أداء الحقوق  19

أداء الحقوق 19

الدرس في أداء الحقوق 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية كف الأذى في الإسلام

يعتبر كف الأذى حقًا إسلاميًا عظيمًا وأصلًا من أصول الحقوق الإسلامية، حيث يشير إلى أن المسلم الكامل هو من يسلم المسلمون من لسانه ويده.

تحريم إيذاء المسلمين وآثاره السلبية

يؤكد على تحريم إيذاء المسلمين بلسان أو يد، ويعتبر ذلك نقصًا في إسلام المرء وموجبًا لسخط الله، مشيرًا إلى أهمية سلامة المسلمين من الأذى.

عواقب أذية المسلمين وأهمية تجنبها

يُحذر من أذية المسلمين ويبين عاقبتها مستشهدًا بحديثين نبويين يوضحان أن إيذاء الجيران يمكن أن يؤدي إلى النار، بينما تجنبه مع الصدقة يمكن أن يؤدي إلى الجنة.

كراهة أذية المؤمن وتحريمها

يثبت أن الله يكره أذى المؤمن وأنه حرام، ويشير إلى أن هناك صورًا وأحوالًا لأذية المؤمن سيتم التطرق إليها فيما بعد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، كان الكلام، إخواني، في دروس ماضية عما يتعلق بأهم حق من الحقوق الإسلامية التي ينبغي لأهل الإسلام أن يتعاملوا بينهم، فيما بينهم، على ظلها. وكان هذا الحق المسمى ببذل الندى، وهو بذل المعروف والخير، وذكرنا ما يتعلق بهذا الفصل، وتحت هذا المبحث مسائل عديدة متعلقة بحكمه وصوره، وشيء من فوائده. ننتقل الآن، إخواني، إلى الحق الثاني، وهو الذي يقول عنه العلماء: كف الأذى. فكف الأذى، إخواني في الله، من الحقوق العظيمة التي ينبغي أن يؤديها المسلم لإخوانه المسلمين، وهو أن يكف أذاهم. ويلاحظ أهمية هذا الحق في حق من تأمل في تعاريف العلماء للأدب والأخلاق، تجد أنهم لا يخرجون عن أهمية هذا المقام والتحذير منه. فإن من أعظم أركان الأخلاق الحميدة كف الأذى. وهكذا إن عرجت، يا عبد الله، إلى معرفة الإحسان، ونعني بالإحسان مع الخلق، وتجد تعاريف العلماء قديمًا وحديثًا، تجد أن تعاريفهم لم تخلو من التحذير من اشتراط هذا المقام، ألا وهو كف الأذى. فتجد أن كل ما يتعلق بالمعاملة مع المسلمين أنها تستلزم منك، يا عبد الله، أن تكف أذاك عنهم. ولهذا يعتبر كف الأذى من أصول الحقوق الإسلامية. ويظهر ذلك جليًا في قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». الأصل، يا عبد الله، أن المسلم ينبغي أن يكون باذلًا للخير، باذلًا للنفع، يكون نفعه متعديًا لمن عاصره، ومن عايشه، ومن عاشره، يجد من ثمرة إيمانه، ويجد من صفاته وخلاله ما ترتاح له النفوس، وما يصل بها الخير إلى غيره. هذا الأصل أن يكون المسلم في مجتمعه عامل بناء، لكن إن قصرت بك القدرة، يا عبد الله، فما استطعت أن ينتفع الناس منك، ما استطعت أن تبدل الخير لخلة ذات يدك، أو لعدم استطاعتك لمعاشرة الناس، وهلما جر من هذه الأعذار التي تحول بينك وبين نفع الآخرين، فلأقل، يا عبد الله، أنك تكف شرك عن الناس، كف أذاك عن الناس، كف ما فيه مضر عن الناس، كن يا عبد الله حاجزًا عن ذلك، فإن ذلك من أصول الحقوق الإسلامية. «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وذكر العلماء، كالحافظ بن رجب رحمه الله تعالى، بأن هذا الحديث بيان على أن ليس المسلم الكامل هو الذي يؤذي الناس، هذا لا يمكن. رجل يؤذي الناس بسوء لسانه بالسب والشتم والغيبة والنميمة والاستهزاء والاستحقار، أو يؤذيهم كذلك بفعاله وبيده وبجوارحه من ضرب وتنكيل وتكسير وتخريب وتدمير ونحو ذلك، هذا الذي هذا حاله، وهذه مثوبته، هذا ليظن أنه قد أصبح في عداد المسلمين ممن كمل إسلامهم. قد ذكر العلماء، كما يقول الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى، أخبر أن من معنى هذا الحديث أن ليس من المسلم الكامل الذي يؤذي الناس بلسانه ويده. فينبغي، إخواني في الله، الاحتفاظ بهذا الأصل العظيم، وهو أن المسلم يكف شره عن الناس، وإلا فإنه معرض لعذاب الله، معرض لعقوبة الله. من ترك لنفسه العنان بفعل ما يشتهي من مضرة المسلمين، ومن أذية المسلمين في دينهم ودنياهم، فإنه معرض لعذاب الله ولغضب الله. قال جل في علاه: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾. هذا في حق من؟ هذا في حق الذي يؤذي المؤمنين ويؤذي المؤمنات. فأذية المسلم، وأذية المسلم حرام في كتاب الله جل وعلا، فلا يجز لحال أنك، يا عبد الله، تصل وتوصل شرك وأذاك وبلواك إلى عامة المسلمين، وإلى جماعة المسلمين. فالمسلم، إخواني في الله، عليه أنه كما مر ذلك في دروس ماضية، أنه يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى نفع المسلمين. «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». هذا الأصل. أما أنك تعكس الحال، وتجعل أنك بكل قدرة وكل قوة تصل شرك وبلواك إلى المسلمين، فإن هذه من أعظم المحرمات، بل هذا يشك في إيمانه ويشك في إسلامه. قال عليه الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك في السنن، في الترمذي، من حديث ابن عمر: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم». فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تؤذوا المسلمين»، فلن يغني لمن رضي بالله ربه، وبالإسلام دينًا، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيًا ورسولًا، أن يكف أذاه. وأنك، عبد الله، إذا علمت أن شيء من فعلك، أو شيء حتى من ألفاظك، ورأيت أن من معاملتك فيها أذية للناس، فعاود غير، وإلا فاعلم أنك تذهب وتغدو وتروح في سخط الله، تذهب وتغدو وتروح في سخط الله سبحانه وتعالى، ولا ينفعك مهما فعلت من عبادات ومن طاعات، ولو كنت من أهل الخير والصلاة، ولو كنت حتى من رواد المساجد، ولكن الناس قد تأذوا منك، ومن شرك، ومن لسانك، ومن فعالك. فإن هذه الأعمال لا تنفعك عند الله جل وعلا، بل إن الله جل وعلا سيجازيك على أذيتك. ثبت في الصحيح، وجاء معناه في السنن كذلك، ما جاء في قصة المرأة التي حكوا أمرها لنبينا عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا رسول الله، إن امرأة فلانة يذكر من صلاتها وصيامها، ذكروا لها من خلال الخير التي حباها الله جل وعلا بها من الصلاة والقيام، قالوا: إلا أنها تؤذي جيرانها. قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار». هي في النار. انظر مع ما ذكروا لها من صلاة، وليست أي صلاة، بذكروها على وجه المدح والمبالغة، وأنها بلغت من العبادة ما بلغت، حتى أنه يتمدحون بصنيعها، بلغ من أمرها من صلاتها وصيامها وقيامها كذا وكذا، إلا أنها علت بهذه البلية، أنها تؤذي جيرانها. والله أعلم بما هي الأذية، لكنها أذية قد تؤذي باللسان، قد تؤذي بالفعال، قد تؤذي بالقيل والقال. الله أعلم بالأذية، لكنها تؤذي جيرانها، فما حكمها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار». ثم قام الصحاب وذكر على خلاف ذلك أن امرأة أخرى يذكر من قلة صلاتها، ومن قلة صيامها، إلا أنها تتصدق ولا تؤذي جيرانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في الجنة». فانظر، يا عبد الله، إلى مقام الأذية، فمن كان مؤذيًا للمسلمين، فإن الله جل وعلا توعده بالنار، ولو كان على العبادة مبلغًا عظيمًا. ويذكرنا هذا بتلك الأحاديث التي أخبر فيها النبي عن حال الخوارج، أنه كيف ذكر من عباداتهم، ومن صلاتهم، بل قال نبي للصحابة: «الصحابة من هم؟ الصحابة الذين بلغوا في العبادة مبلغًا عظيمًا»، حتى قال علي: «ومع هذا قال نبينا في حق الخوارج: أنكم، يا معشر الصحابة، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم»، يعني الصحابة يرون أعمالهم لا شيء، لا شيء أمام الخوارج من التعبد والتبتل لله عز وجل. لكن ماذا في باب المقابل؟ أنهم آذوا الناس، ومن أذيتهم أنهم سفكوا الدم الحرام، فما حكمهم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم». لئن أدركتهم، هؤلاء أصحاب العبادة، أصحاب الصلاة والقيام، قال نبيه: «لئن أدركتهم لأقتلنهم». لماذا؟ لأنهم آذوا الناس، آذوا الناس في أرواحهم، آذوا الناس في مجتمعاتهم، وآذوا الناس كذلك في حياتهم. فالمقام، عباد الله، مقام عظيم، ليس بالهين، وليس بالسهل، كما يظن الكثير من المسلمين أنه يعاشر الناس على طبيعته، بغض النظر عن هذه الطبيعة، هل فيها أذية أو ليس فيها أذية، لا يبالي. لا، يا عبد الله، عليك أن تهتم بهذا، تنظر في معاشرتك لأهلك، ولأزواجك، ولأقاربك، ولأرحامك، ولجيرانك، ولعامة الناس. إن كنت أن في معاشرتك أذى لهم، عليك أن تغير، أن تكف وجوبًا، وجوبًا، أن تكف هذه الأذية عن الناس. وإن كنت ترى أن في معاملتك اليسر والسماحة والخير لهم، فانض، عبد الله، لهذا قدمًا. فإن أذية المسلم مما حرمه الله جل وعلا. وقد ثبت عند ابن ماجة بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «والله يكره أذى المؤمن». والله يكره أذى المؤمن، فأذية المؤمن حرام، يكرهها الله سبحانه وتعالى. وإن شاء الله ستأتي معنا في دروس قادمة، يتعلق بهذا المقام بذكر صوره وأحواله، وبعض مسائله. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.