كتاب المناسك 6

الدرس في كتاب المناسك 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام النكاح والجماع للمحرم

يحرم على المحرم عقد النكاح والخطبة، ويصح الرجعة للمحرم إذا طلق زوجته. الجماع قبل التحلل الأول في الحج يفسد نسكه ويوجب إكماله وقضاؤه مع ذبح بعير.

تفاصيل الجماع أثناء الإحرام في الحج والعمرة

الجماع قبل التحلل الأول في الحج يفسد نسكه، بينما بعد التحلل الأول لا يفسد الحج لكن يلزمه إحرام جديد للعمرة. في العمرة، الجماع قبل الطواف والسعي يفسدها ويوجب فدية إذا كان بعد السعي وقبل الحلق.

إحرام المرأة ومحظوراتها

المرأة في الإحرام تشبه الرجل إلا في اللباس، فيباح لها لبس ما تشاء عدا البرقع والقفازين وتغطية وجهها بغير النقاب ولبس الحلي. يختتم المقطع بذكر محظورات الإحرام.

  • 29 جمادى الآخرة 1444هـ - 21/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد ذلك نعيد ما تقدم في الكلام على عقد النكاح. قالوا: يحرم عقد نكاح، ولا يصح، ولا فدية، وتصح الرجعة. عقد النكاح كما تقدم معنا أنه محرم على المحرم من المحرمات التي تحرم على المحرم عقد النكاح، أن يعقد نكاحًا، سواء كان هو المتزوج أو هو الولي، فلا يجوز له أن يعقد نكاحًا. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المحرم لا ينكح ولا ينكح»، لا ينكح أي لا يتزوج هو، ولا يزوج غيره، ولا يزوج غيره. فلهذا فالعقد لا يجوز. وهل هو مفسد أو هل هو فاسد إذا عقد؟ فجمهور العلماء على أنه فاسد، أي العقد غير صحيح. العقد غير صحيح إذا عقد وهو محرم، أو كان الولي محرمًا، فالعقد غير صحيح عند جمهور العلماء. وعليه أن يعيد العقد، عليه أن يعيد هذا العقد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى المحرم نفسه أن يعقد، فلهذا فالنهي إذا جاء لذات الشيء فهو يفيد الفساد. ولهذا قال: «ولا يصح»، أي ولا يصح هذا العقد النكاح. قال: «ولا فدية»، أي ولا فدية عليه. لماذا؟ لأنه لا تعلق بالفدية هنا، وإنما العقد هو الذي يفسد، ولا تتعلق به الفدية لعدم تعلق العقد بالإحرام. وكذلك أيضًا الخطبة، أيضًا الخطبة على قول الجمهور أنها محرمة، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يخطب». ورأى الحنفية جواز العقد وجواز الخطبة، واستدل كما قلنا بحديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج ميمونة وهو محرم. وقلنا أن العلماء صرحوا بأن ابن عباس إنما أراد إما أنه أراد محرمًا أي في البلد الحرام، أو أنه ظن أنه كان محرمًا وهو قد تحلل. لهذا جاء عن ميمونة أنها قالت: تزوج النبي عليه الصلاة والسلام وأنا حلال. وجاء أيضًا حديث مختلف فيه عن رافع بن رفاعة وأنه هو الذي كان واسطة بين النبي عليه الصلاة والسلام وميمونة بنت الحارث، أخت ابن العباس، زوجة العباس، وهي خالة ابن عباس. فالنبي عليه الصلاة والسلام تزوج أو تزوج وهي حلال، كما جاء أيضًا في حديث رافع، لكن الحديث في ضعف. فخلاصة ما يذكر في هذا الباب أن المحرم لا يجوز له أن يخطب ولا أن يعقد، لكن حجه صحيح. قال: وتصح الرجعة، تصح الرجعة. معنى إذا أراد أن يرجع زوجته في وقت إحرامه يجوز، يجوز أن يرجعها في وقت إحرامه إذا كان قد طلقها؛ لأن الرجعة ليس بعقد، وإنما هي رجعة، وهي في عقده، وهي لا زالت في عقده. قالوا: إن جامع قبل التحلل الأول فسد نسكه، ويمضيان فيه، ويمضيانه ثاني عام. قلنا: إذا جامع الرجل قبل التحلل الأول، قبل التحلل الأول. قلنا: التحلل الأول يحصل عند الجمهور يحصل باثنين من ثلاثة، معنى أعمال أعمال الحج في يوم النحر خمسة أعمال: رمي جمرة العقبة، والحلق، والذبح أو النحر، والحلق، والطواف، والسعي. لكنهم يقصدون الثلاثة الأولى، وهي رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق. فقالوا: من فعل اثنين من ثلاثة فقد تحلل التحلل الأول، يعني إذا رمى جمرة العقبة وحلق فهو قد تحلل، أو ذبح فهو قد تحلل. وهذه ثلاثة الأشياء، بل والطواف كذلك، والسعي