كتاب النكاح من صحيح البخاري 21

كتاب النكاح من صحيح البخاري 21

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الكفاءة في النكاح واشتراط الدين فيها

يشرح هذا المحور باب الكفاءة في الدين عند الإمام البخاري مؤكداً أن الكفاءة المعتبرة شرعاً هي الدين فقط، فلا تحل المسلمة للكافر إجماعاً. ويناقش آراء العلماء في كفاءة النسب والوضع الاجتماعي مستدلاً بالآية الكريمة وحديث «فاظفر بذات الدين» مع بداية حديث عائشة عن أبي حذيفة بن عتبة.

تبني أبي حذيفة لسالم ونسخ حكم التبني

يتناول المحور نسب أبي حذيفة بن عتبة وتبنيه لسالم مولى أبي حذيفة وتزويجه من بنت أخيه هند، ثم نسخ التبني بآية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فصار سالم مولىً لا ابناً. وتشكي سهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وجود سالم البالغ في بيتها بعد أن كان يُعد ابناً بالتبني.

إرضاع الكبير ودليل الكفاءة بالدين لا بالنسب

يناقش المحور خلاف العلماء في إرضاع الكبير مستدلين بقصة سالم مولى أبي حذيفة، حيث يرى الجمهور اختصاص الحكم بسالم بينما يجيز شيخ الإسلام ذلك لمن نشأ في حجر امرأة ولم ترضعه صغراً. كما يستعرض زواج سالم بفاطمة بنت الوليد وزواج أسامة بن زيد بفاطمة بنت قيس دليلاً على أن الكفاءة في النكاح معتبرة بالدين لا بالنسب.

