الدرس في أداء الحقوق 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وأهمية تصديقه فيما أتى به من أخبار غيبية. يشمل ذلك الإيمان بنبوته وامتثال تعاليمه.
يؤكد على وجوب الإيمان بأخبار الغيب التي أخبر بها النبي، مثل نعيم الجنة وعذاب النار، باعتبارها وحيا سماويا. يشير إلى أن الإيمان بالغيب من أعلى مراتب الإيمان.
يستشهد بحديث عدي بن حاتم وأبي هريرة لبيان صدق نبوءات النبي ويحذر من التشكيك فيها، معتبرا ذلك أمرا خطيرا قد يصل إلى درجة الكفر.
يفسر معنى شهادة أن محمدا رسول الله بضرورة طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه، مع التأكيد على عبادة الله وفق الشريعة دون اتباع الأهواء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في مثل هذه المقامات نتذاكر وإياكم ما يتعلق ببعض حقوق النبي عليه الصلاة والسلام على أمته. ومما مضى إخواني في الله في دروس سلفت وخلت من هذه الحقوق التعظيم والمحبة الشرعية، وهكذا التأدب بالأدب المناسب والكامل لجناب المصطفى، صلواته ربي وسلامه عليه، وهكذا ما يتعلق بالتحاكم إلى سنته، وما يتعلق كذلك الاهتمام بسيرته. كذلك إخواني في الله، ما يتعلق من الحقوق التي ينبغي أن تؤديها الأمة لنبينا عليه الصلاة والسلام تصديقه فيما أتى من الأخبار والآثار. تصديقه فيما أتى به من الآثار والأخبار، قد مر معنا في ذكر هذه الحقوق أنه عليه الصلاة والسلام أتى بشريعة وأحكام، فهذه حقها أن تؤدى وأن تطبق. وقلنا: وقد جاء كذلك في حياته عليه الصلاة والسلام ذلكم التاريخ الحافل الذي سمي وعرف بالسيرة، فهذا أيضا حقها أن تدرس وأن يتمثل بها. وأيضا مما أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام الأخبار، حدث نبينا عليه الصلاة والسلام عن أشياء كثيرة، وهي من هذه الأخبار متعلقة بأمر الغيب، والغيب هو كل ما خفي عنك علمه. نبينا عليه الصلاة والسلام كثيرا ما حدثنا عن المغيبات، من هذه المغيبات من أحاديثه المعروفة المشهورة أنه كان يحدث عما مضى من الأمم السالفة. كم هي الأحاديث التي تحدث فيها نبينا عليه الصلاة والسلام عما وقع في الأمم السالفة وما جرى مع أنبيائه ومع رسل الله عز وجل؟ وأحاديث كثيرة عن بني إسرائيل، هذه أمم لم يدركها أحد، بل حتى نبينا ما أدركها، ومع ذلك حدث نبينا عليه الصلاة والسلام عن هذه الأمم السالفة. وهكذا بالمثل حدث نبينا عليه الصلاة والسلام عما سيقع في الغيب، عما سيقع في المستقبل، من ذلكم إخباره عليه الصلاة والسلام بأشراط الساعة، أخبر عن الدجال، أخبر عن يأجوج ومأجوج ونزولهم في آخر الزمان، وبشكل عام عن أشراط الساعة التي ستأتي آخر الزمان: خسف بالمشرق، خسف بالمغرب، خسف في جزيرة العرب، وطلوع الدابة، وطلوع الشمس من مغربها. أخبار لم يدركها أحد، حدث عنها نبينا عليه الصلاة والسلام، بل حدث ما بعد هذا، هذه أشراط الساعة، بل حدث نبينا عن الساعة بنفسها، إذا قامت الساعة ما الذي يصحبها من البعث والنشور، ومن النفخ بالصور، ومن الميزان والمشي على الصراط، وبنت طائر الصحف، وهكذا مما حدث عنه نبينا عليه الصلاة من الغيبيات ما يتعلق بأمر البرزخ، عن عالم القبر، وما أدراك ما هذا العالم؟ ما منها من أحد إلا وسيكون من أهله. وما يقع للمؤمن، وما يقع كذلك للفجار من إرسال الملكين، فيسألان كل ميت: ما ربك؟ ما دينك؟ ما النبيك؟ وما يقع من النعيم المقيم لأهل الجنان بأن تفسح لهم القبور حتى على مد البصر، والعكس بالعكس لأهل الكفر والمروق والنفاق والمجون، كيف أن يضيق عليهم القبور؟ هذه أمور غيبية ما أحد يدركها بعقله أبدا. وهكذا ما أخبر به نبينا عن عالم السماء، عن عالم الملائكة، وكذلك عن الجنة وعن نعيمها ودورها وقصورها، وعن النار وما أعده الله جل وعلا من النكال الشديد والعذاب الأليم. هذه إخواني يسمى بالأخبار، تسمى أخبار حدث عنها نبينا عليه الصلاة والسلام، وتسمى بأخبار الغيب. بقي: ما هو الواجب؟ ما الذي ينبغي للأمة أن تفعله إذا هذه الأخبار الثابتة والمروية عن نبينا عليه الصلاة والسلام؟ الأمة ليس لها إلا حل واحد، وهو الإيمان والتصديق والرضوخ والإذعان لما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا الإيمان إخواني في الله بهذه الأخبار يعتبر من أعلى مراتب الإيمان، من أعظم مراتب الإيمان الإيمان بالغيب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿أَلٓمٓ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، أول صفات أهل التقى الذي سطرها ربنا جل وعلا في كتابه وابتدأ بها في ذكر أتباع الأمة أنهم يؤمنون بالغيب. فمن الإيمان بالغيب نؤمن بكل ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا إخواني في الله، وهذا الباب: التصديق بأخبار الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يتأتى إلا من رجل قد استوثق، قد استوثق أن ما يتلفظ به نبينا عليه الصلاة والسلام إنما هو وحي، هذا الذي به تذعن لكل ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، أن الذي يأتي به عبارة عن وحي السماء، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أكتب، هو الذي نفسي بيده، ما يخرج منه -وأشار إلى فمه- إلا حقا». فأخباره عليه الصلاة والسلام ليس بعمل عن تخريصات أو ظنون، أو أنها استنباطات أو اجتهادات قابلة للأخذ والعطاء كما نرى من كثير من الناس في هذه الأزمان، ومن خاصة من أصحاب الأقلام الحرة كما يستولون أنفسهم من العقلانيين، وكذلك من أصحاب المذاهب اللادينية، أنهم يأخذون هذه الأخبار أنها تحت التنحيص، أنها تحت المجهر. فإن جاءهم خبر من مسائل الغيب عن أمر قد مضى، عن أمر سيأتي، أو من أخبار البرزخ أو الساعة، نضع هذا في المجهر، وما هو المجهر؟ العقل والواقع، فإن رأوا أن هذا الحديث لا يوافق العصر، لا يوافق الواقع ردوه، أو أنه لا يتأقلم مع العقل ومع فكر العقل البشري ردوه. وهذا ليس من صفات أهل الإيمان، وإنما المؤمن يقول: «آمنا بما جاء به جائب عن الله، وجعل رسوله عليه الصلاة والسلام». وهكذا كان الصحابة قد تربوا على هذا الخلق العظيم، بل هذا الذي ينبغي أن يكون عليه أهل إيمان جميعا. فكان نبيه إذا حدثهم بالخبر سرعان ما صدقوا وأذعنوا دون تشكيك أو دون طعن أو دون تردد في أخباره عليه الصلاة والسلام. من ذلك من حيث المشهور في البخاري عندما يقول عدي بن حاتم عن نفسه: أنه كان في مجلس مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا برجل في المجلس يشتكي لنبينا الفاقة والحاجة والمسكنة، ثم جاء الآخر وشكا نبينا عليه الصلاة والسلام ما يجده من قطاع الطريق. فلما انتهى المجلس نظر نبينا إلى عدي، قال: «يا عدي، أرأيت الحيرة؟» فقلت: «يا رسول الله، لم أرها ولكني أنبئت عنها». فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عدي، لئن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف حول البيت لا تخاف إلا الله». قال عدي: «فقلت في نفسي: وأين دعار طيء؟!». ثم قال: «يا عدي، لئن طالت بك حياة لترين تفتحن كنوز كسرى». فقلت: «يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟» قال: «كسرى بن هرمز». ثم قال: «ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يملأ بملء كفه من ذهب يريد من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه». هذا الذي أخبر به نبي عبارة عن أشراط الساعة، عن أمارات غيب ما وقعت في زمنهم. فيقول عدي رضي الله تعالى عنه معلقا على هذا الحديث بعد مضي سنوات من هذا الخطاب: «ولقد رأيت المرأة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز». ثم قال: «ولئن طالت بكم حياة لا ترون الرجل يخرج بملء كفه يريد من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه». هكذا حال المؤمن المصدق بخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، أنك تسمع، وأنك تبصر، بل وتخبر غيرك بلا خوف ولا تردد، أن هذا سيقع لا محالة. كما وقع مع أبي هريرة في ذلك الشيطان الذي اتمثل بصورة إنسي، فكان يأتي على بيت المال ويأكل ويأكل، فلما ألقى أبو هريرة القبض عليه شكا هذا الجن المتلبس الفاقة والعيال فتركه. فلقيه نبينا في الصباح، قال: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟» قال: «صنع شكوى العيال والحاجة». قال: «أما إنه كذب وسيعود». فما الذي فعل أبو هريرة؟ قال: «فانتظرته، انتظرت مصدقا لخبر الله ورسوله». وهكذا يا عبد الله، علينا أن نؤمن بأخباره عليه الصلاة والسلام. وكما قلت: الأسف في هذا الأزمان أصبح التشكيك الكثير من بعض الأقلام ومن بعض الكتاب يشككون بأخبار نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذا من الأمور العظيم، بل لربما يخرم الإيمان. حتى قال من قال من سلفنا الصالح: «من رد حديثا صحيحا يعتقد صحته فقد كفر». من رد حديثا صحيحا يعتقد صحته فقد كفر. إن كنت تؤمن وتعتقد بأن هذا الحديث ثابت عن نبينا، لكن ترده بهواك، ترده بعقلك، ترده بواقعك، فإن هذا يعتبر من نواقض الإسلام كما اعتبره جماعة من العلماء. فإخواني في الله، فهذا حق من أعظم الحقوق الذي ينبغي أن تؤدى لنبينا، وهو احترامه وتبجيله وذلك بتصديقي ما أخبر به. ولهذا جعل من عرف محمد رسول الله لعظم هذا الحق جعلوه يدخل في ضمن تعريف محمد رسول الله، حيث فسر هذه الشهادة «محمد رسول الله»: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.