شرح فتح المجيد 142

الدرس في شرح فتح المجيد 142، ألقاها

مقدمة في سوء الظن بالله

يتناول المقطع موضوع سوء الظن بالله تعالى، حيث يشرح أن كثيرًا من الناس يظنون بالله غير الحق. يُشدد على أهمية أن ينظر العبد إلى أفعال الله على أنها كلها خير وحكمة.

تحريم التصوير ومضاهاة خلق الله

يتناول المقطع تحريم التصوير واعتباره من الشرك بالله، حيث يضاهي المصورون خلق الله. يذكر أحاديث نبوية عن عذاب المصورين يوم القيامة وأهمية تدمير الصور.

تحذير من الشرك وعبادة القبور

يتناول المقطع تحذيرًا من عبادة القبور واتخاذها مساجد، ويشرح مخاطر الشرك الأصغر والكبائر المرتبطة بهذه الممارسات. يوضح الفرق بين مشيئة الله ومشيئة العبد في أفعالهم.

تحذير من المتاجرة بثواب الحج

يصف المقطع كيف يهنئ بعض الحجاج بعضهم البعض على أداء مناسك الحج، ولكن عند عودتهم يطلب منهم المتخلفون عن الحج أن يبيعوهم ثواب حجة القبر، فيرفض الحجاج ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله: فأكثر الخلق، بل كلهم إلا من شاء الله، يظنون بالله غير الحق، وظن السوء. فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مخبوس، أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما شاء الله أعطاه، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه. ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش نفسه وتغلغل في معرض تواياها رأى ذلك فيها كامنا، كمون النار في الزناد. فأقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده. ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، واختلاقا له خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا. فمستقل ومستكثر. فتفحص نفسك، هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من عظيمة، وإلا فإني لا أخالك ناجيا. فليأتني اللبيب الناطح لنفسه بهذا الموضوع، وليتب إلى الله ويستغفره من كل وقت من ظنه بربه ظن السوء. وهذه كما ترى مواصلة من كلام إمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «زاد المعاد»، وهو من أحسن من تكلم على هذه المسألة، أو قل: هو أحسن من تكلم على هذه المسألة، على مسألة سوء الظن بالله جل وعلا. فهو يقول: إن بعض الناس يقع في نفسه ويكون لسان حاله، وإن لم يصرح بلسانه، هذا الظن بالله جل وعلا، فيرى أن الله جل وعلا إن أكرم شخصا ولم يكرمه، رزق شخصا ولم يرزقه، أحسن إلى شخص ولم يحسن إليه، كأنهم بلسان حالهم يقولون: أنا أحق بذلك من ذاك، أنا أحق بذلك الإحسان وبذلك الخير وبذلك الرزق من ذاك. وإن لم يصرح بلسانه، ولكنه يقر في قلبه. وهذا أيضا من باب إساءة الظن بالله جل جلاله. وعلى العبد أن ينظر إلى أفعال الله جل وعلا بأنها كلها خير، وأنها حكمة، وتستحق الحمد والثناء والشكر من جميع وجوهها. قال رحمه الله: «وليظن السوء بنفسه التي يمأوى كل سوء ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة، والمنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه. فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى. ولا تظنن بربك ظن سوء، فإن الله أولى بالجميل، ولا تظنن بنفسك غط خيرا. فكيف بظالم جاهل؟ فقل يا نفس: مأوى كل سوء، أترجو الخير من ميت بخير؟ وظن بنفسك السوء تجدها كذاك، وخيرها كالمستحيل. وما بك من تقوى فتهلك مواهب الرب الجليل، فتلك مواهب الرب الجليل، وليس لها ولا منها، ولكن من الرحمن فاشكر للدليل». الحاصل أن الإنسان إذا وقع منه هذا الأمر عليه أن يتهم نفسه، لماذا؟ لأن النفس أمارة بالسوء، النفس محل الظن السيئ. أما أفعال الله جل وعلا فكلها خير، ومنها الخير، وكلها مصلحة، وفيها الخير كله، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿بيدك الخير﴾، وقال تبارك الذي ﴿بيده الملك﴾. وكذلك جاءت الأدلة الكثيرة المتكاثرة الدالة على هذا المعنى، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك». وكذلك جاء في الإيمان بالقضاء والقدر أن تؤمن بالقدر خيره وشره. وجاء في بعض الروايات خارج الصحيح: «وحلوه ومره»، وهي لئيمة صحيحة. والمعنى هو المعنى: أن ما كان من خير فليحمد الله العبد عليه، وما كان من شر كذلك عليه أن يعلم أن ذلك الشر ليس بشر محض، بل وراءه من الحكم والمصالح العظيمة التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا. فعليه أن يحمد الله على جميع أحواله، ولا يقول له أن يظن بالله جل جلاله ظن السوء. فضل هذا رحمه الله قوله: «الظانين بالله ظن السوء». قال ابن جرير في تفسيره: «ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، الظانين بالله أنه لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به». وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع. يقول تعالى ذكره عن المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظن: «دائرة السوء»، يعني: دائرة العذاب تدور عليهم، بعذاب الدنيا والآخرة تدور عليهم، ولا محالة لخلاف أهل إيمان، فإنهم وإن ابتلاهم الله جل وعلا بشيء من البلاء فإنه لا يدوم، بل ينقطع، رحمة من الله وفضل وإحسان منه سبحانه وتعالى، وحكمة سبحانه وتعالى نصرا لأهل طاعته وأوليائه على أعدائه سبحانه وتعالى. قال واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة: «دائرة السوء» بفتح السين. وقرأ بعض قراء البصرة: «دائرة السوء» بضم السين. وكان الفراء يقول: الفتح أفشى في السين، وقل ما تقول العرب: «دائرة السوء» بضم السين. لمعنى أن القراءة قرأ بها على الوجهين، ولكن الفتح أشهر وأكثر. قال رحمه الله: «باب ما جاء في منكري القدر». قوله رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في منكري القدر». مناسبته لكتاب التوحيد هي أن الإيمان بالقدر واجب، لأنه رقم من أركان الإيمان، فلا يصح الإيمان ولا يصح توحيد العبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره. وإنكار القدر كفر بالله ينافي أثر التوحيد. هذا أمر. وقد يكون كذلك لأمر آخر، وهو أن المنكر القدر ناف لقدرة الله جل وعلا، ناف لقدرة الله جل وعلا، بمعنى أن الله لا يقدر على أفعال العباد، وهو ناسب القدرة إلى العباد، ناف القدرة عن الله جل جلاله، ونسب القدرة إلى العباد. لذا كان القدرية الأول ينفون القدر مطلقا بمراتبه الأربعة: العلم والكتابة والمشيئة والخلق. وأما الطائفة الأخرى من القدرية، وهم دون الأولى، فإنهم أثبتوا العلم والكتابة ونفوا المشيئة والخلق، فقالوا: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم بأنفسهم. وهذا كما ترون من الشرك بالله، إذ أنهم جعلوا العباد هم الخالقون لأفعالهم دون الله جل وعلى، وهم الموجدون لأفعالهم دون الله جل وعلى. وهذا شرك في الربوبية. ولعل هذا لأجل هذا المعنى ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد. ولا مانع من أن يكون الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب ها هنا في كتاب التوحيد لكل المعنيين، لأنه لا يتأتى الأمر الثاني إلا بالأمر الأول، والعكس بمعنى أن من آمن بالقدر انتفى عنه الشرك، وصار مؤمنا. ومن أنكر القضاء والقدر، أنكر القدر، فإنه لا يكون مؤمنا، بل يكون كافرا، لأنه لم يؤمن بالقدر، ويكون مشركا، لأنه أضاف القدر إلى نفسه، وأنه هو الذي يخلق أفعاله بنفسه، فيكون بهذا الاعتبار كافرا ومشركا. قال الشارح رحمه الله تعالى: أي من الوعيد الشديد ونحو ذلك. أخرج أبو داود عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». طيب هذا الحديث رجاله ثقات، إلا أنه من رواية أبي حازم سلمة بن دينار، وهو لم يسمع من ابن عمر رضي الله عنهما. لكن جاء في بعض الطرق ذكر الواسطة بينه وبين ابن عمر ونافع. ولأجل هذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في تخريجه لكتاب «السنة» لابن أبي عاصم برقم ثلاثمائة وثمانية وثلاثين، وتسعة وثلاثين وثلاثمائة. قال المصنف رحمه الله: «باب ما جاء في المصورين». قوله رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في المصورين»، أي من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للمصورين بخلق الله، للمضاهاة بخلق الله. لأنه أي التصوير هو منشأ الوثنية، فالشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد لأن التصوير سبب من أسباب الشرك، ووسيلة إليه، فهو ضد التوحيد. وما جرى لقوم نوح معلوم مصور في كتب أهل العلم أن أصل الشرك الذي وقع فيه قوم نوح إنما كان بالتصوير، ثم سموا حتى عبدوا مع الله جل وعلا غيره. قال رحمه الله: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة». أخرجاه. ولهما عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله». ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». ولهما عنه مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ». فيضل على هذا الفعل ينفخ وليس بنافخ، ما ترجع الروح أو ما تنفخ الروح أبدا. وهذا من عذاب الله الشديد لهؤلاء المصورين. قال الشارح رحمه الله: قوله: «باب ما جاء في المصورين»، أي من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه. فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة وهي المضاهاة بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والأمر، وهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة. كما قال تعالى: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾. وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلا ما تشكرون. فالمصور لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان أو بهيمة صار مضاهيا لخلق الله، فصار ما صوره عذابا له يوم القيامة، وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، فكان أشد الناس عذابا، لأن ذنبه من أكبر الذنوب. فإذا كان هذا فيما صور صورة على مثال ما خلقه الله تعالى من الحيوان، فكيف بحال من سوى المخلوق برب العالمين، وشبهه بخلقه، وصرف له شيئا من العبادة التي خلق الله الخلق ليعبدوه وحده بما لا يستحقه غيره من كل عمل يحبه الله من العبد ويرضاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا تمصتها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته». قال الشارح رحمه الله: قوله: «ولمسلم عن أبي الهياج الأسدي حيان بن حسين قال: قال علي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه». قوله: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا تمصتها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته». فيه التصريح لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا لذلك. أما الصور فلضاهاتها للخلق، فلضاهاتها لخلق الله. وأما