أم أنها ليست كذلك؟ لذا ذكر عن الإمام الثقة الفضيل بن عياض، رحمه الله تعالى، أنه قال: «إذا كان الله يسأل الصادقين عن صدقهم» -إذا كان الله جل وعلا يسأل الصادقين، وهم صادقون، عن صدقهم- قال: «مثل عيسى وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فكيف بالكذابين؟! فكيف بالكذابين من أمثالنا؟!». وكان رحمه الله تعالى إذا قرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، يقول: «اللهم إنك إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا، وأنت أرحم الراحمين». وهذا إن دل على شيء، دل أولًا على ضعف الإنسان، وأن مسائل وخفايا الأعمال الباطنة لا يستطيع أن يدفعها إلا من عصمه الله جل وعلا وجاهد نفسه حق جهادها. فإذا كان هؤلاء الأئمة، رحمهم الله تعالى، وقد شهد لهم الأخيار من الأئمة بالفضل والثقة والنصح والخير والصلاح، ومع هذا يقولون مثل هذا الكلام، فكيف بي أنا وأنت؟ وكيف بأحوالنا؟ نسأل الله جل وعلا أن يعاملنا بلطفه، نسأل الله جل وعلا أن يعاملنا بلطفه. فالحاصل أن هذا الأمر، كما هو واضح، أمر خطير وأمر جلل، فينبغي لطالب العلم أن يكون أشد حراسة على قلبه من كل شيء، من أن يطرأ طارئ على عمله، فتصير تلك الطاعات وتلك العبادات وتلك القربات سببا لبعده من الله جل وعلا. عبادات وأعمال ربما يكون ممن يصوم النهار في شدة الحر، وممن يقوم الليل في شدة البرد، فيطرأ عليه هذا الطارئ، طارئ الرياء، وكذلك التسميع، وشوب النية بعمل غير عمل الآخرة، فيكون سببا لبعد الإنسان من الله جل وعلا. فالحاصل أننا جميعًا نحتاج إلى مذاكرة لمثل هذه الأمور، عسى الله جل وعلا أن ينظر إلينا بنظر الرحمة والضعف، فيعفو عنا ويتجاوز عنا. وذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، أن النية في كلام العلماء يطلق على معنيين. النية في كلام العلماء يطلق على معنيين: المعنى الأول: النية التي بها تميز العبادات بعضها عن بعض، أو تميز العبادات عن العادات، وهذا يكثر استعماله في عرف الفقهاء. والمعنى الثاني: النية بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله جل وعلا أو هو لله ولغيره أو هو لغير الله جل وعلا؟ وهذا أكثر ما يهتم به من يتكلم في أمور القلوب وأمراض القلوب وما شابه ذلك. وهي المقصود ها هنا. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا: «إخلاص النية»، إخلاص النية بمعنى أن تكون النية خالصة لله رب العالمين، أن تكون النية خالصة لله رب العالمين سبحانه وتعالى. قال الشيخ رحمه الله: «فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات». سبحان الله! كما ذكرنا: من طاعة وقربة إلى ماذا؟ إلى شر. وكما ذكرنا في أثر سفيان الثوري والفضيل بن عياض: الثوري يقول: «أرجو أن تكون أحب وأفضل الأعمال»، فإذا بالفضيل ينبه سفيان الثوري على شيء قد خفي، فقال له: «أليس قد تصنعت لي بأحسن ما عندك، وتصنعت لك بأحسن ما عندي؟ فأي خير في ذلك؟!» أو كما قال. إذن كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا: «فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات». لماذا؟ لأنه صار العمل لغير الله جل وعلا، من عمل لله جل وعلا وعبادة وطاعة، إلى عمل هو من الرياء، وهو من الشرك، والشرك من أشد المعاصي تبعيدًا عن الله جل وعلا وإبعادًا عن الله جل وعلا. قال رحمه الله: «ولا شيء يحطم العلم مثل الرياء». لا شيء يحطم العلم؛ قد يكون الطالب مجدًا وحريصًا ونبها وحافظًا، إلى غير ذلك من المزايا، فإذا بدأ ذلك العلم بالرياء وانتهى بالرياء، فأي خير يرجى منه؟! وإن بدأ بالإخلاص ثم طرأ عليه الرياء واستمر مع ذلك، أي خير كذلك في علم يكون لغير الله جل وعلا ولا يؤدب صاحبه؟! وكم من عالم وإمام جليل من الأئمة، رحمهم الله تعالى، كان يقول: «طلبنا العلم لغير الله». بعض الناس لا يعلم مكانة العلم ولا فضل العلم ولا شرف العلم، في بداية أمره يكون جاهلًا عاميًا، فيطلب العلم كما يطلب غيره بقية العلوم، هذا يطلب علم الشريعة، وغيره يطلب غيره من العلوم، لأجل ماذا؟ لأجل الشرف ولأجل المال ولأجل الدنيا. فمن كان في بداية أمره ربما يظن أن علم الكتاب والسنة كذلك، فيبدأ العلم بغير نية، كما جاء عن غير واحد من الأئمة، كمجاهد بن جبر، إمام المفسرين من التابعين، قال: «طلبنا العلم لغير الله جل وعلا، فأبى العلم أن يكون إلا لله جل وعلا». هذا العلم النافع، العلم النافع يأبى أن يكون لغير الله جل وعلا. فالناظر كذلك في حال الأئمة، رحمهم الله تعالى، كانوا حريصين على قلوبهم. لذا يروى عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، إمام ثقة حافظ مشهور في طبقة مالك بن أنس، ماذا يقول؟! يا جماعة! هذا الرجل وهذا الإمام، رحمه الله، يقول: «والله ما أستطيع أن أقول: إني ذهبت يومًا أطلب الحديث لوجه الله». انظروا يا جماعة! هذا وهو إمام ثقة جليل من الحفاظ، يقول: «والله ما أستطيع أن أقول: ذهبت يومًا أطلب الحديث لوجه الله». قال الذهبي رحمه الله تعالى في «السير»: بعد أن ذكر هذا الأثر، قال بعده: «ولا أنا والله! ولا أنا! والله!». ثم قال رحمه الله تعالى: «إن السلف رحمهم الله تعالى أحسنوا أعمالهم بإخلاص النية، فرفعهم الله». أو ذكر كلامًا معناه هذا. ثم ذكر كلامًا طيبًا مباركًا في أحوال الناس في هذا الباب، رجع إليها من أراده في ترجمة هشام الدستوائي من «السير»، من «سير أعلام النبلاء»، ذكر كلامًا جيدًا طيبًا في هذا المقام. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.