المحاضرة بعنوان زمن التغيرات، وكانت بدار الحديث بدار السلام بعتق ١٥ ربيع أول ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية استغلال العمر في طاعة الله وعدم التفريط في الوقت، ويحذر من تضييع العمر في اللهو والملهيات. يشدد على سؤال العبد يوم القيامة عن عمره فيما أفناه.
يُناقش أهمية مرحلة الشباب في حياة الإنسان وأنه ينبغي استغلالها في طاعة الله، ويحذر من تضييعها في الأمور التافهة أو المحرمة. يشير إلى أن الشباب هم الركيزة الأساسية لعمارة الأوطان وقوام الأمم.
يُنبه إلى خطورة الشهوات والشبهات على الشباب ويشير إلى أهمية العلم النافع في الوقاية منها. يقدم أمثلة من السنة النبوية عن حرص الصحابة على طلب العلم في سن الشباب.
يُنصح الشباب باستغلال فترة شبابهم في طاعة الله وطلب العلم النافع، ويُشجع على الالتحاق بمراكز أهل السنة. كما يُوصى أولياء الأمور بتقدير قيمة طلب العلم لدى أبنائهم.
يشرح معنى أن يكون العمل في سبيل الله، ويبين أن الجهاد لا يقتصر على القتال فقط، بل يشمل السعي على الوالدين والعيال والنفس. يحث الشباب على استغلال وقتهم في العمل الصالح.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، أخواني في الله، فبادئ ذي بدء نتوجه بالشكر الجزيل إلى أهل هذا المسجد لإتاحتهم الفرصة في إلقاء مثل هذه الكلمات وهذه المواعظ في بيوت الله، وخاصة ونحن في هذه الأزمان التي كثرت فيها الغفلة وابتعد الناس عن تعلم أمور دينهم، فنسأل الله السلامة والعافية، فجزى الله خيرًا كل من ساهم وساعد وشارك في مثل هذا الجمع الكريم، وفي مثل هذه الكلمات التي تؤدى في هذه الأزمان والأعصار. أخواني في الله، حديثي وإياكم في هذا المقام وفي هذا المكان المبارك حول حديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، والذي جاء في السنن من حديث أبي برزة الأسلمي، وجاء أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والذي فيه قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل بما علم». هذا الحديث العظيم، أخواني في الله، من الأحاديث التي ينبغي أن يتأمل فيها المسلمون، إذ أنها تتحدث عن موقف من مواقف القيامة، والتي ما منا من أحد من صغير ولا كبير ولا عظيم ولا حقير ولا ذكر ولا أنثى إلا وقام بهذا القيام، أن الله عز وجل سيحاسبه على هذه الأمور المذكورة آنفًا. ولا تكون الإجابة يا عبد الله على حد زعم من يظن أن تكون بحفظ الإجابة ثم تملى، لا ليس هناك إملاءات وليس هناك حفظ تحفظه الذاكرة، إنما الإجابة يا عبد الله تكمن في واقعك، الواقع هو الذي يجيب عند الله سبحانه وتعالى عن هذه الأسئلة. ومما يسأل عنه العبد يوم القيامة كما قال المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه عن عمره فيما أفناه. أعمارنا، أخواني في الله، أعمارنا التي ذهبت وولت وانقضت سيسألنا عنها الباري جل في علاه، بماذا ذهبت؟ بماذا انصرفت وانصرمت هذه الأعمار؟ أو ذاك الذي عمر الستين والسبعين والثمانين ومن تجاوز ومن أقل من هذا السن، أين أفنى هذا العمر المديد؟ أخواني في الله، الأعمار من أعظم النعم التي يمنها الله على العبد، ويمنها الله على من شاء من عباده أن يجعل الله سبحانه وتعالى لك فسحة من عمرك، وأن يمد لك في دهرك فتعيش في هذه الدنيا. وكم من أناس حرموا من طول العمر، وآفتهم الآجال وسبقتهم المنية وقضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين من حديث عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين، قتل أحدهما ثم مات الآخر بعده بفترة، قتل أحدهما ثم مات الثاني بعده بفترة، فصلينا على الثاني كما قال عبيد رضي الله تعالى عنه، قال: فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا قلتم أي في دعائكم؟ قلنا: يا رسول الله، دعونا الله له، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم الحق بصاحبه». انظر لهذا الدعاء، هم ظنوا أنهم قد بلغوا الذروة وبلغوا الإحسان في باب الدعاء. أخواني، آخى بينهما نبينا، فوجدوا أن من حق المآخى التي كانت في الدنيا أن تكون أخوتهم كذلك في الدار الآخرة، يكون في منزل واحد، قالوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم الحق بصاحبه. فقال عليه الصلاة والسلام: «فأين صلاته من بعد صلاته، وأين صيامه من بعد صيامه، وأين عمله من بعد عمله؟ فلما بينهما كما بين السماء والأرض، ما يستويان أبدًا». أتدري كم من فترة؟ في رواية عند أبي داود يحسنها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: أن مقدار الفترة جمعة، أتدري ما معنى جمعة؟ أسبوع، أسبوع واحد فقط. هذا مات، ذاك عاش بعده بأسبوع ثم مات، فظنوا أن هذه الفترة الوجيزة تغتفر فيلحق الله الثاني بالأول، لكن الحساب الشرعي لا، فقال نبينا: «فأين هذا الذي عمر بعد صاحبه بأسبوع؟ كم صلى؟ كم من أيام صام؟ كم من عمل صالح تقربه إلى المولى؟ تذهب عليه السوداء». قال: «أين صلاته من بعد صلاته، وأين عمله من بعد عمله؟ فما بينهما كما بين السماء والأرض». أسبوع يا عبد الله، أسبوع استطاع أن يتحصل هذا على منزل أعلى من درجة أخيه بمقدار ما بين السماء والأرض. نعمة العمر يا عبد الله، نعمة لا توازيها أي نعمة، إذا وفقت يا عبد الله إلى طاعة المولى سبحانه وتعالى. وإن العبد كلما أطال الله في عمره كلما كانت حجة الله عليه أعظم. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أعذر الله إلى امرئ بلغه إلى ستين سنة». أعذر الله إلى امرئ، قال الشراح: معنى أعذر الله إلى امرئ أي أن الله أزال عنه الأعذار، ما هناك له عذر. رجل أطال الله في عمره حتى بلغ إلى هذا السن إلى ستين سنة، هل هذا يبقى له عذر أمام الله؟ ليس له عذر. كيف يمكن لرجل عمر لهذا العمر فما ظنك أن يقول لربه؟ يقول: يا رب لو أنك أمهلتني بضع سنين سأفعل وأفعل، ما تنفعك هذه الأعذار وأنت قد عمرت هذا العمر المديد ستين سنة؟ «أعذر الله إلى امرئ بلغه إلى ستين سنة»، أي لا عذر له، لا عذر له. فاقبل يا عبد الله بهذا العمر الذي متعك الله به المولى متعك الله به، من بين سائر الناس، استغل هذا العمر يا عبد الله في الإقبال على طاعة الله، في العبودية لله سبحانه وتعالى، بإقامة الصلاة بالنوافل. لا يكون حالك كحال بعض الخلق للأسف من أصحاب الأفهام المعكوسة والمنكوسة، تجد أن بعض الناس إذا كبر سنه ورق عظمه وأصبح قاب قوسين من الموت أو أدنى، لو ربما اشتغل في آخر عمره بالملهيات. رأينا هذا، رأينا هذا من بعض كبار السن، هو في هذا السن المديد لو ربما يلعب الكيرم أو يلعب الورق، إيش يا عاقل يا أخي؟ خلاص إيش معي من العمر؟ عندي هذا، تتولى بهذا وأنت في آخر عمرك، هذا يضيع لو كان تسبيحه أو تحميده أو استغفاره أو تكبيره، رفع الله بك الدرجات العلى. