الدرس في استغلال الأعمال قبل فوات الأوان، وكانت يوم السبت 28 شعبان 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
خلق الله الإنس والجن لعبادته وحده وهو غني عنهم لا تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم. الأعمال الصالحة تنفع صاحبها فقط، والملائكة تحفظ جميع الأعمال ليحاسب الله عليها.
في يوم القيامة تُحْصَى الأعمال صغيرها وكبيرها، فيفرح من ملأ صحيفته بالحسنات ويحمد الله على توفيقه. من جاء بسيئات يندم ولا يلوم إلا نفسه، ويهرب كل إنسان من أقرب الناس إليه انشغالاً بنجاة نفسه.
يُحاسب العبد يوم القيامة عن عمره وشبابه وماله وعلمه، مستنداً إلى أحاديث نبوية تحث على اغتنام الوقت. يُحذر من إضاعة الشباب في اللهو والمعاصي، ويُذكر بفضيلة من نشأ في عبادة الله.
يسأل المتحدث الله أن يجعله والمستمعين ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. يطلب أن ينصرفوا من هذا المقام بذنوب مغفورة وأعمال متقبلة مبرورة.
أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ ألم يكن نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ إن الله عز وجل ما خلق الخلق إلا ليقوموا بعبادته وبطاعته وبتوحيده سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. ومما ينبغي علينا أن نعلمه أن الله عز وجل حينما خلقنا ورزقنا وأنعم علينا بهذه النعم وأمرنا بطاعته وعبادته، فليس معنى ذلك أنه فقير إلى أعمالنا أو محتاج إلى عباداتنا، بل هو سبحانه وتعالى الغني عن خلقه. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. إن الله عز وجل لا يزيد في ملكه طاعة الطائعين ولا أعمال المحسنين، كما أنه لا ينقص في ملكه معصية العاصين ولا أفعال المجرمين. ولهذا يقول ربنا عز وجل كما في حديث أبي ذر القدسي الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «يقول الله تعالى: يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». إخواني في الله، إن الإنسان حينما يتزود من العمل الصالح ويتقرب إلى الله بالطاعات، إنما ينفع نفسه، وإنما يرحم نفسه، ويقدم لها ما ينفعها بين يدي الله عز وجل. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. لكن اعلم يا عبد الله أن الله عز وجل لا يضيع عنده شيء، ولا يضيع بين يديه شيء، وإنما جميع ما يعمله العباد محصي عند الله عز وجل في كتاب ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. الله عز وجل قد جعل علينا ملائكة من خلقه، ووظيفة هؤلاء الملائكة حفظ هذه الأعمال التي يعملها العاملون من خير أو شر. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ولهذا، إخواني في الله، نعم الإنسان إذا جاء يوم القيامة وجد جميع أعماله محصية ومسجلة عليه، وإن كانت من أمثال الذر، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. ويقول الله عز وجل عن المجرمين: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. ما أعظم الفرح يا عباد الله حينما يلقى العبد ربه عز وجل وقد ملأ صحائف أعماله أعمالا صالحات وأجورا وحسنات اكتسبها في هذه الدنيا وعملها في هذه الحياة. ولهذا يقول الله عز وجل في حديث أبي ذر المتقدم: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم» أي التي عملتموها في هذه الدنيا، «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها» أي يوم القيامة يوم يلقى العبد ربه عز وجل، «ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله». يحمد الله عز وجل الذي وفقه للطاعة، والذي شرح صدره للعبادة وصبره عليها. يحمد الله عز وجل الذي لا حول له ولا قوة إلا بالله، إلا بالله. فلول الله عز وجل ما صلى، ولول الله عز وجل ما صام، ولا تصدق، ولا عمل شيئا من هذه الأعمال. يحمد الله عز وجل الذي له الفضل الأعظم والأكبر في هداية هذا الإنسان وتوفيقه إلى سبيل الرشاد. نعم، وتحصيل الأعمال الصالحات. وأما من جاء يوم القيامة وهو قليل العمل، كثير الأوزار، وكثير المعاصي والسيئات، فهذا ما أعظم حسرته، وما أعظم ندامته في ذلك اليوم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ﴾. لا يجعل اللوم على غيره، لا يجعل اللوم على صاحبه، لا يجعل اللوم على زوجته، لا يجعل اللوم على أولاده وأقاربه. فالناس يا عباد الله في ذلك اليوم كل واحد همه وشغله الأكبر أن ينجو بنفسه، أن ينجو بنفسه. ولهذا حتى الشيطان الذي هو عدو الإنسان الأكبر يتبرأ في ذلك اليوم ممن أضلهم عن السبيل وأبعدهم عن الطاعة والعبادة، ويقول لهم: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾. الواحد في ذلك اليوم يفر من أخيه، ومن أمه وأبيه، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾. لماذا يا عباد الله؟ قال الله عز وجل: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. فكل واحد لسان حاله ومقاله: نفسي، نفسي، نفسي. حتى الأم التي هي من أرحم الناس بهذا الولد، والتي لربما تمنت أن تمرض ولا يمرض، وتمنت أن تموت ولا يموت، في ذلك اليوم تفر وتهرب من هذا الولد التي كانت رحيمة به. وهكذا الوالد، وهكذا أيضا الإخوان والزوجات والأولاد. كل واحد همه وشغله الشاغل أن ينجو بنفسه، أن ينجو بنفسه، ولو كان على حسابي هلاك غيره. هذا كله، إخواني في الله، يجعلنا نجد، ويجعلنا نجتهد، ويجعلنا نسعى في تحصيل الأعمال الصالحات، وفي تحصيل ما ينفعنا في هذه الدنيا ويوم نلقى الله عز وجل. وعندها الجزاء ولا عمل، عندها الجزاء ولا عمل. نعم، إخواني في الله، فيغتنم هذا المسلم أيام عمره وساعات عمره، بل يغتنم هذه السنوات أجمع، بل يغتنم هذا العمر كله فيما ينفعه وفيما يقربه من ربه عز وجل. لأننا، إخواني في الله، مسؤولون بين يدي الله عز وجل عن هذا العمر، وعن هذا الوقت الذي متعن الله عز وجل به. فقد جاء عند أصحاب السنن من حديث أبي برزة، وجاء من حديث ابن مسعود وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، حتى يسأل عن أربع: قال: عن عمره فيما أفناه، عن عمره فيما أفناه». هذا العمر يا عبد الله الذي هو رأس مالك، في ماذا أفنيته وبماذا ملأته؟ العشرين سنة أو الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين، بل لعل بعضنا من قد جاوز الستين، ماذا عملنا يا عباد الله في هذا العمر الذي هو نعمة من الله عز وجل عليه؟ قال: «وعن شبابه فيما أبلاه». وتأمل يا عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الشباب قال: «فيما أبلاه»، لأن الشباب هو أحسن سنواك هذا العمر التي فيها النشاط، وفيها القوة، وفيها الحيوية والنشاط، هو زمن البلاء. فلهذا كان حقا على الشباب أن يستغلوا أوقاتهم في طاعة الله عز وجل وفيما يقربهم من الله عز وجل. الشباب يا عباد الله الذي أضاعه كثير من أهل الإسلام، الشباب يا عباد الله الذين دخلت عليهم المعاصي، ودخلت عليهم الشبهات أو الشهوات من شتى الأبواب والمنافذ، فأصبحوا إلا من رحم الله بعيدين عن المساجد وبعيدين عن الطاعة والعبادة، بينما كان حقهم أن يكونوا من أسبق الناس إلى الخير ومن أسرع الناس إلى الطاعات. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر في حديث أبي هريرة المتفق عليه أولئك السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال منهم: «وشاب نشأ في عبادة الله، وشاب نشأ في عبادة الله». ولهذا كان السلف رحمة الله عليهم نعم، كانوا يعمرون أيام شبابهم في العمل الصالح. ولهذا كانت التابعية الجليلة حفصة بنت سيرين رحمة الله عليها تقول: «يا معشر الشباب، اعملوا، فإنما العمل في الشباب، فإنما العمل في الشباب». ما أدري بماذا سيجيب معظم أكثر شباب الإسلام حينما يسألون عن الشباب: أضيعوه في مجال سلقات، أم ضيعوه أمام شاشات التلفاز، أم ضيعوه أمام الكرة وتضيع الأوقات معها، أو مع غير ذلك من الملاهي؟ قال عليه الصلاة والسلام: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به». فلهذا علينا، إخواني في الله، أن نجد وأن نجتهد وأن نسعى ونسابق ونتنافس على تحصيل الأعمال الصالحات التي نفرح بها في الدنيا ونفرح بها أكثر في الآخرة يوم نلقى الله عز وجل. فأسأل الله عز وجل بمنه وفضله وإحسانه أن يجعلني وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن لا يجعلنا نصرف من هذا المقام إلا بذنب مغفور وعمل متقبل مبرور. إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.