الدرس في الجواب الكافي 37، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول المقطع الأول وصايا النبي لمعاذ بن جبل وتحذيره من الكبائر مثل عقوق الوالدين وترك الصلاة وشرب الخمر. يُبين عواقب هذه الأفعال ويُشدّد على خطورتها.
يُنبه المقطع الثاني على خطورة الاغترار بحسن الظن بالله دون خوف، ويحذر من التهاون في المعاصي. يُشير إلى أهمية الجمع بين الرجاء والخوف ويُقدم أمثلة من السنة النبوية حول شدة عقوبة الله.
يشرح المقطع الثالث حكمة قطع يد السارق ودية اليد في الإسلام، ويبين أن قطع اليد رادع للسرقة وأن دية اليد تهدف إلى صيانة النفوس. يُوضح أن بعض المعترضين يجادلون بتناقض بين دية اليد وقيمة السرقة.
المقطع الأخير يحذر من تعاطي القات ويؤكد أن كثرته وقليله حرام. يُشدّد على أن حتى الكميات الصغيرة منه لا تجوز ويُبين خطورة تعاطيه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام عند ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في وصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، وهي وصايا للأمة. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشرك بالله شيئا، وإن قتلت أو حرقت»، ولا تعق والديك. فحذرنا صلى الله عليه وسلم من عقوق الوالدين، وهو من أكبر الكبائر. عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». فالحذر من عقوق الوالدين. والواجب على العبد أن يبر والديه، ولو أمراه أن يخرج من أهله وماله. حتى لو قال له: اخرج من أهلك، واخرج من مالك، فلا يعقهما. عليك أن تطيعهما في طاعة الله، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. إنما الطاعة في المعروف. فإن أمراك بطاعة، فعليك أن تطيعهما إن كان في خروجك من أهلك ومالك طاعة لله جل وعلا، فنعم. وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وليس معنى ذلك أن تعقهما. فعليك أن تطيعهما في طاعة الله، وإن أمراك بمعصية الله، ولو بالشرك بالله جل وعلا، فلا تطعهما، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفا، ولا تعقهما. كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾، فلا تعقهما. وكما قال سبحانه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾. قالوا: «لا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد بريءت منه ذمة الله». وهذا الحديث أحد الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة متعمدا. فإذا ترك الصلاة بريءت منه ذمة الله سبحانه وتعالى. وتارك الصلاة متعمدا كافر الكفر الأكبر، على الصحيح من أقوال أهل العلم، لما دلت عليه الأدلة. والمسألة خلافية، لكن الراجح أنه يكفر إذا ترك الصلاة متعمدا، ولو صلاة واحدة إذا تركها متعمدا. قالوا: يكفر. لكن الذي يظهر، والله أعلم، أن هذا الحكم يلحق من ترك الصلاة متعمدا، يعني استمر على ترك الصلاة، صار تاركا للصلاة. والله أعلم، والمسألة خلافية. والحذر من ترك الصلاة متعمدا. قال رحمه الله: «ولا تشربن خمرا، فإنه رأس كل فاحشة». وإياك والمعصية، فإن المعصية تحل سخط الله. وهكذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شرب الخمر، وبين أنه رأس كل الفواحش. والخمر أم الخبائث. إنسان إذا شرب الخمر صار لا يبالي بعد ذلك بما يفعل. ربما يقتل بعد شربه الخمر، ربما يقع في الزنا. في أول أمره ربما لا يقتل أو يقع في الزنا، لكن ربما إذا شرب الخمر بعد ذلك زنى وقتل. وذلك لأنها كانت رأس الفواحش وأم الخبائث. إذا شرب الخمر ترك الصلاة، إذا شرب الخمر ترك الصلاة. كيف يصلي وهو سكران؟ فإذا شرب الخمر ربما ترك الصلاة، وربما قتل، وربما زنى، وربما سرق، إلى آخر ذلك. فيجمع الفواحش إذا ارتكب هذه الفاحشة، إذا فعل الأم وارتكب الأم، سهل بعد ذلك غيرها، فيقع فيها والعياذ بالله، ويرتكبها. والمعاصي تحل سخط الله جل وعلا، كما أن الطاعات سبب لمرضاة الله سبحانه وتعالى. فليحذر الإنسان من هذه الذنوب وهذه المعاصي، يحذر الشرك، ويحذر البدع، ويحذر الكبائر، ويحذر الذنوب والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: «ولا حديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ما ذكرنا، فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها، ويرسل نفسه في المعاصي، ويتعلق بحسن الرجاء وحسن الظن». إذن يا عبد الله، عليك أن تجعل هذه النصوص نصب عينيك حتى تتعظ بها، وتكون هذه النصوص عونا لك على الابتعاد عن الوقوع فيما يغضب الله سبحانه وتعالى. فلا تغتر، ولا تتعلق بحسن الرجاء والظن، وحسن الظن، لأنه كما تقدم، أكثر من يتهاون ويقع في الذنب والمعاصي بسبب الغلو في هذا الباب، غلو حسن الظن، وغلو الرجاء، وضعف في باب الخوف. والواجب الرجاء مع الخوف، الرجاء مع الخوف. فالرجاء يحمل الشخص على عدم القنوط من رحمة الله، واليأس إذا وقع فيما يغضب الله، فيسارع بالتوبة. والخوف يحمل العبد على عدم الاغترار بما هو عليه من الأعمال، ويحمل العبد كذلك على الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، وعدم تحقيرها. قال رحمه الله تعالى: قال أبو الوفاء ابن عقيل: «احذره ولا تغتر به، فإنه قطع اليد في ثلاثة دراهم، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر». وقد دخلت امرأة النار في هرة، واشتعلت الشملة نارا على من غلها، وقد قتل شهيدا. هذه وصايا عظيمة من هذا العالم الجليل، أبو الوفاء ابن عقيل، يحذر من الاغترار. فحذر أن يغتر العبد بالله جل وعلا، وبرجائه به، وحسن الظن به. لأنه جل وعلا أمر بقطع اليد في ثلاثة دراهم، مع أنها ثلاثة دراهم، كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع اليد في مجن قيمته ثلاثة دراهم. المجن هو الترس الذي يتقى به في القتال. فهذا يوجب الخوف وعدم الاغترار. أتحسب الأمر هينا أن تقول: هذا حبل يسير، أشياء ساوي هذه بيضة، هذا كذا، هذا كوب، وهذا كذا؟ لا، وذا، لأن الله جل وعلا قال: «لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده». المراد بالبيضة: حديدة للسلاح، كذلك تستعمل في الحرب. ومنهم من جاء الحديث على العموم. هذه البيضة يسرق البيضة، كم قيمة البيضة؟ نعم، كم عندنا الآن البيضة ثلاثين ريال؟ ثلاثين ريال، الله المستعان، تقطع اليد. والذي يؤخذ بهذا بعض أهل العلم، أو المجن هذا قيمته ثلاثة دراهم فضة، ما هو ذهب، ثلاثة دراهم، يعني ثلاثة دراهم فضة. الدرهم يراد به الفضة، والدينار الذهب. ثلاثة دراهم طيب، الدرهم اثنان جرام وكسور، اثنان جرام، إذا ستة جرام، يجعلها سبع جرامات، كلها بكم الجرام الفضة؟ الشيء يسير، سبع جرام، الشيء يسير، ومع هذا قطع النبي عليه السلام يد سارق سرق مجنا قيمته ثلاثة دراهم. ولذلك أبو الوفاء بن عقيل يقول: «احذره ولا تغتر به، فإنه قطع اليد في ثلاثة دراهم». تشير إلى الحديث الذي تقدم، وهذا لصيانة وحماية الأموال، لأن الناس إذا لم تقم عليهم مثل هذه الحدود، ولم تجعل مثل هذه الحدود، استهانوا بأموال الناس. هذا يسرق، وهذا يأخذ، وهذا يأخذ. لكن إذا علم أن إذا سرق ستقطع يده، يرتدع، يرتدع. ففي إقامة الحدود حماية، ومنها قطع يد السارق حماية للأموال. أما المعري الضال الأعمى، أعمى البصر والبصيرة، الله المستعان، يعترض على شرع الله جل وعلا، يعترض على شرع الله، يقول: «يد بخمسمائة عسجدا وديت، ما بالها قطعت في ربع دينار؟» تناقض، يقول: «ما لنا إلا الثكوى له، ونستجير بمولانا من النار». يقول: كيف هذا؟ هذا تناقض، هذا تناقض. «يد بخمسمائة عسجدا وديت»، يعني دية اليد إذا قطعت، إذا كسرت، خمسمائة دينار من الذهب، خمسمائة دينار من الذهب، دية اليد، كيف تقطع في ربع دينار؟ ديتها خمسمائة دينار وتقطع في ربع دينار، هذا تناقض. يقول على شرع الله تناقض. الله المستعان، وضل عن الحكمة في هذا. ولذلك أجابه من أجابه، قال: «قل للمعري: عار، أي ما عار، جهل الفتى، وهو عن ثوب التقى عار». «يد بخمسمائة عسجدا وديت، ما بالها قطعة في ربع دينار؟ صيانة النفوس أغلاها، وأرخصها حماية المال». فافهم حكمة الباري. صيانة النفوس أغلاها، صيانة النفوس جعل اليد غالية، لا يتجاسر أحد على الاعتداء على الناس، لأنه ينتبه إذا قطعت اليد خمسمائة دينار، ماهو سهل، انتبه. هذا فيه صيانة للنفوس. فذلك كانت دية قطع اليد هذه الدية صيانة للنفوس. فالذي أغلاها صيانة النفوس من عدم الاعتداء عليها، ولو إصبع، ولو إصبع واحد. نعم، فعشرة أصابع دية كاملة، الإصبع الواحد عشر، وهكذا. وهذه احسبها، تقول: هذا، هذا، شو عليه؟ ثلاثة، أربع، هذا عليه، وهكذا، احسب، اعمل حسابك، تبه، ما فيه شيء. النفوس مصانة، وصيانة وحماية للمال، أرخصت هذه اليد، صارت رخيصة. اليد هذه كانت معززة، اليد كانت معززة ولها قيمة، حين كانت شريفة، إذا اعتدي عليها، فقيمتها هذه. هذه اليد إذا هانت على صاحبها، نعم، صار يسرق بها، صار تخيصة، لا تساوي، لا تساوي شيء. إذا أخذت ثلاثة دراهم، نعم، ما يقال سبعة جرام من الفضة، وهكذا قطعت. بل كما جاء في الحديث: «البيضة يسرق البيضة فتقطع يده». وجاء في بعض تفسير شراح: المراد بالبيضة الحبل، حبل، ومن يقول: حديدة تكون مع السلاح. المهم أنه شيء يسير، ربما يستحقره الناس. فلذلك الحذر الحذر من الاعتداء على أموال الناس، ولا تقول: هذا شيء يسير، وغير ذلك. قال رحمه الله: وقال الإمام أحمد: طيب، وهكذا ذكر من شرب مثل رأس الإبرة من الخمر. يقول أبو الوفاء بن عقيل: من شرب مثل رأس الإبرة، رأس الإبرة معروف، رأسها شيء يسير، لكن من الخمر، معناه جعلها قطرة قطرة، خمر قطرة خمر، ماذا؟ حرام. فلا تقول: شيء يسير، وغير ذلك، لا. ما أسكر كثيره فقليله حرام. ما أسكر كثيره، الخمر الكثير يسكر، الخمر الكثير يسكر. طيب والقليل كذلك حرام. ما أسكر كثيره فقليله حرام. طيب، كم حد هذا القليل؟ أطلق النبي عليه الصلاة والسلام، أطلق النبي، ما قال: حد القليل كذا، يعني يدخل به القطرة، القطرة، قليل، رأس الإبرة، شيء قليل من الخمر، وذا يقول أبو الوفاء ابن عقيل: «رأس إبرة من الخمر حرام». لماذا؟ لأنه قليل، لماذا يسكر كثيره؟ وأطلق الرسول عليه الصلاة والسلام. فبعض الناس يقول: شربه، لا، ما في شربه، ولا تخزينها، واحدة، ما هي دائما. تخزينها واحدة، وحبة السجارة، وربع سجارة، ونصف سجارة، كله حرام. ما تقول: نصف، ولا حبة، ولا ربع، ولا قطف من القات، حاجة بسيطة، ما في. والذي هو حرام، كثيره، قليله كذلك حرام.