شرح مسائل الجاهلية  83

شرح مسائل الجاهلية 83

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 83، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

المكر الكبار كفعل قوم نوح وتاريخه

المكر الكبار هو سمة أهل الجاهلية والكفر، وقد ورد ذكره في القرآن في سياق قوم نوح، حيث احتالوا وخدعوا الناس بطريقة خفية لإيصال المكروه لهم. هذا الفعل كان نتيجة تزيين الباطل وتدرج الشيطان في إغواء الناس.

تزيين الباطل واستخدام المكر في الإغواء

يشرح المؤلف كيف يستخدم الشيطان التدرج في إغواء الناس حتى يعبدوا غير الله، كما حدث في قوم نوح عندما عبدت الأصنام من دون الله بعد أن كان أصحابها من أهل الصلاح. هذا التدرج في الإغواء أدى إلى مكر أهل الكفر وتزيينهم للباطل.

تقسيم المكر إلى محمود ومذموم وخطورته

ينقسم المكر إلى نوعين: محمود ومذموم، فالمكر المحمود يتوصل به إلى الخير أو الضرر لمن يستحقه، بينما المذموم يسبب ضررًا لمن لا يستحقه. يحذر المقطع من إيصال الضرر بطرق ملتوية ويعتبره من كبائر الذنوب.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة والسبعون، المكر الكبار كفعل قوم نوح، أي أن من خصائص الجاهلية أنهم من أهل مكر وخداع واحتيال؛ لأن المكر في اللغة العرب بمعنى الاحتيال والخديعة. المكر في لغة العرب بمعنى الاحتيال والخديعة، وأما في اصطلاح الشرع، فقد قال الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه التعريفات: "أن المكر هو إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر"، فهذا هو المكر. وبعضهم يقيد كذلك بوصف أخص في موضوع المكر: أن المكر يكون بطرق خفية، فكون أن ما يقوم به إنسان من الناس بإيصال الضرر لإخوانه، وهذا الإيصال عن طرق خفية ملتوية غير ظاهرة ولا بادية، يسمى هذا مكرًا. هذا المكر هو من شيم أهل الكفر، ومن شيم أهل الجاهلية، ولهذا قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: "المكر الكبار"، والكبار على وزن فعال، وهو جمع كبير. ولهذا في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ أي مكرًا عظيما. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: "المكر الكبار كفعل قوم نوح"، إذن علمنا بهذا، إخواني في الله، أن أهل الجاهلية من الخصال التي تمتعوا بها وعاشوا عليها مسألة المكر، وخاصة المكر بقومهم وأتباعهم حتى يجعلونهم معهم في دائرة الكفر والشرك. مكر الكفار ليس أي مكر، بل مكر عظيم، بل مكر الليل والنهار، إذ تأمروننا "مكر الليل والنهار"، أي مكر في الليل ومكر في النهار. الأتباع عندما ذكروا حال الأسياد والسادة والرؤساء في إضلالهم، ما كان من فعلهم من مكرهم، وانظروا إلى وصف المكر: "مكر في الليل ومكر في النهار"، بل "مكر الليل والنهار"، إذ تأمروننا "مكر في الليل ومكر في الننهار". بل إن ربنا جل وعلا وصف مكر أهل الكفر بقوله جل في علاه: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، مكر عظيم. في هذه الأزمان، إخواني في الله، من تطلع إلى بعض المخططات الموجودة والمذكورة والمبثوثة والتي أخرجت للعيان، يندهش على هذه المكيدة وعلى هذا المكر الذي تصابر عليه أهل الكفر. لربما مخططات قاموا بدراستها قبل كثير من السنوات، والعديد من السنوات مرّ عليه الأعوام على هذه المخططات، وهم لا زالوا عليها ينفذونها سنة بعد سنة، حتى يصل إلى مآربهم، كل ذلك في سبيل تضليل الناس، مكر عظيم، مكر تزول منه الجبال. تنظر إلى مخططاتهم، إلى بروتوكولاتهم، إلى دسائسهم، إلى ما لربما بعض المخططات كانت في السبعينات، مخططات والآن تنفذ في هذه الأزمان، يعني صبر ومكر ودهاء وخبث، الواحد منهم لو ربما ما ينظر كما يفعل بعض الناس، عنده عجلة في تنفيذ أوامره، يريد أن يبطش أو يريد أن يضر إنسانا ما. بعض الناس عنده عجلة في الإضرار، يفكر أن الإضرار ينزل مباشرة على خصمه، لكن هؤلاء ليس عندهم هذه الطريقة، لا، بل عندهم أن الإضرار يصبرون على إيصاله، ولو بعد سنوات، ألم يصل؟ يصل، يصل، يصل لك، ولو بعد أمد، وبطرق كذلك خفية، وبطرق خفية. