كتاب البيوع 9

الدرس في كتاب البيوع 9، ألقاها

مقدمة في شرح حديث أبي هريرة

يبدأ الشرح بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي يرويه الإمام عبد الغني المقدسي في كتابه 'عمدة الأحكام'، ويتناول النهي عن تلقي الركبان وغيره من البيوع المنهي عنها.

تفصيل حكم تلقي الركبان وشرط التحريم

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان قبل وصولهم الأسواق، واختلف العلماء في حكم ذلك بين التحريم والجواز بناءً على شروط معينة.

بيان الخيار في البيع ومسائل متعلقة به

أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب السلعة خيارًا عند وصولها السوق، واختلف العلماء في مسائل متعلقة بالخيار والغبن والنهي عن التلقي.

تتمة الكلام عن غبن الركبان في المذهب الحنبلي

ذهب الحنابلة إلى أن الركبان إذا غبنوا غبنًا فاحشًا، فإنه يعتبر بمنزلة الشراء في الحكم، ويكون لهم خيار عند وصولهم إلى السوق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام»، في كتاب البيوع منه، باب ما ينهى من البيوع، وتقدم معنا الكلام على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، واليوم نتكلم على حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه فيه عدة مناهي، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضروا لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاع من تمر». وفي لفظ: «هو بالخيار ثلاثًا». هذا الحديث الذي هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، كما ترون، فيه عدة مناهي، لذا سنتكلم على كل فقرة وما تعلق بها من الأحكام بإذن الله جل وعلا. فقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تلقوا الركبان»، الراكب ضد الماشي، أي من كان على مركوب، من إبل أو غيرها من الدواب، فإنه يقال فيه بأنه راكب. وهذا معلوم، وفي أيامنا هذه من كان يركب السيارات ونحوها، فيقال فيه بأنه راكب، والراكب ضد الماشي. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلقوا الركبان»، كما ترون، فيه النهي عن تلقي الركبان، لأن «لا» ناهية، والأصل أنها كلمة «تلقوا» أي لا تتلقوا الركبان. والأصل في النهي هو التحريم. قال الحافظ في الفتح رحمه الله: قال الحديث خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكونون عادة ركبانًا، قال: ولا مفهوم له، بل لو كان الجالب عددًا مشاة أو واحدًا راكبًا أو ماشيًا لم يختلف الحكم؛ لأن العلة كما سيأتي معنا هي تلقي السلع، وليس المراد هل هم راكبون أو ماشون. ويؤيد هذا ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما، فقد جاء في حديث ابن عمر: «نهى أن تتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق». وفي رواية: «نهى أن تتلقى الجلب». وفي رواية: «لا تلقوا الجلب». فإذا المقصود هو السلع، أي لا تتلقوا السلع ممن أتى بها قبل أن تبلغ هذه السلع الأسواق. وفي الحديث مسائل: الأولى: حكم تلقي الركبان قبل أن يبلغوا السلع. ذهب الجمهور إلى تحريم ذلك، وذهب الأوزاعي وأبو حنيفة إلى جواز التلقي إذا لم يضر الناس، فإن أضرهم كره. والصحيح الأول للنهي الصريح في ذلك، والله أعلم؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلقوا الركبان»، نهي، والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له. مسألة أخرى: هل من شرط التحريم أن يعلم النهي عن التلقي؟ الجواب: نعم، لا بد أن يكون عالما. أما من كان جاهلًا للنهي فإنه معذور بجاهله. وأما من لم يقصد التلقي، بل خرج لشغل فاشترى منه، فهل يدخل في النهي؟ قولان لأصحاب مالك، وهما وجهان في مذهب الشافعي، أصحهما التحريم لوجود المعنى، وهذا هو الراجح. قال الحافظ رحمه الله: وشرط بعض الشافعية في النهي أن يبتدأ المتلقي فيطلب من الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع فاشترى منه المتلقي لم يدخل في النهي. مسألة: هل يصح عقد من تلقى الركبان إذا اشترى منهم عالما بالنهي؟ ذهب الجمهور إلى صحة البيع، وأن رب السلعة بالخيار إذا أتى السوق، بالخيار إن شاء أنفذ البيع وإن شاء فسخ البيع. وذهب بعض المالكية وبعض الحنابلة إلى فساد العقد. ومما يدل على صحة البيع ما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الجلب، قال: «فإن تلقاه متلق فاشتراه، فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق». وإسناده صحيح، ورواه مسلم. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى معلقًا على هذه الأحاديث: «والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح». ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار، فأشبه بيع المصراة. مسألة: هل للبائع الخيار إذا علم أنه غبن؟ ذهب الجمهور إلى أن له الخيار، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا خيار له. مسألة أخرى: هل الغبن شرط في ثبوت الخيار؟ ذهب إلى اشتراطه طائفة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب الشافعي ومذهب الحنابلة. وذكر الحافظ أن الأصح عند الشافعية والحنابلة إثبات الخيار مطلقًا، وهذا هو الأظهر لظاهر الحديث السابق. مسألة: هل النهي في هذا الحديث لأجل منفعة البائع وإزالة الضرر عنه، أم لأجل منفعة السوق؟ ذهب الشافعي إلى الأول، وذهب مالك إلى الثاني. والراجح قول الشافعي لحديث أبي هريرة عند مسلم وأبي داود المتقدم. مسألة: متى يبتدئ حد التلقي المنهي عنه؟ ومتى ينتهي فيجوز؟ قالوا: أما ابتداؤه من جهة الجالب فلا حد لانتهائه. وأما من جهة المتلقين، يبتدئ النهي في حقه من خروجه من السوق، بمعنى أنه إذا تلقى الركبان داخل البلد ولكن خارجًا عن السوق، فإنه داخل في النهي. والصحيح القول الأول لظاهر أحاديث المصرحة بأنه لا يباح حتى تدخل السوق. وجاء في حديث ابن عمر في الصحيحين: «نهى أن تتلقى السلع حتى تبلغ السوق». وهذا نص واضح صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل الغاية ما هي؟ حتى تصل إلى السوق. مسألة: وبها نختم هذا الدرس، من تلقى الركبان فلم يشتر منهم، وإنما باع لهم سلعة، فما الحكم؟ ذهب الحنابلة إلى أنهم إذا غبنوا غبنًا يخرج عن العادة، فهو بمنزلة الشراء في الحكم، أي أنهم بالخيار إذا بلغوا السوق. وهذا هو الأظهر باشتراك العلة وهي الخديعة والإضرار بالركبان، فتأخذ حكمه، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على