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». هذه خيرية، إشارة إلى الخيرية. وأنا من خيار العباد عند الله، هذا المقياس. وجاء أيضًا من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه عند الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله». ليس العبر يا عبد الله بإطالة الأعمار، إطالة الأعمار ليست محمودة بحد ذاتها. حتى تجد أن أناسًا من الناس في هذه الأزمان يسعى يسعى بكل ما أوتي من قوة ومال أن يطال به العمر، يبعث عن فحوصات وعن عقاقير وعن أدوية، معل وأعسى أن يطال به عمره. لا يا عبد الله، لا تفرح بطول العمر، طول العمر إن يفرح به إذا كان في سبيل المولى سبحانه وتعالى. «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله». وجاء كذلك في مسند الإمام أحمد من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خير الناس؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من طال عمره وحسن عمله». قال: يا رسول الله، ومن شر الناس؟ قال: «من طال عمره وساء عمله». هؤلاء من شرار الخلق عند الله، أن يطال به العمر أو أن يطال بك العمر يا عبد الله وأنت في هذا العمر الفاني وأنت في سخط الله، ترك للصلاة، ترك للطاعة، ترك للعبادة. كان السلف كما ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى كما في رياض الصالحين، ذكر في باب الحث على الزيادة من العمل الصالح في أواخر العمر، ذكر أن أهل المدينة كان الواحد منهم إذا وصل إلى الأربعين سنة كان يعتكف في بيوت الله، يرون أن الأربعين من العمر كافية قضى ما قضاها في سبيل الدنيا والكبد عليها، ما بقي لله يعتكف في بيوت الله، قراءة للقرآن، تسبيحًا، تذكيرًا، حتى تأتيه المنية وهو على أحسن حال. والأمور بالخواتيم. وجاء كذلك في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخياركم؟» وفي لفظة: «بخيركم»، قلنا: بلى يا رسول الله، استمع يا عبد الله حتى تعلم من هم خيار الناس في ميزان الشرع، ليس خيار الناس من آتاهم الله مالًا أو دينارًا أو أوت القصور أو الدور، لا، قال: «ألا أنبئكم بخياركم أو بخيركم؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «خياركم أطولكم أعمارًا أحاسنكم أعمالًا». هذا من خيرة الخلق عند الله عز وجل الذي يطال في عمره بالمقابل أنه يحسن العمل. وما أحسن العمل يا عبد الله في طاعة المولى سبحانه وتعالى؟ احرص يا عبد الله وأقبل يا عبد الله على طاعة ربك سبحانه وتعالى، من الحرص على الفرائض والواجبات والطاعات والسنن والمستحبات، ومن كل ما يقربك إلى ربك ويدنيك منه سبحانه وتعالى. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وعن شبابه فيما أبلاه». هذا السن، أخواني في الله، سن الشباب، وهو من أعظم المراحل التي تمر على الإنسان وعلى البشر، مرحلة الشباب، مرحلة مهمة، فترة القوة والجد والاجتهاد، فترة البذل والعطاء. ولا أدل على أهمية هذه المرحلة من العمر كدلالة هذا الحديث، يسأل المرء أول ما يسأل عن عمره من صغره إلى مماته، ولا شك أن سن الشباب سيدخل في السؤال الأول عن عمره فيما أفناه. لكن انظر، وبعد ذلك يسأل عن الشباب معنى قد سؤل في السؤال الأول، لكن يعاد له السؤال «وعن شبابه فيما أبلاه»، وبما يدل هذا؟ هذا إن دل دل على أهمية هذه المرحلة، وأن الله يخص لها سؤالًا يختلف عن باقي الأعمار، لأن الإنسان، أخواني في الله، في فترة شبابه يستطيع أن يعمل ما لا يعمل في أي مرحلة من مراحل حياته. الشاب يعمل أعمالًا ما يستطيع وهو في سن الصغر أن يؤديها، الشاب يعمل أعمالًا لا يستطيع وهو في سن الكبر والشيخوخة أن يفعل كأمثالها. الشباب يا عبد الله سن مميز. وهكذا تواترت أدلة الشرع على الاهتمام بمرحلة الشباب دون غيرها من المراحل، ثبت في السنن قال من حديث ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس، ومنها شبابك قبل هرمك». اغتنم سن الشباب، حرض من الشرع أخواني في الله على هذه المرحلة أنها تستغل. لأنك يا عبد الله في هذه المرحلة أعطيت ما لم تعط شيئًا من القوة والقدرة ما لا تعطى في أي سن آخر. «اغتنم شبابك قبل هرمك». وإن أخواني في الله من تأمل في أدلة الشرع وكيف أن الشرع العظيم اهتم بهذه المرحلة مع مقارنته بما عليه واقع الناس وحال شباب الأمة، لا رأى البون الشاسع والفرق الواضح للأسف، أخواني في الله، نجد من كثير من شباب الأمة في هذه الأزمان الواحد منهم لا يدري كيف يقضي أوقاته لكثرة الفراغ، لكثرة الفراغ يسأل وينسى، نذهب وينسى، نروح كيف نقضي؟ ما عنده شيء يقضيه في فترة شبابه. وبعضهم يقضيها فيما لا ينفع له لا في دين ولا في دنيا، إما من المتابعة للمسلسلات الهابطة أو النظر في الأفلام الخليعة أو التسكع في الأسواق والأندية أو كذلك أخواني في الله المتابعة للمباريات والدوريات، سواء كان على المستوى المحلي أو كان على المستوى الدولي، تمر عليه الساعات الطوال في هذه المتابعات مما لا يعود عليه بنفع لا في دين ولا في دنيا، وإنما أوقات تنقضي عليه. وهذا فضلًا أخواني في الله عن من هو واقع في مستنقع الرذيلة، ففعل أفعالًا شنيعة من زنا وربا وخيانة، من فعل الحرمات والمحرمات، ومن فعل الجرائم والموبقات، من تناول المسكرات من الخمور والمخدرات. ناهيك أخواني في الله عن بعض الشباب الذي وصل به الحال إلى أن صدرت منه أفعال وأقوال تخرج عن الدين والملة، كسب الدين وسب الرب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه الأمور، أخواني في الله، الحاصلة نجدها في كثير من شباب الأمة. ومن هنا كان ينبغي العناية بهذه المرحلة عن سائر المراحل، إذ أن لا قوام أخواني في الله للأمم والدول والمجتمعات إلا بشبابها، هم الركيزة وهم العضد في إقامة الدولة، بل إن الشباب أخواني في الله هم المعيار في عمارة الأوطان. إذا أردت أن تعرف مدى عمارة الأوطان أم إلى شبابها، لأنهم الأصل وهم الركيزة. وأيضًا أخواني في الله في هذا المقام، على مرضين اثنين من أشد الأمراض فتكًا بشباب الأمة، الداء الأول أخواني في الله مرض الشهوات، هذا من أعظم الأدوية أو يقول الأوبئة والداء العضال الذي يبتلى به الشاب. إذ أن الشاب أخواني في الله في فترة شبابه عندهم الغريزة التلذذية أو ما يسمى بالغريزة الجنسية ما لا يجدها في أي عمر من أعماره، عند قوة التلذذية القوة الشهوانية، فتجدوا لربما يكون فريسة لأي شهوة ولأدنى شهوة تطرأ بين يديه. ومن هنا كانت العناية الشرعية بهذا الباب أوضح، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، مباشرة عندك قدرة على الزواج، حصن فرجك، حصن أمرك يا عبد الله، لأن الشباب مضنة السقوط في الشهوات. «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أحصن للفرج وأغض للبصر». فأمر نبينا عليه الصلاة والسلام بالشاب أن يسارع إلى إحصان فرجه. والشاب أخواني في الله إذا ترك لأمره ولنفسه المجال بفعل ما تمليه عليه نفسه من الشهوات لربما أوصلته إلى أمور لا تحمد عقباها، الشهوة متى ما استحكمت بالشاب فإنها تورده المهالك. روى أهل السنن من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: «أن رجلًا شابًا دخل المسجد وفيه نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال في أعلى صوته: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، ائذن لي بالزنا، حتى قام القوم وقالوا: مه، مه، مما الذي تتلفظ به وأين؟ عند من؟ قالوا: مه، فدعاه نبينا، قالوا: أدنه، فدنا، قال: ماذا تقول؟ قال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا». شاب تملكته الشهوة، وهذا هو المظنة في الشباب أن تستولي عليه الشهوة في هذا السن خاصة. قال: «ائذن لي بالزنا». فقال عليه الصلاة والسلام: «أترضاه لأمك؟» فقال الشاب: يا رسول الله، جعلني الله فداك، لا، ما أرضاه. قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لبنتك؟» فقال: لا، يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لبناتهم، أترضاه لأختك؟ أترضى الزنا لأختك؟ أترضاه لأختك؟» فقال الشاب: لا، يا رسول الله، جعل الله فداك، قال: «وهكذا الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لعمتك؟» قال الشاب: لا، يا رسول الله، جعل الله فداك، قال: «وهكذا الناس لا يرضونه لعماتهم، أترضاه لخالتك؟» قال الشاب: لا، يا رسول الله، جعل الله فداك، قال: «ولا الناس يرضونه لخالاتهم». ثم وضع نبينا يده على صدره، قال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». تأمل يا عبد الله في حال هذا الشاب، الشباب أخواني في الله مظنة الشهوة أن تتمالك الشاب. وهكذا أخواني في الله المرض الآخر والذي يعتري الشباب في سن الشباب، مرض الشبهات، وهذه المرحلة كذلك تعتبر من أنثى المراحل التي يقع فيها الشاب ضحية للشبهات، وذلك لما يكتنف هذا السن وهذه المرحلة من الطيش. الشاب عنده طيش، عنده اندفاع، عنده تسرع، عنده استقبال أي جديد لأي شيء يستحدث في عالم الخلق، بل حتى في الدنيا والدين، ما من محدثات إلا الشباب تشرئب لها الأعناق حتى تأخذ هذا الجديد، هذا من باب الحيوية الموجودة عند الشباب. فلهذا أخواني في الله كثيرًا ما يقع الشباب في مرض الشبهات. وتأمل ما جاء في الصحيح في البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «يأتي في آخر الزمان أقوام، أقوام سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». هذا تحديث من رسول الله عليه الصلاة والسلام عن حال فرق الضلالة والفاسدة والمنحرفة والمنحلة عن دين الله جل وعلا، وناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. لكن انظر إلى أوصافهم، وهذا الشاهد، قال عليه الصلاة والسلام: «سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان»، صغار شباب. الشاب أخواني في الله سهل ما أنك تدخله في شبهة، تستولي عليه ببعض المقدمات، ببعض العبارات، بشيء من حماسات، بل هي كلمة، نشيد من الأناشيد، أعرف أناسًا سقطوا في هوة الجماعات الضالة ببعض النشيد فقط، ما يحتاج أنك تأتي له بأدلة، أدلة من القرآن والسنة، تأتي له بقصيدة حماسية، نشيد حماسي، هنا صوته، هنا صوته، صوت الرصاص تسمعه، مستعد أن ينتحر، مستعد. هكذا الشباب، سبعًا ما يقع ضحية لما فيه من اندفاع. فعبد الله، انتبه من هذين المرضين: الشبهات والشهوات. بالمقابل أخواني في الله إذا أراد الشاب أن ينقذه ربنا عز وجل من هذه الأمراض