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق بمكر أهل الكفر، مكرهم عظيم، وهذا مكرهم، طبعًا يكون لتزول منه الجبال، هذا بالنظر لحال البشر، أما عند الله جل وعلا فلا شيء، إن كيد الشيطان كان ضعيفا، كيدهم ومكرهم بالنسبة لعلم الله سبحانه وتعالى فهو لا شيء. يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون، فإن الله جل وعلا يعود على مخططاتهم بالنسب والإبادة والإزالة. الحاصل، إخواني في الله، قوله رحمه الله تعالى: "المكر الكبار كفعل قوم نوح". مثل المؤلف رحمه الله تعالى بهذا المكر العظيم من مكر أهل الكفر بما جرى وما صار في قوم نوح، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. ففي هذه الآية: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾، ربنا وصف أهل الكفر بأنهم قد مكروا، وكيف كان مكرهم جاء مبينا في هذه الآية. ولهذا قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: "مكروا مكرا كبيرا بليغا"، مكروا مكرا كبيرا بليغا، وذلك بتزيين الباطل. ذكر رحمه الله تعالى أن مكرهم كان عظيما، وكان بتزيين، وكيف زيّن الباطل؟ قوم فرعون الكبراء والشرفاء عندما أرادوا من الأتباع أن يستمروا على عبادة الأصنام: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، في الحقيقة هؤلاء كانوا أهل صلاح، كانوا أهل صلاح. ود وسواع ويغوث كانوا من أتباعي، كانوا من أتباع الأنبياء والرسل، وكانوا على دعوة التوحيد، فلما ماتوا، ولما هلكوا، قام الشيطان إلى الأجيال تلو جيل بعد جيل، جيل بعد جيل، ويصور لهؤلاء أن ما أنتم عليه ليست عبادة لهؤلاء. فتارة بالجلوس عندهم عند قبورهم، وتارة بذكر ما كان من خصال الخير التي كانت عليهم، وتارة بتصوير المجسمات التي فيها تصوير لأجسادهم، حتى يتذكرونهم متى ما رأوهم، وهكذا الشيطان لا زال يتدرج بهم حتى أوصلهم إلى أن يعبدوهم من دون الله جل وعلا، ثم عبدت هذه الذوات وعبدت هذه الأصنام. وإلا هم أصالة كانوا من أهل الخير، وكانوا من أهل الصلاح، كما جاء ذلك موضحا في البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فالشاهد أن هذه الأصنام والأشخاص والذوات قد عبدت من دون الله جل وعلا. فكان الشرفاء يزينون للأتباع الاستمرار على عبودية هؤلاء، من أي باب، من باب التعصب، من باب التعصب لها، وقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، وهذا من باب ذكر الخاص بعد العام، من باب ذكر الخاص بعد العام. فألزموا أتباعهم بالاستمرار على هذه الأصنام والذوات، لا لشيء إلا من باب التعصب: أن هؤلاء كانوا عليها الآباء، كانوا عليها الأسلاف، كان عليها الأجداد، فنستمر عليها. وهذا الموجود، إخواني في الله، عند الكثير من الوثنيين في هذه الأزمان، ممن عكف على عبادة غير الله سبحانه وتعالى. من أضرحة، من قباب، من قبور، من أشياء مجسمة، إذا أراد أن ينافح أو يدافع عن دعوة التوحيد، وأراد أن يصبر أتباعه، لا تجده يدخل في مجال العلم؛ لأن لا علم عنده، لا يأتي بالحقائق العلمية التي تؤيد صحة ما هو عليه، أو يبطن ما عليه خصمه من دعاة التوحيد. وإنما شأنه أنه إنما المكر الخفي، أنه يؤجج هؤلاء بأن هؤلاء ما أرادوا إلا إهانتكم، إلى الإهانة بكم، هؤلاء ما أرادوا إلا أن يبسطوا بساط الشرف والسؤدد من أيديكم، أن هؤلاء ما أرادوا إلا انتقاصا من عقولكم، والتنقص من حقكم. هؤلاء لو تعلمون ما في دعوتهم هو ماذا؟ هو التنقص على دينكم، وأنكم قد كفرتم، وأنكم... وعلى هذا الحال يأتي هؤلاء الشرفاء، ولا زال من علماء السوء من يمكر بقومه، يمكر بقومه، يأتي بالحيل الخفية لكي يصل به الضرر. وأعظم ضرر، يا عبد الله، أن يوصله الإنسان بأهله وإخوانه، أن يوصل إليهم الكفر، هذا من أعظم الضرر، وهو من أعظم المكر، من أعظم المكر. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: "المكر الكبار كفعل قوم نوح". وقد قسم العلماء رحمهم الله تعالى المكر إلى قسمين: إلى مكر سيء، وإلى مكر حسن. وقد يقول قائل: وهل هناك في المكر ما هو يحسن فعله؟ نعم يوجد. وهذا التقسيم قد سار عليه العلماء، ذكر ذلك العلماء، كابن القيم رحمه الله تعالى. عندما تكلم عن المكر، ذكر أن منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود، ذكر من المكر ما هو محمود، فذكر من المكر المحمود ما كان من قبل الله سبحانه وتعالى، ما كان من مكر الله سبحانه وتعالى، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. لكن مكر الله سبحانه وتعالى إنما كان صفة من صفات الحسن لله جل وعلا، مقابلة لمكر الماكرين، لمكر الماكرين، فهي صفة مقابلة. فربنا جل وعلا يمكر بما مكر به بمن مكر بدينه، بمن مكر بأتباعه، بمن مكر برسله، فإن الله جل وعلا ينكر بهم. ومن هنا قسم العلماء إلى أن المكر ينقسم إلى مكر المكروه، وإلى مكر المحمود، على حسب المآلات. فإن كانت هذه الطرق الخفية يتوصل بها إلى إيصال الضرر إلى من لا يستحقه، فهذا مكر سيء، وإن كان إيصال الضرر لمن يستحقه، فهذا مكر حسن. ومن ذلك ما قال علماء من مكر الله جل وعلا بأهل الكفر، فأهل الكفر هم يمكرون بدين الله، ويمكرون برسل الله، ومع ذلك يمكر بهم ربنا جل وعلا، من حيث لا يشعرون، من حيث لا يشعرون، وهذا صفة كمال، وهذا صفة كمال، يا عبد الله. كما قال عمر رضي الله عنه: "لست بالخب ولا الخب يخدعني"، مع أني لست ماكرًا، ولست بمخادع، لكن بالمقابل: لا أني أجعل أهل الخداع وأهل الغش والمكر يمكرون بي، يعني أنا... بعض الناس، صحيح، بعض الناس قد ماذا؟ قد لا يعرف الحيل والاحتيال والخديعة والمكر، لكنه في درجة من الاستغفال: أن غيره يمكر به. لا، هذا ما يستصوب، صفة كمال، بل هذا يقال: ماذا على نياته؟ لا، لكن من قوة المسلم: أنك لا تمكر ابتداء، لكن إن وجد من يمكر بك، فعليك أن ترد هذا المكر. فقال عمر: "لست بالخب ولا الخب يخدعني"، مع أني لست ماكرًا، لكن بالمقابل: ما أجعل المكر يمكرون بي. وكذلك ذكر الراغب الأصبهاني رحمه الله تعالى، عندما ذكر موضوع المكر، وقسم كذلك المكر إلى مكر المحمود، وإلى مكر المذموم، ذكر من هذا المكر المحمود: أنك تتوصل به إلى طرق الأمر فيه مصرحة، قال: من ذلك بيّن، ومثّل بما يفعله الإنسان مع صبيانه ومع أطفاله. هذا يمكن: أنك تستغفل أطفالك، تستغفلهم بطرق ملتوية، تمكر بهم، لكن لإرادة مصلحتهم، لربما تريد أن تعطيه شيئا، أو تمنعهم من شيء، وذلك فيه مصلحة له، فتتخذ الطرق الملتوية، الطرق الخفية، لكن هذا من المكر المحمود؛ لأن القصد من ذلك إيصال الخير لمن يستحقه. أو قل: إيصال الضرر لمن يستحقه، فإن كان إيصال الضرر لمن يستحقه، فهذا من المكر المحمود. يوجد في أمن الناس من أهل الخداع، يوجد من أهل الفجور، يوجد من أهل البدع، يوجد من أهل الكفر من يكيد بهم الإسلام. فإن وجد من المسلمين من يستطيع أن يمكر بأمثال هؤلاء فيطيح بهم، فله ذلك؛ لأن هذا من المكر المحمود، وهؤلاء يستحقون أن يمكر بهم. ومن ذلكم الخديعة في الحرب، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: "الحرب خدعة". ولازال عليه الصلاة والسلام لربما يفعل ذلك، لربما إذا أراد أن يغزو قوما، وأراد أن يخدعهم، وأن يمكر بهم، لربما نشر بين الناس كأنه يريد جهة معينة، وهو في حقيقة الأمر يريد ماذا؟ هذه جهة مقصودة بعينها. فما ذمّ ذلك من الخديعة التي أجازها الشرع؛ لأن فيها إحقاق الحق لمن يستحقه. وإلا الأصل: إن كان المكر هو إضرار لمن لا يستحقه، كما فعله أهل الدناءة من يمكر بالمسلمين، من يمكر بجيرانه، من يمكر بأهل الحق؛ لكي تأخذ حقوقهم، أو كما تستولي على أموالهم، فهذا لا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب. كما صرح بذلك العلماء، من حجر الهيثمي وجماعة، أن جعلوا ذلك من كبائر الذنوب: أنك تمكر بإنسان لكي توصل إليه الإضرار، فهذه كبيرة. إيصال الضرر ذنب، لكن إن كان الإيصال عن طريق طرق ملتوية، فهذا أعظم الذنب، فهو كبير من كبائر الذنوب. وقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «المكر والخديعة في النار»، حسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.