الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 42، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كانت الدعوة السرية للنبي محمد تستمر لثلاث سنوات، وركز فيها على التوحيد والصلاة والأخلاق. اختار النبي دار الأرقم بن أبي الأرقم لتكون مقرًا للدعوة السرية.
ركزت الدعوة السرية على ثلاث قضايا رئيسية: التوحيد، الصلاة، والأخلاق. كان النبي يدعو إلى توحيد الله وأداء الصلاة وتحسين الأخلاق.
يختتم المقطع بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشدد على الطاعة والاعتراف بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان حديثنا بالأمس في هذه المنظومة فيما ذكره الناظم رحمه الله تعالى من قوله: ثم مضت عشرون يومًا كاملاً فأرمت الجن نجومًا هائلة. وأشرنا إلى هذه الفترة من حراسة السماء بالملائكة والشهب، كل ذلك في سبيل حفظ الوحي. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم دعا في أربع الأعوام بالأمر جهرة إلى الإسلام. في هذا البيت يشير المؤلف رحمه الله تعالى إلى ما كان من بدء الدعوة الجهرية التي جاهر فيها نبينا صلى الله عليه وسلم بدعوته. وقوله: ثم دعا في أربع الأعوام، أي في السنة الرابعة دعا الناس جهرة إلى الإسلام والدين. ولو أن الناظم رحمه الله عبر بقوله: ثم دعا في رابع الأعوام، لكان أفصح وأوضح. لكنه عبر بأربع، قال: ثم دعا في أربع الأعوام، والمطلوب هو هذا المعنى أنه في السنة الرابعة صدع نبينا عليه الصلاة والسلام بالجهر بالدعوة. وفي ذلك فائدة تستفاد من هذا البيت، أنه طيلة السنوات الثلاث الأولى لم يكن عليه الصلاة والسلام يجهر بالدعوة. إذن ماذا كان يفعل؟ الجواب: لا، بل كان يدعو إلا أن دعوته كانت سرًا. أي بقي نبينا عليه الصلاة والسلام ثلاثة سنوات يدعو إلى الإسلام سرًا، ثم في السنة الرابعة قام بالدعوة جهرًا. يقول علامة بن القيم رحمه الله تعالى: قال وأقام صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيًا، أي في الخفاء، ثم نزل عليه: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾، فأعلن صلى الله عليه وسلم بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة. إذن خلاصة هذا البيت أن المؤلف رحمه الله تعالى أشار بمنطوقه على أن في السنة الرابعة بدأت الدعوة جهرًا، ويفهم من مفهومه أنها خلال السنوات الثلاث الأولى كان عليه الصلاة والسلام يدعو سرًا. المؤلف رحمه الله تعالى لم يتحدث كثيرًا بل لم يتحدث قط عن هذه الملاحظة حول الدعوة السرية التي قام بها عليه الصلاة والسلام في بدء دعوته. وهذه المرحلة تعتبر من المراحل المهمة من حياته عليه الصلاة والسلام، وكم يستفيد المسلم الشيء الكثير، وخاصة في مسائل العقيدة والتربية والمنهاج، من هذه الحادثة. أولًا، من خلال النظر في هذه الحياة أو في هذه الدعوة، كيف كانت؟ من أولى هذه المسائل إخواني في الله أن نعلم أن مرحلة الدعوة السرية لم تبعد كثيرًا عن النبوة. أول ما بدأ بنبينا الوحي، ثم بدأت الدعوة السرية، ثم جاءت الدعوة الجهرية. ما يتعلق بالدعوة السرية، الفيصل بينها وبين النبوة ليست فترة طويلة، وإنما أكثر العلماء ذهبوا إلى أنها ما يقارب أربعين يومًا. لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما مر معنا عندما دخل غار حراء فنزل عليه الوحي، ثم خرج، ثم فتر الوحي. والصواب أن مسألة فتور الوحي لم تدم طويلًا. ففتر الوحي ثم نزل عليه: ﴿يا أيها المدثر﴾، وبعدها انطلق داعيًا. فالفترة ما بين الدعوة إلى مع نزول الوحي عبارة عن أربعين يومًا تقريبًا كما بين ذلك العلماء. ثانيًا، من المسألة المهمة الدعوة السرية التي قام بها عليه الصلاة والسلام، على ما هي المضامين؟ ما الذي اهتم به نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه المرحلة بالذات؟ أشار العلماء أن في هذه المرحلة أشار نبينا في دعوة إلى ثلاثة قضايا، إلى ثلاثة مسائل. المسألة الأولى مسألة التوحيد، فهذه الأساس الذي عليه قوام دين الناس. فبدأ ويعيد عليه الصلاة والسلام من يدعوهم إلى مسألة توحيد الله، بإفراد الله بالعبودية وأنه لا إله إلا الله، وما هناك شريك مع الله. الأساس الثاني في دعوة عليه الصلاة والسلام ما كان من الأمر بالصلاة. وقد مر معنا ما يتعلق بالصلاة، وأن من أوائل ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام من الأحكام الصلاة، وكان يأمر من دخل في هذا الدين أن يقوم بالصلاة لأنها صلة بين العبد وربه. القضية الثالثة مسألة الأخلاق، مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. هذه كذلك كانت من أس دعوته عليه الصلاة والسلام في العهد والمرحلة السرية. وتشمل هذه المسائل الكثير ما يتعلق بصدق الأمانة وصدق الحديث ورد الأمانات وبصلة الأرحام وبطاعة الوالدين. كان يدعو إليها نبينا ويأمر من أمر من دخل في الإسلام أنه يهتم بمثل هذه المسائل. ومما يدل على ذلك ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق». وجاء كذلك من حديث ابن عباس أن عند بعثته مبعثة عليه الصلاة والسلام أراد أبو ذر الغفاري أن يتعرف على دين الرسول. فأرسل إلى أخيه أن اذهب وأعلمني علم هذا الرجل واسمع من خبره. فذهب أخوه إلى مكة وأخذ يتسمع فعلم فحو دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلما رجع إلى أخيه قال: سمعته يأمر بمكارم الأخلاق. فدل ذلك على أن النبي عليه الصلاة والسلام أوائل دعوته كان حريصًا على هذه المسألة، على الأخلاق. ويؤيد هذه المسألة الثلاثة أو ما يتعرف بأكملها ما جاء في حديث عمر بن عبسة رضي الله تعالى عنه عندما أراد أن يسأل عن دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم. قال: فقدمت عليه إلى مكة، قال: فإذا به مستخفيًا في الدعوة السرية. كان يتأتي شيء من أخباره لكن في الخفاء. قال: فكان مستخفيًا جراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه. قال: فقلت ما أنت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أنا نبي. قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيئًا. قلت: فمن معك على هذا؟ قال: معي عبد وحر. إشارة إلى ما كان من بداية دعوة عليه الصلاة والسلام. ثالثًا، اختار نبينا عليه الصلاة والسلام في دعوته عندما بدأها سرًا اختار دارًا تكون كالمقر لهم يجتمعوا بأصحابه ومن أسلم يجتمع بهم. وكان هذا الاجتماع يكون تارة لأن يقرأ عليهم شيئًا من القرآن أو يخبرهم بما كان من وحي الله النازل عليه أو ما كان من إقامتهم للصلاة من دون خوف ولا رقابة. فاختار نبينا عليه الصلاة والسلام دار الأرقم بن أبي الأرقم. اختار هذه الدار لكي تكون محلًا لاجتماعهم بين الفينة والأخرى. يبقى سؤال: لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدار؟ طبعًا لا شك أن هذا الاختيار ما كان عبثًا وإنما كان لحكمة أرادها نبينا عليه الصلاة والسلام أن تعينه في خفاء دعوته. فقال العلماء أن من أسرار ومن أسباب اختيار هذه الدار لأن تكون مقرًا لدعوة رسول الله واجتماعه بأصحابه الأمر الأول ما يعود إلى صاحب الدار وهو الأرقم. الأرقم كان قد دخل في الإسلام وكان صغيرًا، كان فتىً شابًا عمره ستة عشر عامًا. صغير فهذا السن لا يشد الانتباه أن وراء هذا رجل دعوة. كان ينتمي إلى بني مخزوم، وبني مخزوم كما يعتبرهم أهل التاريخ أنهم يعني ممن زاحموا بني هاشم في السيادة والريادة والسؤدد. كان تنافس بينهم شديد بين بني هاشم وبني مخزوم. فتخيل نبينا عليه الصلاة والسلام يرمي نفسه إلى الداخل قوم هم في الظاهر أعداء لقبيلته وعشيرته. هل هذا يدخل في البال؟ ما سيدخل في البال ما يتوقع أحد أن النبي سيجتمع مع الناس في هذا المكان وهو الذي يعد من أعداء قبيلته وعشيرته. فكان ذلك لحكمة أن يبعد نبينا عليه الصلاة والسلام أي ملحظ أن يكون ماذا يلاحظ في حركاته واجتماعه مع أصحابه. هذا فيما يتعلق بصاحب الدار. كذلك السبب الثاني في اختيار نبي لهذه الدار بالذات ما يتعلق بموقعها، إذ أنها كانت قريبة من جبل صفاء. وكان هذا محل حركة والتحرك المارة. ليس مكان منعزل بحيث يرى الناس من يأتي من بعيد. ما شأن هؤلاء يجتمعون؟ لا أحد يستطيع مكان يمر عند المارة فيدخل من يدخل اختلاسًا. فكان هذا من أسباب اختيار هذه الدار ما كان من موقعها. ولهذا إخواني في الله كان اختيار نبينا عليه الصلاة والسلام لهذه الدار كان دلال على فطنته وعلى نباهته وعلى مدى حكمته. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.