الدرس في شرح العقيدة التدمرية 23، ألقاها
شرح مفهوم التأويل عند شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يبين أن تأويل الإخبارات الإلهية هو حقيقة تلك الصفات. يُوضح أن معرفة كيفية تلك الصفات لا تكون إلا برؤية الله جل وعلا يوم القيامة.
يتناول شرح تأويل صفات الله تعالى وأخبار الآخرة، موضحًا أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الأمر عند تحققه في الآخرة. يُفهم من ذلك أن الألفاظ المستخدمة في وصف الجنة والنار لها معانٍ حقيقية تتجلى عند وقوعها.
يتناول شرح عدم قدرة البشر على إدراك حقيقة الصفات الإلهية، مستندًا إلى أقوال السلف والأحاديث النبوية. يشير إلى أن معرفة كيفية صفات الله تعالى محصورة بعلم الله وحده.
يُوضح أن الأسماء الإلهية مترادفة في الذات ولكنها تختلف في الصفات. يتبعه ذكر وتسبيح لله تعالى واستغفار وتوبة إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذه القاعدة، من أن الإخبارات التي أخبر الله جل وعلا بها عن نفسه معلومة لنا باعتبار، وغير معلومة لنا باعتبار آخر. فباعتبار المعنى الظاهر هي معلومة، وباعتبار الكيف والكنه فإنها غير معلومة. وقد ذكر رحمه الله تعالى كلامًا يبين هذا بأمثلة، وبكلام السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. أن السلف رحمهم الله كانوا يطلقون التأويل ويريدون به تأويل التفسير، ويطلق بعضهم التأويل ويريدون به الحقيقة أو الحقيقة التي يؤول إليها الأمر. فلما خلص من ذلك، أي ما قرره من التقريرات، انتقل إلى النتيجة. قال: إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة المتصف بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات. وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد. قال رحمه الله تعالى: إذا عرف ذلك، أي عرف أن التأويل الذي هو مع الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، وكذلك أن تأويل الخبر هو وقوع ذلك الخبر. فيقول رحمه الله: فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغني بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات. أي تأويل صفات الله عز وجل بمعنى معرفة كيفية وكن تلك الصفات، إنما تكون برؤية الله جل وعلا. وهذا يكون لأهل طاعته سبحانه وتعالى ولأهل الإيمان، إذا رأى المؤمنون ربهم جل وعلا، فحينها يصدق أن يقال فيهم أنهم علموا تأويل بعض ما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه. فإذا رأوا وجهه علموا معنى الوجه وحقيقة الوجه وكيفية الوجه، إذا رأوا ساقه، كما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وجاء في حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتيهم ربهم جل وعلا فيقولون: لست ربنا، فيقولون: بما تعرفون ربكم؟ فيقولون: بساق، فيكشف عن ساقه، فيخر المؤمنون سجدًا». فعند المعاينة تكون هذه تأويل ما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه، عن الساق. واضحٌ أن الله جل وعلا أخبر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، فإذا رأى المؤمنون ذلك من ربهم جل وعلا يوم القيامة، كان ذلك تأويل ما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه. كذلك الصفات التي وصف الله جل وعلا بها نفسه المقدسة، ورآها وعاينها من عاينها من المؤمنين يوم القيامة، يكون هذا كذلك من تأويل ما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه. إذن كما قال رحمه الله: فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء وصفاتها، وحقيقة نفسه بمعنى أن العبد إذا رأى ربه جل وعلا، يتحقق فيه ما ذكر من أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الأمر. قال رحمه الله: وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد، أي ما وعد الله جل وعلا به أولياءه في الجنة، والوعيد ما أعده الله جل وعلا به أعداءه من العذاب والنكال في النار، كذلك يكون كما قال: نفس ما يكون من الوعد والوعيد. فإذا دخل أهل الجنة الجنة، رأوا وعاينوا ما أخبر الله جل وعلا به من أخبار الجنة. الله جل وعلا أخبرهم بأن في الجنة ماء، إذا رأوا الماء وذاقوا ذلك الماء، علموا حقيقة وكيفية وكن ما أخبرهم الله جل وعلا به من ماء الجنة. وكذلك من لبن الجنة، وكذلك من عسل الجنة، وكذلك من خمر الجنة، وكذلك من ثمار الجنة، ومن أرض الجنة، إلى غير ذلك مما أخبر به ربنا جل وعلا في كتابه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة. إذا وقع الأمر، يكون هذا من التأويل الذي هو المعنى الحقيقة التي يؤول إليها الأمر. فحينها يكون قد اجتمع في العبد معرفة المعنى الظاهر والمعنى الباطن. قال رحمه الله: ولهذا ما يجيء في الحديث: «نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه». لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا. كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وخمرًا ونحو ذلك. وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته. فأسماء الله تعالى وصفاته أولى، وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه، أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته. قال رحمه الله: والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد. مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغائب أعظم مما يعلم في الشاهد. وهذه قاعدة جليلة في هذا الباب يذكرها شيخ الإسلام يذكرها هنا. وهي أن الأمور الغائبة لا يفهم معناها إذا لم يكن لها معنى في الواقع يشابهها أو يقرب معناها. قال: والإخبار عن الغائب لا يفهم أبدًا إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد. فيكون ما في الشاهد، أي ما في الواقع، هو السبب في معرفة الإخبارات الغائبة. ولكن كما ذكر، مع العلم بالفارق المميز، أي المميز بين حقيقة الحقيقتين، وبين كيفية الحقيقتين، وبين كنه الحقيقتين. قال: وأن ما أخبر الله به من الغائب أعظم مما يعلم في الشاهد. كما جاء في الحديث: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». فهذه التعبيرات من رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن بين ما أخبرنا به وبين ما هو في الواقع تفاوتا عظيما. قال رحمه الله: وأما نفس الحقيقة المخبر عنها، مثل التي لم تكن بعد وإنما تكون يوم القيامة، فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. أي باعتبار الكيف والكنه والحقيقة. فلا يعلم حقيقة ما في الجنة إلا من خلقها، إلا الله جل وعلا سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. كذلك صفاته سبحانه وتعالى التي أخبرنا بها، فإنه لا يعلم كيفيتها وحقيقتها إلا الموصوف بها حقيقة، وهو ربنا جل وعلا. قال: ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. قال رحمه الله: مثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد لكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله. قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». وهذا في صحيح مسلم وغيره. وهذا يدل على أن أعلم الخلق بربه صلى الله عليه وسلم، مهما أثنى وأثنى على ربه جل وعلا، فإنه لا يستطيع أن يصل إلى أن يثني على ربه جل وعلا بكل السناء الذي يستحقه الرب جل وعلا. قال: وقال في الحديث الآخر: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم. وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده. فمعاني هذه الأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها غيره. قال: فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر. ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع تنوع معانيها. فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات. لأن لكل اسم معنى ليس في الاسم الآخر. قال: وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب. وكذلك أسماء القرآن، مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء وغير ذلك. ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها، هل هي من قبيل المترادف لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات؟ والتحقيق أنها مترادفة في الذات، متباينة في الصفات. إلهنا سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنك، أستغفرك وأتوب إليك.