الفتاكة، فإني في هذا المقام ألخص الحل في أمرين اثنين، في علاجين اثنين دل عليه القرآن والسنة. أولاهما العلم النافع، احرص يا عبد الله وأنت في فترة شبابك على العلم النافع، وأعني بالعلم العلم القائم على قال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام، العلم المستمد من كتاب الله ومن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، العلم الشرعي يا عبد الله كفيل بأن يبين لك طريق الحق من طريق الضلال، أن يبين لك يا عبد الله مرض الشبهات من مرض الشهوات، أن يجعلك يا عبد الله في مفازة في بعد عما يغضب الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان السلف الصالح، كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما استغلوا سن شبابهم بمثل استغلالهم به في طلب العلم والحرص على أخذ هذا السن خاصة بالجلوس عند رسول الله عليه الصلاة والسلام. العلم النافع يا عبد الله، ففي الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال: «أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شباب متقاربون في السن، فأقامنا عنده عشرين ليلة، عشرين ليلة، لماذا أقاموا عنده عشرين ليلة؟ أقاموا عنده لطلب العلم، أقاموا عنده لطلب العلم». سن شباب الأمة، الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا شبابًا، وكانوا يقيمون الليالي الطويلة عند رسوله لأخذ العلم الشرعي، العين عند الله كان حصنًا، ولازال يعتبر حصنًا حصينًا يدفع الله به بلاء الشبهات وفتن الشهوات. وهكذا ما جاء عند ابن ماجة من حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حزاورة»، قال: «فتعلمنا منه الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا». حزاورة، قال العلماء: وهو الشاب إذا اشتد عوده. هكذا الصحابة كانوا يأتون رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم شباب، يستغلون أوقاتهم في طلب العلم. الشاب متى ما انغمس في طلب العلم فإن الله ينجيه. فاحرصوا عباد الله، واحرصوا أخواني في الله على طلب العلم، اطلبوا العلم في المجالس العامة، في المجالس الخاصة، كرسوا أوقاتكم، لا تنقطعوا عن العلم لحظة. جاء العلم يا عبد الله يسطع عينيك ولو كنت في بيتك، بالمذياع، والله الحمد، أصبحت وسائل العلم كثيرة جدًا. وأخص بالذكر يا أهل شبوة ويأهل عتق، حباكم الله عز وجل بمركز من المراكز العظيمة في مدينة السلام وفي دار السلام، هذه الدار العامرة بالعلم والسنة، نحسبها كذلك والله حسيبها، خيمة على شرع الله وعلى كتاب الله وعلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. من استطاع أن يذهب، من استطاع أن يرتحل فليفعل، فإنه والله قد حاز على خير الدنيا والآخرة، خير الدنيا والآخرة. لا تظن يا عبد الله أن من طالب العلم ذهب حظ الدنيا، لا والله، بل يأتيك حظ الدنيا. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين في أول حديث من مسند أنس بن مالك في قصة شابين أو أخوين في عهد رسول الله، كان أحدهما يحترف يعمل، والثاني لا يعمل. فقال الذي يعمل لأخيه: قال رسوله: «مره أن يعمل معي». فقال عليه الصلاة والسلام: «لعلك ترزق به». فأوصي نفسي أخواني في الله، ومن كان في هذا البلد أن يلتحق بمراكز أهل السنة، وخاصة هذا المركز الذي يقوم به عليه الشيخ الفاضل والمفضال الشيخ أبو الحسين حفظه الله تعالى ورعاه. تذهب يا عبد الله إن