تسوية القبور فلما في تعليتها من الفتنة بأربابها، وتعظيمها، وهو من ذرائع الشرك ووسائله. فطرف الهمم إلى هذا وأمثاله من مطامع الدين ومقاصده وواجباته. ولما وقع التساؤل في هذه الأمور وقع المحذور، وعظمت الفتنة بأرباب القبور، وصارت محطة لرحال العابدين المعظمين لها. فطرفوا لها جل العبادة من الدعاء والاستعانة والاستغاثة والتضرع لها، والذبح لها والنذور وغير ذلك من كل شرك محرم محذور. قال رحمه الله: والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، محادون لما جاء به. وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر. وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريم ذلك. قال أبو محمد المقدسي: «الصلاة على القبور من الكبائر؛ لأنها موصلة إلى الشرك». وعلى القاعدة المذكورة في الشرك الأصغر: أنه كل وسيلة موصلة إلى الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والناس ضلوا بخلق الرب وعمره، ولما فعل ذلك على طرفين ووسط. فالقدرية من المعتزلة وغيرهم، وصدوا تعظيم الرب تعالى بتنزيهه عما ظنوه جورا من الأفعال وظلما، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقا لشيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. بل قالوا: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء». ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم، بالقياس على أنفسهم. وتكلموا فيما يجب عليه ويحرم، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم، بالقياس على أنفسهم. قال: «وتكلموا في التأثير والتجويز لهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا». والحاصل أنه كما قيل: المعتزلة في باب الصفات معطلة، وفي باب القضاء والقدر مشبهة. وحاصل شبهة القدرية في هذا الباب: بأنهم يقولون: لو قلنا بأن الله يعلم أو بأن الله جل وعلا شاء من العباد الكفر، ثم عذبهم عليه لكان ظالما لهم. واضح. يقول: لو شاء الله جل وعلا من الكافر الكفر، والكافر لا محيص له من مشيئة الله جل وعلا، ثم عذبه الله جل وعلا على ذلك الكفر لكان ظالما له. قال: «فجعلوا لربهم جل وعلا شريعة في الإيجاب والتحريم، قياسا على ما يفعله المخلوق. إن فعل لك إنسان خيرا وجب عليك أن تثيبه، إن فعل لك سوءا وجب عليك أن تعاقبه». لا يلزمك أن تظلم من لا يستحق الظلم، على معنى كلامهم: بأن الظلم عدم إعطائه ما له. فهم كما سمعتم: أنهم مشبهة في هذا الباب، مشبهة في هذا الباب. فقالوا: لا يجب أن نثبت لله جل وعلا مشيئة بهذه الاعتبارات. والحق ما هو الحق: بأننا نثبت لله جل وعلا المشيئة، وكذلك نثبت للعبد مشيئة. والله جل وعلا إنما يعذب العبد على فعله، يعذب العبد على ما فعله. فإن فعل خيرا أسداه الله فضلا منه إحسانا، وإن فعل شرا وعذبه الله جل وعلا عذبه عدلا منه سبحانه وتعالى. واضحة. فأفعال الله بين الفضل والإحسان، وبين العدل والحكمة، لا ظلم في أفعال الله جل وعلا، ولا نقص في أفعاله سبحانه وتعالى. قال المصنف رحمه الله: «وفي المسند والسنن عن ابن أبي الديلمي عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعله عند الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار». قال: «فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه. قال الشارح رحمه الله: «وهذا كما ترون من الأحكام التي حكم عليها الشيخ رحمه الله». والشيخ رحمه الله وتعالى الإمام محمد بن عبد الوهاب يقول في هذا الحديث: «حديث صحيح». ثم قال: «رواه الحاكم في صحيحه». بمعنى أن الحاكم ذكره في مستدركه؛ لأن بعض أهل العلم يطلق على مستدرك الحاكم بأنه صحيح؛ لأنه من شرطه أن يستدرك الأحاديث الصحيحة التي فاتت الشيخين. قال: «فلو رأيت غلاة المتخذين لها أعيادا أو عيدا وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من كل مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه سجدا وخضعا، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمعوا لهم النشيج». ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد. حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر، ولا أجر من صلى إلى القبلتين. فتراهم حول القبر ركعا وسجدا، يبتغون فضلا من الميت والإضرار. وقد ملؤوا أكفهم خيبة وخسرانا. فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، وارتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة ذوي العاهات والبليات. ثم إنهم طافوا بعد ذلك حول القبر، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين. ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به، وفعل وفد البيت الحرام. ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود. ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن، إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق. قال: «وقد يعطى لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقرباتهم لغير الله رب العالمين». فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا، ويقول: «أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا». قال: «فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولا بحجك كل عام؛ لأنه قد حاز من الثواب ما لم يحج أحد من العالمين إلا من قام بزيارة ذلك القبر».

شاركنا على