الخطبة بعنوان الانتصار في شهر رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 رمضان 1443هـ الموافق 15 أبريل 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُشجع على اغتنام شهر رمضان بالأعمال الصالحة ويُبين أهمية العشر الأواخر. الانتصار على النفس والهوى أساس الانتصار على الأعداء.
شهر رمضان هو شهر الانتصارات للمسلمين، حيث وقعت فيه غزوات كثيرة مثل غزوة بدر وفتح مكة. أظهر الله نصر المسلمين بفضل إيمانهم وتضحياتهم.
يتحدث عن أهمية الوحدة في تحقيق النصر للمسلمين من خلال معارك تاريخية. يشدد على اتباع كتاب الله وسنة نبيه لتحقيق القوة والتماسك.
يتضمن أدعية متنوعة للتقرب إلى الله تعالى تشمل الحفظ بالإسلام وإصلاح الدين والدنيا. يختم بالثناء على الله والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، لقد منَّ الله جل وعلا علينا بهذه النعمة العظيمة، وهذه المنَّة الكبيرة أن بلغنا الله جل وعلا شهر رمضان المبارك، هذا الموسم العظيم من مواسم الخير والبر، قد كنا قبل أيامٍ قليلة ننتظر قدومه بقلوبٍ راغبة وأفئدةٍ محبة لإدراكه، لصيام نهاره وقيام ليله، وإعمار أوقاته بطاعة الله جل وعلا، وها قد منَّ الله سبحانه وتعالى علينا بذلك، وقد مضت من أيام هذا الشهر العشر الأول، وها نحن في العشر الأوسط منه. عباد الله، ينبغي لمن أحسن في أوله أن يزيد في الإحسان فيما بقي من هذا الشهر، ومن أساء في أوله فليتدارك ما بقي من هذا الشهر، فإنما بقي خيرٌ مما مضى. عباد الله، إننا في مثل هذه الأيام المباركة نستقبل العشر الأواخر بإذن الله جل وعلا، بعد العشر الأوسط من هذا الشهر، وآخر هذا الشهر أفضل من أوله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في أوله، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. فهي فرصة في حياتك أيها المسلم أن تقبل على طاعة الله جل وعلا، وأن تتزود من هذا الشهر من الطاعات والقربات ما يكون لك زادًا يوم المعاد، والله جل وعلا يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. عباد الله، إن هذا الشهر المبارك، وإن كان شهر الصيام والقيام، وشهر البر والإحسان، وشهر النفقة والإطعام، فإنه كذلك شهر للانتصار على النفس والهوى والشيطان، وأعداء الرحمن جل وعلا. نعم، عباد الله، إن الصائم ينتصر على هذه النفس الأمارة بالسوء، إذ يقودها إلى طاعة الله جل وعلا، ويمنعها مما أباح الله لها من طعامٍ وشرابٍ ونكاحٍ، طاعةً لله واستجابةً لأمر الله، فهو بهذا يفوز على نفسه، ويستطيع أن يمنعها مما حرم الله جل وعلا من المحرمات، ومن المعاصي والذنوب والسيئات، فبهذا يتغلب على هذه النفس، وبذلك يرقى بنفسه إلى أعلى الدرجات وإلى أرفع المنازل. ومن تغلب على نفسه وهواه استطاع أن يتغلب على أعداء الله، قال الإمام القيم رحمه الله في كتابه «روضة المحبين»: سمعت شيخنا - أي ابن تيمية - رحمه الله يقول: «إن جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم إلا من جاهد نفسه وهواه». أي لا يستطيع العبد أن يجاهد أعداء الله إلا إذا جاهد نفسه وهواه، وجعل نفسه منقادةً لأمر الله، وكذلك منقادةً لطاعة الله سبحانه وتعالى، فبهذا ينتصر العبد على نفسه وعلى هواه والشيطان. عباد الله، إن هذا الشهر شهر انتصار، نعم، عباد الله، شهر انتصار على الكفار، وقد سجل التاريخ من ذلك وقائع كثيرة فيها عظات وعبر، وكذلك أيضاً فيها بيان ما جعل الله عز وجل من النصر لعباده والتمكين لأوليائه في هذا الشهر المبارك. وإني ذاكر من ذلك جملةً يسيرة، ووقائع تاريخية فيها عظات وعبر، وأولها غزوة بدرٍ الكبرى، غزوة بدر التي كانت في السابع عشر من رمضان بالسنة الثانية من الهجرة، حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين يريدون عير قريش التي كانت مع أبي سفيان، ولم يكونوا يريدوا قتالًا، فجمع الله عز وجل بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وكان عدد المسلمين في تلك الغزوة نحو ثلاث مئة، والمشركون نحو الألف، ومع ذلك فقد ناشد النبي صلى الله عليه وسلم ربه وأبالغ في ذلك حتى سقط رداءه عن كتفيه عليه الصلاة والسلام، وأبو بكر رضي الله عنه يقول: «يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، إن الله منجز لك ما وعدك». فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. إذ يقول للمؤمنين: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، هكذا أيّد الله عز وجل نبيه ورسوله بملائكة من السماء تقاتل مع المسلمين، فكان النصر لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، وكان النصر لأهل الإسلام. وهكذا عباد الله، كذلك كانت في رمضان غزوة الفتح، فتح مكة التي كانت في السنة الثامنة من الهجرة، حين نقض المشركون العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد عقد في صلح الحديبية، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ومعه عشرة آلاف من أصحابه حتى بلغ الكديد، وكان