يجوز أن يقدم، معنى يجوز أن يقدم هذا على هذا. كما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم النحر إذا سئل عن شيء قدم الرجل النحر قبل الرمي، فقال: «لا حرج»، وقدم الحلق قبل النحر، أو الحلق قبل النحر، فقال: «لا حرج». وهكذا فيجوز أن يقدم أحد هذه الأشياء. لكنهم قالوا: التحلل يحصل باثنين من ثلاثة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التحلل يحصل برمي جمرة العقبة، إذا رمى جمرة العقبة حصل له التحلل. وهذا قد جاء فيه حديث في السنن، وهو حديث صحيح. فالصحيح أنه يتحلل برمي جمرة العقبة. فإذا جامع قبل أن يتحلل، جامع قبل أن يتحلل، فسد نسكهما، أي الرجل المرأة، ويمضيان فيه، معنى يتمان الحج، وأتم الحج والعمرة لله، ويقضيانه ثاني عام. فقلنا: أن الذي يجامع زوجته قبل التحلل، وعليه أربعة أحكام. الحكم الأول: أن حجه يفسد، أن حجه يفسد. والحكم الثاني: أنه يجب أن يمضي هذا النسك، معنى يتم الحج لا يقطعه. والأمر الثالث: أنه يقضي هذا الحج مرة أخرى، يقضي الحج مرة أخرى. والأمر الرابع: أنه يذبح بعيرًا عليه، بعير كما جاء عن الصحابة، جاء عن عبد الله بن عمر، وابن عباس أنه يذبح بعيرًا. فهذه الأربعة الأشياء هي واجبة، أو هي المترتبة على من جامع امرأته قبل التحلل الأول. وأما إذا كان جامع بعد التحلل الأول، فإن حجه لا يفسد إذا جامع بعد التحلل الأول، وقبل أن يتحلل التحلل الأخير، بعد طواف الإفاضة. أن التحلل الأخير يكون بعد الطواف، فإذا لم يطف بعد، فإنه يبقى في التحلل الأول. والمراد التحلل الأول: أنه يحل له كل شيء إلا النساء. التحلل الأول يحل له كل شيء إلا النساء، وأما التحلل الثاني يحل له كل شيء. فلهذا فإذا جامع بعد التحلل الأول، فإن حجه لا يفسد. لكن عند جمهور العلماء أن إحرامه يفسد، عند الجمهور أن إحرامه يفسد. فإذا فسد إحرامه، ماذا يفعل؟ لابد أن يأتي بإحرام جديد، يعني إذا فسد إحرامه لابد أن يأتي بإحرام جديد. إحرام جديد كيف يفعل؟ يذهب إلى التنعيم، عند الجمهور يقول: أقصد ليس التنعيم الحل، يذهب إلى حل، يخرج من مكة إلى حل، ثم يرجع ويؤدي عمرة. وفي رواية عند أحمد، وهي مذهب الشيخ الإسلام: أنه لابد أن يذهب إلى الميقات، لابد أن يذهب إلى ميقات من المواقيت ويحرم منه. قالوا: لأن هذه العمرة تعتبر قضاءً للعمرة للإحرام الذي فسد، هذا الإحرام يعتبر قضاء للإحرام الذي فسد. والقضاء كما يقول العلماء يحكي الأداء، والقضاء يحكي الأداء. فكما أن الأداء لابد أن يكون من الميقات، فكذلك القضاء لابد أن يكون من الميقات. وهذا أقوى من قول الجمهور، أنه يخرج إلى الميقات ثم يحرم من الميقات، ويأتي ويؤدي عمرة، ويكمل حجه، ويقبل حجه. طيب إذا جامع في العمرة، أنه إذا جامع وهو ليس حاجًا وإنما معتمرًا، فكذلك أيضًا إذا كان قبل الطواف والسعي، إذا كان قبل الطواف والسعي جامع، فإنه يفسد، تفسد عمرته، تفسد هذه العمرة. وإن كان بعد الطواف والسعي وقبل أن يحلق، فإن عمرته صحيحة، وعليه دم عند الجمهور، وعند الشافعية عليه فدية. وكذلك في المسألة الأولى اختلفوا: هل عليه شاه أم عليه فدية؟ فقال الشافعية: أن عليه فدية، الفدية المعروفة: ثلاثة الأشياء الصوم، والطعام، والذبح. وأما الذي يقول: عليه دم شاه أو بقر أو بعير، فهذا معناه يريد أنه لابد يذبح. لكن الصحيح أنه عليه فدية التي جاءت، وهذا كما قلنا على قول الجمهور. وسيأتي إن شاء الله تعالى التفصيل في هذه المسألة. طيب قال: ويحرم المباشرة، فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه. المباشرة إذا باشر الرجل زوجته، سواء باشرها مباشرة في المضجع أو في التقبيل وغيره، فإنه إن فعل ذلك فهو قد فعل محظورًا من محظورات الإحرام، ومحرمًا من محرمات الإحرام. وسواء كان أنزل أو لم ينزل، فإن فعل وأنزل أيضًا لم يفسد حجه؛ لعدم الدليل على فساد الحج، لكنه من المحظورات. ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس هناك ما يفسد الحج إلا الجماع، ليس هناك ما يفسد الحج إلا الجماع. قال: وعليه بدنة، لكن يحرم من الحل لطواف الفرد. وأما مسألة عليه بدنة، لا يصح. المباشر إنما هو محظور محظورات الإحرام، كما هو قول الشافعي وغيره، فيأتي بالفدية، فيأتي بالفدية على قوله. وليس أنه يأتي أو يذبح بعيرًا، لم يثبت أنه يذبح بعيرًا، وإنما هذا على من يجامع قبل التحلل، يجامع قبل التحلل. قال: لكن يحرم من الحل لطواف الفرد. ظاهر كلام المؤلف أن هذه العبارة تابعة للمباشر. والمعروف عند الفقهاء حتى فقهاء الحنابلة أن هذا إنما فيمن جامع بعد التحلل الأول، فيمن جامع بعد التحلل الأول، فإنه كما يحرم من الحل لطواف الفرد. هذا على قول الحنابلة، وإلا كما قلنا الشيخ الإسلام يقول، وهي رواية عن أحمد: أنه يذهب إلى الميقات، يذهب إلى الميقات. لكن من هذا الذي جامع امرأته بعد التحلل الأول، إذا جامع امرأته بعد التحلل، وليس المباشر. وأما الذي باشر فليس هناك ما يدل على أن إحرامه يفسد، لا يفسد إحرامه، لكن هو محظور محظورات الإحرام. لكن الظاهر المؤلف إما أنه حصل له خطأ في التعبير، أو أنه قول من أقوال الحنابلة، والله أعلم. وإلا المعروف أن هذا فيمن جامع بعد التحلل الأول. قالوا: إحرام المرأة كالرجل أيضًا، إحرام المرأة كالرجل تحرم من الميقات، وإحرامها نفسه تقول مثلًا إذا كانت متمتعة تقول: «لبيك اللهم عمرة»، ولباسًا تقوم متمتعة بهذا الحج. وإن كانت قارنة تقول: «اللهم عمرة في حجة». وإن كانت مفردة تقول: «لبيك اللهم حج»، «لبيك اللهم حج». طيب فهي تحرم مثل إحرام الرجل. قال: إلا في اللباس، فاللباس يفترق كما تقدم بين الرجل والمرأة. المرأة تلبس كل شيء، تلبس كل شيء، لها أن تلبس الخمار، لها أن تلبس الجلباب، لها أن تلبس سراويل، ليس مثل الرجل، لا يجوز له أن يلبس سراويل إلا أن لا يجد الإزار، فأما المرأة فيجوز لها. قال: وتجتنب البرقع والقفازين. البرقع هذا الذي يشد على الوجه، الذي يعصب على الوجه، هذا لا يجوز. وأما ما تسدله المرأة لأجل الرجال الأجانب، فهذا جائز، بل قد يكون واجبًا كما ذكر شيخ الإسلام وغيره، يكون واجبًا؛ لأنها لابد أن تغطي وجهها عن الأجانب. وقال بعض العلماء: أنه ليس بواجب. ولأن المرأة الواجب عليها أن تحرم بدون برقع، تجتنب البرقع، لكن ليس اجتنابها البرقع يدل على أنها لا تغطي وجهها، بل لها أن تسدل خمارها على وجهها، كما كان نساء النبي عليه الصلاة والسلام يفعلن. وكذلك قالت فاطمة بنت المنذر، زوجة هشام، قالت: حججنا مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، قالت: فكان إذا مر بنا الرجال أمرتنا أن نسدل خمارنا، أمرتنا أن نسدل خمارنا أن نسدله على وجوهنا. وهذا يدل على أن هذا هو السنة، كانت تفعله النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وهل إذا مثلًا مس وجهها هل هذا محرم؟ هل المقصود أنها لا تمس البرقع أو المقصود الستر على الوجه؟ هذا لا دليل عليه. الصحيح وقد قال به بعض العلماء، لكن ليس عليه دليل. فليس المراد أنها لا تجعل سترًا على وجهها أو تلوث وجهها. ولهذا بعضهم تجد يعمل قبعة ويعمل الستر بعد القبعة حتى لا تمس وجهها، وهذا ليس صحيحًا. بل حتى لو مس وجهها، فالمقصود هو أن المحرم هو البرقع أو النقاب، النقاب الذي تلبسه المرأة وتنتقب به، لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين أيضًا، لباس القفازين لا يجوز أن تلبسه المرأة وهي محرمة. لكن يجوز لها أن تغطي يديها بخمارها أو بما فيها من الدرع. قالوا: تغطي وجهها، أن تغطي وجهها، أي ليس بالنقاب، وإنما تغطي وجهها بما تسدل من خمارها وغيره. قالوا: يباح لها التحلي، أن إذا لبست حلي، لا بأس أن تلبس الحلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم الحلي على المرأة وهي محرمة. طيب فهذه المحرمات التسعة التي ذكرها المؤلف، أو محظورات الإحرام التي ذكرها المؤلف رحمه الله. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.