الدرس في شرح فتح المجيد 87، ألقاها
يتناول هذا الفصل موضوع الغلو في الصالحين وآثاره السلبية، مشيراً إلى أن الغلو يؤدي إلى الشرك بالله. يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتحذير الأمة من الوقوع في هذا الخطأ.
يشرح هذا الفصل قصة نشأة الأصنام وكيف بدأ الشيطان في إغواء الناس بعبادتها من خلال الغلو في الصالحين، مما أدى إلى الوقوع في الشرك. يُوضح كيف زين الشيطان للناس عبادة الأصنام وأمرهم بها.
يتناول هذا الفصل كيف تطور الشرك لدى الأقوام السابقة، بدءًا من عكوفهم على القبور وتصوير التماثيل، ثم تطور الأمر إلى عبادتهم، وانتهاءً بدعائهم وطلب الشفاعة منهم. يبين كيف استغل الشيطان هذه الممارسات لتحويل الناس عن توحيد الله.
ينفي هذا الفصل أن يكون هناك أولياء لله غير المتقين، مؤكداً أن أولياء الله هم المتقون فقط. ينهي كلامه بالتأكيد على هذا المعنى، مشدداً على أهمية التقوى في نيل الولاية لله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله تركهم بالجر عطفا على المضاف. وأراد المصنف رحمه الله تعالى بيان ما يؤول إليه الغلو في الصالحين من الشرك بالله في الإلهية الذي هو أعظم ذنب عصي الله به، وهو ينافي التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص شهادة أن لا إله إلا الله. قال: فقول الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغلو هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد. أي لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزلها الله فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله. قال: والخطاب وإن كان لأهل الكتاب فإنه عام يتناول جميع الأمة تحذيرا لهم أن يفعلوا فعل نصارى نجران في عيسى عليه السلام واليهود في العزير كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم». قال: فكل من دعا نبيا أو وليا من دون الله فقد اتخذه إلها. وضاه النصارى في شركهم وضاه اليهود في تفريطهم. فإن النصارى غلوا في عيسى عليه السلام واليهود عادوه وسبوه وتنقصوه. قال: وقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. ففي هذه الآية وأمثالها الرد على اليهود والنصارى. الرد على اليهود لأنهم طعنوا في عيسى وفي أمه الصديقة رضي الله عنها وعليه السلام. قال: وقال شيخ الإسلام: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط فقد شابههم. قال: وعلي رضي الله عنه حرق الغالية من الرافضة. فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة فقذفهم فيها. واتفق الصحابة على قتلهم. لكن ابن عباس مذهبه أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق. قال: قال المصنف رحمه الله تعالى: في الصحيح عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون بها أنصابا وسموها بأسمائهم. ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله أن ينصبوا هو بكسر الصاد المهملة. قوله أنصابا جمع نصب والمراد به هنا الأصنام المصورة على صور أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم وسموها بأسمائهم. وفي سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن الأصنام تسمى أوثانا. قال: فإسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله سواء كان ذلك المعبود قبرا أو مشهدا أو صورة أو غير ذلك. قال: قوله حتى إذا هلك أولئك أي الذين صوروا تلك الصور. قوله ونسخ العلم أي درست آثاره بذهاب العلماء وعم الجهل. قال: قوله عبدت لما قال لهم إبليس إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر. وهذا فيه إشارة إلى ما تقدم من أن العلم كلما كان ظاهرا كان توابعه ظاهرا من انتشار الخير والتوحيد والسنة. وكلما اندرس العلم وقل العلم وضعف العلم ظهرت كذلك أضداده من ظهور الشرك وظهور البدع وظهور المخالفات. قال: هو الذي زين لهم عبادة الأصنام. فهو الناصر. أي الشيطان هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وأمرهم بها. فصار هو معبودهم في الحقيقة. كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. قال: فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم. كما قد وقع مثل ذلك في هذه الأمة. وهذا واضح. قال: وأظهر لهم الغلو والبدع والغلو في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم. ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلك من عبادتهم لهم من دون الله. قال: وقال ابن القيم: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله وقال ابن القيم هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية. قال: قوله وقال غير واحد من السلف هو بمعنى ما ذكره البخاري وابن جرير. إلا أنه ذكر عكوفهم على قبورهم قبل تصويرهم تماثيلهم. وذلك من وسائل الشرك بل هو شرك. لأن العكوف لله في المساجد عبادة. فإذا عكفوا على القبور صار عكوفهم تعظيما ومحبة عبادة لها. قال: ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. أي طال عليهم الزمان. وسبب تلك العبادة والموصل إليها هو ما جرى من الأولين من التعظيم بالعكوف على قبورهم ونصب صورهم في مجالسهم. وصارت بذلك أوثانا تعبد من دون الله. قال: فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله. فاتخاذ قبره وسنا تعلق عليه القناديل والستور. ويطاف به ويستلم ويقبل ويحجوا إليه ويذبحوا عنده. إذن هذه الغاية التي أرادها الشيطان. قال: والعجيب أنهم يعتقدون أن هذه كرامات. سمعت صوت فلان أو جاءني السيد فلان في المنام. هذه كرامة لمن لهذا الرجل أو لذلك العابد لذلك المقبور. قال: فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته. فاتقاده عيدا ومنسكا. ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم. قال: وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من توحيد الله وأن لا يعبد إلا الله. بل وبعضهم ربما استزلهم الشيطان أولا إلى الدعوة. ثانيا إلى القتال على من خالفهم. قال: فغضب المشركون واشمأزت قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام. وكثير من من ينتسب إلى العلم والدين حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم. ونفروا الناس عنهم. ووالوا أهل الشرك وعظموهم. وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله. ويأبى الله ذلك. وما كانوا أولياءه. إن أولياءه إلا المتقون. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.