صائمًا فأفطر عليه الصلاة والسلام وأفطر الناس. وفتح عليه الصلاة والسلام مكة، وطاف حول البيت، وكسر الأصنام التي كانت حولها، ودخل الكعبة، وصلى فيها ركعتين، وكبر في نواحي البيت، ثم خطب الناس خطبته المشهورة بخطبة يوم الفتح، ثم أمر نبي صلى الله عليه وسلم بقتل بعض المشركين، وعفى عن أكثرهم، وصارت مكة بعد ذلك دار إسلام، بعد أن كانت دار كفر وشرك. وهكذا أيضاً منها معركة القادسية، هذه المعركة المشهورة التي وقعت في رمضان في سنة خمس عشرة للهجرة، وكانت بقيادة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وكانت من المعارك الحاسمة التي كانت بين المسلمين وبين الفرس المجوس. فاستخدم فيها الفرس الفيلة، ولم يعهد المسلمون ذلك، فلما رأت الخيل الفيلة نفرت منها، وقتل من قتل من المسلمين، لكن الله جل وعلا أيد المسلمين بنصره وبتأييده، وكان من أسباب ذلك أن دخل مع المسلمين من قبائل العرب من حلفاء الفرس قبل الإسلام، ومنهم بنو تميم، فدخلوا مع جيش المسلمين، ووضعوا خطة للتخلص من هذه الفيلة، فكان في ذلك النصر للمسلمين بإذن الله. وهكذا أيضاً من المعارك التي وقعت في رمضان فتح الأندلس، وكانت في رمضان في سنة اثنين وتسعين من الهجرة، بقيادة طارق بن زياد، وكان معه اثنا عشر ألفًا من المقاتلين، وكان الكفار نحوًا من أربعين ألفًا، فقتل ملكهم، ووقعت الهزيمة في أوساطهم، وكان النصر للمسلمين. وهكذا أيضاً كذلك معركة الزلاقة، وهي بلدة في جنوب بلاد إسبانيا حاليًا، كانت هذه المعركة في شهر رمضان في سنة تسع وسبعين وأربعمائة للهجرة، كان المسلمون بقيادة يوسف بن تاشفين، وكان القتال مع الكفار الإفرنج، وكان قائدهم قد هدّد المسلمين بالغزو والقتل، فما كان من قائد المسلمين إلا أن كتب خلف رسالته: «سترى ما يكون»، وقاد المعركة بنفسه، وهو ابن أربع وثمانين عامًا، فكان النصر حليفًا للمسلمين. وهكذا أيضاً مما وقع في هذا الشهر المبارك من نصر وتمكين معركة عين جالوت، هذه المعركة المشهورة التي كانت في قتال المسلمين للتتار، كانت في الخامس والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة للهجرة، كان المسلمون بقيادة السلطان سيف الدين قطز، كانت هذه المعركة معركة حاسمة ومعركة شديدة، وذلك أن جيش التتار كان جيشًا قويًا لا يعرف الهزيمة، وقد اجتاح كثيرًا من بلاد الإسلام قتلًا ونهبًا وانتهاكًا للأعراض، وسبيًا للذرية والنساء. فما كان من المسلمين إلا أن اجتمعوا، وكذلك تضرعوا إلى ربهم سبحانه وتعالى، فلما التقى العسكران خرج المظفر سيف الدين قطز إلى الأرض، فمرغ وجهه بالتراب، وقبلها، ودعا الله جل وعلا، ثم نادى في عسكره بصوت وصفه التاريخ بأنه صوت عظيم، فنادى: «إسلاماه»، فحمل المسلمون على التتار، فما كانت إلا لحظات ووقعت الهزيمة على التتار، فأعطوا ظهورهم للمسلمين يقتلون ويأسرون، وكان الظفر والنصر للمسلمين. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، هذه نبذ يسيرة فيما جعل الله جل وعلا في هذا الشهر المبارك من نصر وتمكين للمسلمين، وينبغي عباد الله أن يكون أهل الإسلام يدًا واحدة على عدوهم، وكذلك أيضاً أن تجتمع كلمتهم، وأن ينبذوا أسباب الفرقة والاختلاف حتى تجتمع كلمتهم وتقوى شوكتهم، ويجتمعون على كتاب ربهم وسنة نبيهم، فإن ذلك من أعظم أسباب النصر والتمكين. قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، لا تنازعوا ولا تختلفوا فيكون حليفكم الفشل والهزيمة، وتذهب ريحكم - أي تذهب قوتكم - فإن الاجتماع قوة، والتفرق ضعف وهزل. نعم، عباد الله، لهذا ينبغي على جميع فئات المجتمع أن تكون يدًا واحدة ضد أعدائها، ومن ذلك ما يسعى له أعداء هذا الدين، وكذلك أعداء الإسلام من نشر الفكر الرافضي الحوثي الخبيث، لذلك واجب على الجميع أن يكونوا يدًا واحدة ضد هذا التمدد، فإن الرماح إذا اجتمعت أبت تكسر، وإذا افترقت تكسرت أحدًا. إن الرماح إذا جمعت، وضم بعضها إلى بعض، لم يمكن كسرها إلا بصعوبة شديدة، وأما إذا تفرقت، وأخذت عودًا عودًا، استطعت أن تكسرها بكل سهولة. وهكذا يسعى أعداء هذا الدين إلى تفريق كلمة المسلمين حتى يتسنى لهم التسلط عليهم، وكذلك إيقاع الهزيمة فيهم، فالله الله عباد الله بالحرص على جمع الكلمة، فإن الاجتماع رحمة، والفرقة عذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وابن أبي عاصم في السنة من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما. فأسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يجعل هذا الشهر المبارك شهر نصر وفتح للإسلام والمسلمين. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، اللهم هئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، اللهم لا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وقراءتنا وسائر أعمالنا مما تحبه وترضاه يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر المبارك، اللهم اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.