حكم نكاح الزاني المجلود وضابط الكفاءة فيه

يوضح المحور الحديث النبوي بأن الزاني المجلود لا يُزوج إلا بمن يماثله في الزنا، مستنكراً تزويج المرأة أو البنت لرجل معروف بالزنا. ويؤكد أن هذا الحكم مستند إلى السنة النبوية والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب الأكفاء في الدين، وقوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾». فهذا الباب الظاهر يريد منه الإمام البخاري أن الكفاءة إنما تكون في الدين، فلا تحل المسلمة لكافر، وهذا متفق عليه بين أمة الإسلام، لا يجوز لرجل مسلم أن يزوج ابنته أو يزوج أخته لرجل كافر. ثم ذكر هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، فالنسب هو الذي لا يحل نكاحه من الآباء والأبناء والإخوة، والصهر هو الذي يحل نكاحه. وقد جاء عن بعض السلف أن الكفاءة ما تكون إلا في الدين، واعتبر بعض العلماء كفاءة في النسب كذلك، وجاء حديث في هذا: «العرب أكفاء بعضهم بعضا، قبيلة قبيلة»، و«قريش أكفاء بعضهم بعضا»، وكل ذلك لا يصح. لكن الشافعي رحمه الله يقول: إن زواج الأكفاء سواء كان في النسب، أو حتى مثلا في الدين، أقصد في الاستقامة والالتزام، مثلا الرجل الصالح، المرأة الصالحة لا تزوج برجل فاسق. وقال الشافعي رحمه الله: إنه يجوز أن يتزوج مثلا الرجل الشريف في قبيلته بامرأة، ولو كانت مثلا ليس ممن يذكر أو ليس لها قبيل أو غيره، لكن الأفضل أن لا يفعل. وأيضا كذلك من هذا الباب: أن يتزوج رجل عامي جاهل بامرأة متعلمة، أو العكس، أو العكس يحصل كذلك، فالأفضل أن يتزوج كل إنسان من يكافئه، ممن يكون في مرتبة، غالبا الأفكار تكون سواء، وأيضا كذلك المعيشة تكون سواء، لكن إذا اختلفت المعيشة، فهذا مثلا امرأة تعيش عيشة غنية فتتزوج رجلاً فقيراً فتجد النقص فيها أو كذا، وهذا يحملها غالبا على الخلع أو غيره. لكن هذا كله ليس بواجب، وإنما الكفاءة في الدين، الكفاءة في الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاظفر بذات الدين تربت يداك». وأيضا الكفاءة في الدين: أنه لا يجوز لرجل مسلم، أو لامرأة مسلمة، أن يزوجها وليها رجل كافر، وهذا كما قلنا باتفاق الأمة. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، هو الحكم بن نافع الحمصي، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع النبي عليه الصلاة والسلام. أبو حذيفة هذا ابن عتبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة من كبار قريش، وأخوه شيبة، وهم من أبناء عبد شمس، وعبد شمس هذا أخو هاشم. أخو هاشم: عبد مناف، له أربعة أولاد: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس. فعتبة بن ربيعة وشيبة، وكذلك أبو سفيان وغيرهم ينتسبون إلى عبد شمس، وكذلك عثمان بن عفان والمطعم بن عدي وغيره ينتسبون إلى نوفل. وأما المطلب وهاشم فهم إخوة، وأيضا مترابطين، وكذلك عوائلهم وذريتهم، فبنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فتقول عائشة رضي الله عنها: إنه أبو حذيفة، وقيل: إنه ليس له اسم إلا هذه الكنية، أنه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع النبي عليه الصلاة والسلام. تبنى سالماً، وأنكحه بنت أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. هي هند بنت الوليد، وهناك عمتها هند بنت عتبة التي هي زوجة أبي سفيان، وهذه بنت أخيها الوليد. الوليد بن عتبة كانت معه أخت اسمها هند، فزوجها، فزوج سالماً بنت أخيه هند. وسالم مولى، تبناه أبو حذيفة، سالم مولى أبي حذيفة المقرئ المعروف في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من مثل سالم مولى أبي حذيفة». فسالم، تبناه أبو حذيفة، أو تبناه أبو حذيفة بن عتبة، فلما حرم الله عز وجل التبني، قيل له: سالم مولى أبي حذيفة، وإلا كان يقال له: سالم بن أبي حذيفة. فزوج أبو حذيفة سالماً، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار. كما تبنى النبي عليه الصلاة والسلام زيداً، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾، فردوا إلى آبائهم. معنى: لما نزلت هذه الآية، كان يقال: زيد بن محمد. زيد بن حارثة تبناه النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، فقيل له: زيد بن محمد، لكن لما نزلت هذه الآية قيل له: زيد مولى النبي عليه الصلاة والسلام، زيد بن حارثة. فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين. جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية، العامرية، شاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية ثم العامرية، قرشية وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة. كانت العرب يقدمون القبيلة الكبرى ثم القبيلة الصغرى، عنها: قريش قبيلتها الكبرى، وعامر قبيلتها الصغرى، فهي عامرية قرشية. قال: وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة، سهلة بنت سهيل، قالت سهلة للنبي عليه الصلاة والسلام: فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت، فذكرت حديث، أنا حديث، لما أرضعته، أو قال لها النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت سهلة بنت سهيل: فإني أرى الكرهة في وجه أبي حذيفة، لأن سالماً قد كبر وطلعت له لحية، معناه قد شاب، وهي التي ربته، لكنها، لكنه ليس ابنها، وكان معهم في البيت. فسألت سهلة النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، فقال: «أرضعيه تحرمي عليه، أرضعيه تحرمي عليه». وهذا كما هو معلوم أن العلماء اختلفوا: هل هذا خاص بسالم، أم خاص بحالة سالم؟ فالجمهور قالوا: إن هذا خاص بسالم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما الرضاع ما فتق الأمعاء، وكان دون الحولين». الرضاع الذي هو المعتبر ما فتق الأمعاء، يعني: ما استفاد منه الطفل، أما الشاب الكبير ما سيستفيد من هذا اللبن الذي يرضعه، فلذا قال العلماء: إن الرضاع إنما تكون في الصغر، وأما هذه الحالة فهي خاصة بسالم. واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن هذه الحالة خاصة بسلم، ومن كان في حالته، بسالم ومن كان في حالته، يعني: تربى في بيت، وأربته امرأة، وهو عندهم في البيت، ولم ترضعه، فإذا أرضعته صارت أماً. لكن إذا لم ترضعه، حالا تكون امرأة تريد ولداً، لكنه لم ترزق بولد، أو لم ترزق بشيء من الأبناء، فتكون مثلا عاقراً، أو أن الله عز وجل لم يسر لها الأولاد، فتتبنى أو تأتي بطفل فتربيه، يربى هذا الطفل ويعيش معهم، إذا كبر فمثل هذا يقول شيخ الإسلام: لا بأس أن يرضع من هذه المرأة، ويدخل عليها. وجه الشاهد من هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة... أو أن النبي... أن أبا حذيفة زوج سالماً بابن... بابنته، وهي قرشية، بنت أخي، أقصد الوليد، وهي قرشية، وسالم مولى، وسالم مولى امرأة من الأنصار، ثم صار مع أبي حذيفة، معناه: كان في مكة، ثم هاجر مع المسلمين، وكان إماماً أول ما جاء المسلمون إلى المدينة، كان سالم إماماً لهم، وكان في القوم عمر بن الخطاب وغيره، وكان سالم من المقرئين الذين حث النبي عليه الصلاة والسلام على أخذ القرآن منهم. فقال: فهنا زوج أبو حذيفة سالماً لهذه، وهو مولى، زوجه لبنت أخيه وهي قرشية، فهذا فيه أراد الإمام البخاري أن يبين أن هذا حصل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، حصل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أو حصل بعده، لكنه حصل بحضور الصحابة، ولم ينكر هذا الفعل، ولم ينكر هذا الفعل. وأيضا كذلك أكثر من هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام أيضا زوج فاطمة بنت قيس، وهي قرشية، زوجها أيضا أسامة، أو زوجها أسامة بن زيد، ويعتبر من الموالي. وهذا كله يدل على أنه ليس هناك كفاءة في النسب، وإنما الكفاءة في الدين، كما سيأتي من ذكر الأحاديث الأخرى. فخلاصة ما يذكر: أن الكفاءة إنما تكون في الدين، فلا يجوز لمسلم أن يزوج ابنته، أو يزوج أخته، أو يزوج موليته، أن يزوجها رجلا كافرا أو فاسقا، شارب خمر، أو زان، أو غيره، وهي امرأة صالحة، فليس لها بكفر. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله، لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله»، يعني: لا يزوجه إلا إنسان مثله، كيف يزوج امرأة أو بنته لرجل قد زنى أو اشتهر بالزنا؟ هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.