لم تستطع على الرحلة أو التفرغ، يا عبد الله، فلا أقل أن تختار أيامًا من الأسبوع، أيامًا من الأسبوع، إلا الحمد، من كان من طلاب المدارس، سواء كان في المعاهد أو الجامعات أو الكليات أو الثانويات، فإن الإجازة الآن تمد إلى يومين اثنين، في يوم الجمعة والسبت. بإمكانك يا عبد الله من يوم الخميس أن تأخذ بمتاعك وأغراضك الشخصية وتذهب إلى المركز وتقوم في هذه الليالي من أيام الله، في أيام الأسبوع تتفرغ فيه في طلب العلم، تستمع لحلقات الذكر، لحلقات العلم، تتزود من العلم الشرعي، تتفرغ يا عبد الله للعبادة في تلك الأماكن، تستطيع أن تقوم الليل، تستطيع أن تحافظ على السنن القبلية، على السنن البعدية. تستطيع يا عبد الله أنك تأتي بالأذكار، أنك تتفرغ لقراءة القرآن. لربما في المدينة ما يسعفك هذا، المدن مشغلة، المدن مشغلة تشغلك، تصرفك عن طاعة الله عز وجل إلا من رحم ربي، لكن في المراكز متفرغ، هناك الأكل متوفر، هناك الشراب، هناك المسكن، ما عليك يا عبد الله إلا أن تأتي بأدواتك إلا احتجت إليها وتأتي بهمتك. بهمة، تخيل يا عبد الله لو أن واحدًا منا هذا حاله وهذا منواله، يذهب من يوم الخميس ويبقى في المركز الجمعة والسبت، وفي مساء السبت يرجع إلى أهله، يرجع بهذه الروحانيات التي اكتسبها، مواعظ، محاضرات، دروس، تسمو روحه، يرجع إلى هذا المجتمع على أحسن حال، فليزال به الخير، يمتد به حتى إذا قضى أسبوعًا رجع وازداد وتزود من هذا الخير. فما ظنك يا عبد الله؟ والله سيكون على أحسن حال وعلى أحسن هيئة. فهذه نصيحة أخواني، فلا أوصي بها نفسي وأهل هذا البلد خاصة بما حباهم الله جل وعلا بهذا المركز العظيم، دار من دور الحديث، منار للعلم والسنة، أننا نقبل عليها، إن نستطيع يا عبد الله الإقبال الكلي، فلا أقل من الإقبال الجزئي، أياما. أصحاب المساجد لربما يأخذوا بطلابهم رحلة إلى المركز، يتعلمون، ينظرون إلى حفاظ الأحاديث، إلى حفاظ الوحيين، يتعلمون الآداب والأذكار، وهكذا تكون هناك علاقة بين شباب الأمة وبين مراكز أهل السنة. فإن المراكز من أعظم مصانع تربية الشباب على الرجولة وعلى التدين لله عز وجل. العلاج الثاني، العلاج الأول العلم النافع، العلاج الثاني الذي ينبغي أن يتعاطاه الشاب في فترة شبابه حتى يكون على خيرية من دينه وعلى بعد من أمراض الشبهات والشهوات، أن يستغل الشباب يا عبد الله في العمل الصالح، في العمل الصالح. اعلم يا عبد الله أنك في فترة شبابك قد أمدك ربنا عز وجل بالقوة، بالعضلات، بالجسم، بالصحة، بهذه العافية. فلا تظن أن الله أعطاك هذه الأوصاف الجميلة الجليلة حتى تجعلها للعب للمباريات أو أنك تجعلها يا عبد الله في ضياع الأوقات، لا والله، إنما أراد ربك سبحانه وتعالى منك بهذه الأوصاف الجليلة أن تجعلها في طاعة ربك، اجعل هذا الشباب كله في طاعة المولى سبحانه وتعالى. ما أعطاك الله من قوة البصر، من قوة السمع، من قوة الفهد، من قوة الحفظ، من قوة الجسم والجزد الجسم والجلادة، اجعل لطاعة الله، سخر هذا لدين الله يا عبد الله. ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، مكرم، ما لها أي خلق مكرم، حصل، تحصل عليها نماذج من عباد الله الخواص من خلق الله. «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن هؤلاء وشاب نشأ في طاعة الله». شاب، سن الشباب، نشأ في طاعة الله، نشأ في عبودية الله سبحانه وتعالى. وفي هذا لفتة إلى أولياء الأمور أن يعرفوا أن يتعرفوا على الخيرية في أبنائهم، تجد من الأفهام المنكوسة والمعكوسة عند بعض أولياء الأمور إذا كان من أولاده خمس أو أربع أو ثلاث، بعضهم انشغل في أمور الدنيا، وبعضهم أقبل على العلم النافع. لربما إذا ذكر أولاده من أهل الدنيا رفع رأسه وقال: نعم، ابن فلان وابن فلان، وإذا ذكر بابنه الذي في طلب العلم ربما تأطأ برأسه، في طلب العلم، يسأل الله يفتح عليه، يذكره، وكله مضبوط، وكله حياء، لا يا عبد الله، أحمد الله عز وجل إن وفق الله أحد أبنائك لطلب العلم، طلب العلم منقبة يا عبد الله. فإن شابًا من الشباب وفقه الله عز وجل إلى عمل صالح من علم ومن بيوت الله ومن قراءة القرآن، وجعل هذا الشباب في طاعة الله، ارفع به رأسًا يا عبد الله، فهذا الذي ينفعك في دينك وفي آخراك يا ولي الأمر. فقال عليه الصلاة والسلام: «وشاب نشأ في طاعة الله»، إذن ينبغي أخواني في الله أن نجعل هذا السن يذهب في سبيل الله، لا يذهب يمينًا ولا يسرة. ومما يذكر في هذا المقام أخواني في الله، ومما يستغل به الشباب، وهو سواء ذهب هذا الجسد أو هذا السن، إما في تأدية حق الله أو كذلك في تأدية حقوق الخلق، كل ذلك في سبيل الله. عندما تكلم عن أن الشاب ينبغي أن يستغل شبابه في العمل الصالح، فليعلم أن من العمل الصالح كل ما تؤديه لله لإقامة شرع الله، أو ما كان من تأدية حقوق العباد، كل ذلك في سبيل الله. جاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإذا بشاب، تأمل لأمر الشباب، قال: فإذا بشاب طلع من الثنية، قال: فرميناه بأبصارنا، فقلنا: لو أنه جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله». أي مثل المتحسر، رأوا الشاب في عنفوان شبابه، قوة، وصحة، وعافية، فكان من حسب ظن الصحابة لما أعجب بجسده وسنه وقوته. قالوا: «أنه جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله». قال أبو هريرة: «فسمع رسول الله مقالتنا، فقال: «وما سبيل الله إلا من قتل؟» قال: «وما سبيل الله إلا من قتل، من سعى على والديه فهو في سبيل الله، من سعى على عياله فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله». في سبيل الله، هذا متى؟ هذا الشاب إذا استغل فترة الشباب يا عبد الله في تأدية حق العباد، في تأدية حق الوالدين، في القيام بحق أبنائه وعياله، وحتى في حق نفسه، فهذه من العبودية لله سبحانه وتعالى، كل ذلك في سبيل الله. وهكذا أخواني في الله مما يكون من العمل الصالح الذي ينبغي أن يستغل به شاب وقته أنه يبتعد عن الذنوب والمعاصي، وخاصة الفواحش، ابتعد يا عبد الله عن الزنا، ابتعد يا عبد الله عن اللواط، ابتعد يا عبد الله عن العادة السرية إن استطعت لذلك سبيلًا، ابتعد يا عبد الله عن الفواحش، حصن فرجك يا عبد الله. فإن من العمل الصالح ترك الذنوب، ترك المعاصي، هذا من أعظم الأعمال التي يتقرب بها الشاب إلى ربه، أن يتقرب إلى ربه مولاه بترك الأعمال السيئة، الأعمال الفاسدة. وهو الإمام الحاكم في مستدركه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يا شباب قريش، احفظوا فروجكم، من حفظ فرجه دخل الجنة». وجاء عند البيهقي، وجاء عند البيهقي قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يا فتيان قريش، لا تزنوا، ألا من حفظ له شبابه دخل الجنة». ألا من حفظ فرجه دخل الجنة، رواه البيهقي في سننه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا،