الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أحاديث نبوية تبين أن الكفاءة في الدين هي المعتبرة في النكاح، وأن المرأة تُختار لأربع خصال وأفضلها الدين مع النهي عن تزويج المسلمة من الكافر أو الفاسق. كما يوضح حديث الرجلين أن الناس غالباً يحكمون بالظاهر والمال بينما الميزان الحقيقي هو الخيرية الباطنة والتقوى.
يبيّن المقطع أن معيار التفاضل عند الله هو التقوى لا المال ولا الجاه مستشهداً بحديث النبي ﷺ في تفضيل الفقير التقي على ملء الأرض من أمثال الأغنياء المتكبرين. ثم يوضح أسس اختيار الزوج الصالح وحق الزوجة في النفقة وجواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن الإنفاق أو تعمد إهماله مع حث الزوجة على الصبر عند العجز غير المتعمد.
يبيّن المقطع أنه إذا عجز الزوج عن الإنفاق على زوجته فلها الخيار بين الصبر معه أو فسخ النكاح مستدلاً بتخيير النبي ﷺ لأزواجه وآية الأحزاب. ويؤكد أن العبرة بالتقوى لا بالمال ولا بالنسب مستشهداً بمكانة العلماء مثل الأعمش وعطاء بن أبي رباح الذين علت مكانتهم بالعلم والتقوى رغم فقرهم أو هيئتهم.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرفع بهذا الدين أقواماً ويضع به آخرين، ودعا السامعون الله بالتوفيق والسداد والعافية. ويختتم الدرس بالتأكيد على أن العزة والمنعة الحقيقية تنال بطاعة الله واتباع شرعه لا بالدنيا وزينتها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في باب الأكفاء في الدين: قال حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال حدثنا أبو أسامة محمد بن أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: «لعلك أردت الحجة؟» قالت: والله لا أجدني إلا وجعة. فقال لها: «حجي واشترطي، قولي: اللهم محلي حيث حبستني». وكانت تحت المقداد بن الأسود. هذا قد قرأناه، وفيه من الوجه الشاهد أن ضباعة بنت الزبير، وهي بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام، كانت تحت المقداد بن الأسود، أو المقداد بن عمر الكندي، لأنه إنما ينسب إلى الأسود بالولاء. قال حدثنا مسدد بن مسرهد، قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن أخيه، عن عبد الله بن مقسم، وهذا ثقة ثبت، وذاك ضعيف. قال عن عبيد الله، قال حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك، فاظفر بذات الدين تربت يداك». ومعنى هذا الحديث، أي الشاهد منه، أن الكفاءة في الدين، وأن الذي يزوج هو صاحب الدين: «من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد عريض». فصاحب الدين هو الذي يزوج، «وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله». فالكفاءة كما قلنا: اتفق العلماء على أن الكفاءة في الدين، لا يزوج المسلم، ولا المسلمة من الكافر، وهذا باتفاق الأمة. وقد جاء نص على ذلك في حديث النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة، وفي حديث علي. وأيضا أن المرأة الصالحة لا تتزوج الفاسق، لا تتزوج الفاسق، وإنما تتزوج صاحب الدين الذي عنده خلق ودين، هذا الذي تتزوجه، فهذا يكون لها كفء. قال حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع له، أو قال: أن يستمع. قال ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا». وهذا الحديث فيه عدة مسائل: فيه أولا أن الرجل قد يُعرف بخيره وشره، وكذلك فيه أن غالب الناس يأخذ بالظاهر، وبأن المال له وجاهة وله كذا عند الناس، صاحب المال له وجاهة وله أيضا مكان عند الناس، حتى أنهم قالوا: هذا حري إن خطب أن ينكح. وهنا حري بمعنى حقيقة، وهنا جاءوا بما يظهر عند الناس، هذا من قياس الناس للشخص، فغالب قياس الناس أنهم يقيسونه بماله، أو بحسبه، أو بشرفه، أو بغير هذه من الأمور التي فيها أمور الدنيا. فقالوا: هذا إن خطب أن ينكح، لأن الناس سيزوجوه لأنه عنده مال وهو من وجهاء الناس، وإن شفع أن يشفع، أن دخل واسطة في شيء من الأمور تقبل شفاعته، وإن قال أن يستمع، معنى: إذا تكلم يستمع له وينصت له لأنه صاحب جاه، صاحب مال، صاحب كذا. قال ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم، فمر رجل من فقراء المسلمين، أن ذاك من أغنيائهم وهذا من فقرائهم، أو ذاك من وجهاء المسلمين، معنى: من الناس التي لهم جاه، ولهم مثلا صول وجول في تقدمة الناس. فقالوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: هذا حري إن خطب ألا ينكح. أنا ما هذا لو تقدم عنده ناس ما سينكحونه، لماذا؟ لأنه فقير، معدوم ما عنده شيء، وغالب الناس ينظرون إلى الظاهر أو إلى أمور الدنيا، أنا سيقول: من أين سيطعمها، من أين سيكفيها. قال: وإن شفع لا يشفع، أن إذا جاء واسطة لا تقبل واسطته، وإن قال أن لا يستمع، أنا لو تكلم ما يستمع له، لأنه منبوذ عند الناس، أو أنهم ينظرون إليه نظرة استحقار غالبا، فلا يستمع لكلامه، ولا تقبل شفاعته، ولا أيضا يزوج. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يزحزح هذا المفهوم، وأن الأمور ليست بأمور الدنيا بل بأمور الآخرة: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». فإذا كان الرجل تقياً فهذا الذي يستمع له، وكذلك تقبل وساطته، وكذلك إذا خطب أن يزوج. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فاظفر بذات الدين تربت يداك». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا». فاتقوا. وأيضا الذي يعرف حق الله جل وعلا وحق عباده لا يضيع المرأة، وإذا كان لا يستطيع أن ينفق عليها فإنه ما سيقدم إلى زواج وهو لا يستطيع أن ينفق على المرأة، وليس عنده ما ينفق عليها، إلا إذا رضيت المرأة بذلك، فهذا ما في شيء إذا رضي ولي المرأة، وأيضا المرأة رضيت بهذا، هذا ما في شيء. أو قد يكون مثلا الرجل عنده شيء ثم يفتقر، لا يجد شيئا بعد ذلك، مثل ما يحصل أحيانا في هذه الأيام. فهل على المرأة أنها تخرج من عندها؟ الأولى للمرأة أنها تصبر على زوجها، إن وجد طعاما أطعمه، ولا ينبغي لها أن تضيع نفسها وتضيع بيتها لأجل أنه ما عنده طعام وما عنده نفقة. لكن إن كان متعمدا أن ينفق أمواله في غير حق، مثل ما يفعل أصحاب القمار الآن، فهذا إن وجدت من ينصحه أو هي تنصحه طيب، وإلا فلها أن تتركه. فالعلماء يقولون: أن الرجل إذا لم يستطع أن ينفق على المرأة فللمرأة أن تتركه، يعني تفسخ النكاح، لأن النفقة تعتبر شرطا من شروط النكاح: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان». ومن الإمساك بالمعروف أن ينفق، من الإمساك بالمعروف أنه ينفق عليها، هذا مما تعارف به عند الناس. فإذا لم يستطع أن ينفق عليها فهي بالخيار: إن شاءت جلست معه وصبرت، وإن شاءت فسخت النكاح. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا». ومثلة التخيير أخذها الفقهاء من تخيير النبي عليه الصلاة والسلام لأزواجه، لما اشتكت بعض الأزواج من قلة النفقة، من قلة المال، أمر الله عز وجل نبيه أن يخيرهم، فاختاروا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فلهذا أخذ العلماء التخيير من هذه الآية: فإذا لم يستطع الرجل أن ينفق على زوجته فهي بالخيار، إن شاءت جلست معه وصبرت، وهذا أفضل لها، وإن شاءت تركته وفسخت النكاح، لأن هذا كما قلنا إخلال بشرط: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا». وهذا أيضا فيه أن العبرة بتقوى الله جل وعلا، وفيه كذلك أحيانا فيه غيبة الرجل لأجل إظهار أمر أعظم، فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا لم يغتابه، أو لم يذكره لأجل أنه يريد أن يذمه، وإنما ذكره لأجل أن يريد أن يبين لهم أن المال ليس كل شيء، وأن الجاه ليس كل شيء، وأن النسب ليس كل شيء. فليس الرفعة في الدنيا بالمال، ولا بالنسب، ولا بالشرف، ولا بغيرها من هذه الأمور، وإنما الرفعة، سواء كان في الدنيا أو الآخرة، إنما بتقوى الله جل وعلا. فربنا جل وعلا يرفع أولياءه ويجعل لهم مكانة عظيمة في الدنيا قبل الآخرة. وكما قال الإمام الأعمش رحمه الله: «لو كنت بقالا لقدر الناس». قال: «لو كنت بقالا تبيع بضاعة وكذا لتقدر الناس منه، لكن لأنه اختار طريق العلم، طريق الخير والتقوى، جاءه الناس من كل مكان، جاءه الناس من كل مكان حتى يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». وعطاء بن أبي رباح، كما هو معروف، فيه صفات كثيرة مما قد يدنو به الشخص من القصر الشديد، وكذلك السواد، والفقار التي تكون خلف الظهر الزائدة، وأنه أفطس، وغير ذلك مما فيه، لكنه كان مهابا، وكان كذلك لا أحد يفتي، وعطاء في مكة كان مفتي مكة في الحج، وجاءه سليمان بن عبد الملك وأبناؤه لأجل أن يعلم أبناءه، فلم يلتفت إليهم حتى أدى صلاته وانتهى من صلاته وورده وذكر الله عز وجل، فالتفت إليهم. فلما انتهى من مجلسه قال سليمان بن عبد الملك لأبنائه: «اذكروا هذا الموقف، أو هذا الذل الذي ذللناه عند هذا العبد الأسود، أننا نحن ما ذللناه إلا لأجل العلم الذي عنده، وإلا فنحن من الملوك ومن كذا، وعندنا المال وعندنا كذا، لكن ذللنا عند هذا الرجل لأنه من أهل العلم وأهل الخير». فهذا الذي جعلنا نفعل هذا. فلهذا رفع الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرفع بهذا الدين أقواما ويضع به آخرين». فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والعافية، والحمد لله رب العالمين.