الدرس في شرح العقيدة الواسطية 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح معنى العفو في اللغة العربية ومراتبه، ويبين أن العفو من صفات الله تعالى. العفو له معاني متعددة منها التجاوز والإسقاط والكثرة والطمس والإزالة.
يشرح معنى العفو والصفح وفضلهما، ويبين أن الصفح هو درجة أعلى من العفو. الآية ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ نزلت في شأن أبي بكر الصديق عندما عفا عن مصطح.
يشرح معنى العزة في اللغة العربية ودلالاتها، ويربطها بصفة العزة لله. العزة من صفات الله الثابتة وتنقسم إلى عزة القدر وعزة القهر وعزة الامتناع.
يؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام التأكيد على أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قوله تعالى: ﴿إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفو عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا﴾، قال: وقوله تعالى: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾. في هذه الآيات، إخواني في الله، من رسالة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى بعض صفات الله جل في علاه، فذكر وأشار إلى صفة العفو كما في الآية الأولى، وفي الآية الثانية إشارة إلى صفة المغفرة. العفو، إخواني في الله، له عدة معاني في اللغة العربية، حتى نفهم ما معنى العفو الذي اتصف به الرب سبحانه وتعالى، لأن قال: ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾، فالله عفو سبحانه، فهو عفو. قال علماء اللغة: هو بمعنى التجاوز، التجاوز عن المذنبين. وذكر أهل اللغة أن كلمة "عفا" تأتي على عدة معاني، ليس فقط التجاوز فحسب. من معاني "عفا" بمعنى محا، محا أي أزال. يقال: "عفا الريح البيت" بمعنى أزال أثره. ومن معاني العفو الإسقاط، فيقال: "عفا عن الحق" بمعنى أسقطه، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾. "يعفو" بمعنى يسقط حقه. والعفو تأتي كذلك بمعنى التكثير، منه "عفا الشعر" أي تركه حتى يطول. ومنه "إعفاء اللحية" بمعنى تركها حتى تطول، فيها معنى الكثرة. فمن خلال هذه المعاني، إخواني في الله، يقول العلماء: إن العفو مراتب ودرجات. وأعظم مراتب العفو الذي يتحلى فيه صاحبه بالصفات الأربع أو المضامين الأربع. ما هي المعاني الأربع؟ التجاوز، الإسقاط، الكثرة، والطمس والإزالة. فهذه كلها تدخل في معاني العفو. وربنا عز وجل هو العفو، وهو الذي يعفو عن عباده. فربنا سبحانه وتعالى إن عفى، فهو لا يؤاخذ العباد. بل إنه سبحانه وتعالى يسقط كل ما فعلوه، يسقطه بل ويمحيه. وهذا العفو من الله جل وعلا دائما وأبد مستمر، دلالة على كثرته. فالله يعفو، ويعفو، ويعفو، لأن من معاني العفو الكثرة. ولهذا كان من الدعاء المبارك الذي طلب نبينا من أمته أن يكثروا منه، خاصة في الليالي الفاضلة: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عنا". استدل المؤلف رحمه الله تعالى في الآية الأولى بقوله: ﴿إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفو عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا﴾. هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿إن تبدوا خيرا﴾، البدو بمعنى الظهور، تظهر من الإبداء. وهذا يشمل كل خير، سواء كان قولي أو فعلي، ظاهري أو باطني. ﴿أو تعفو عن سوء﴾، تعفو يكون منك العفو، تعفو عن من أساء إليك. سواء كانت إساءة في بدنك، أو إساءة في مالك، أو إساءة في عرضك. فقال ربنا: ﴿أو تعفو عن سوء﴾، تعفو هذه إساءة أنت قابلتها بالعفو، بأن تجاوزت عن صاحبها، بل وأسقطت ومحوت محوت منه هذه الزلة. فقال عز وجل: ﴿فإن الله كان عفوا﴾. هذه الآية من الآيات العظيمة التي استدل بها العلماء على قاعدة مضطردة، وهي أن الجزاء من جنس العمل. فمن عفى عن خلق الله، عفى الله عنه. ومن أحسن إليهم، أحسن الله إليه. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾. هذه الآية جمعت بين وصفين اثنين، فليعفو وليصفحوا. جمع بين العفو والصفح. فما الفرق بينهما؟ قال علماء اللغة: الصفح قدر زائد عن العفو. الصفح بمعنى عدم الالتفات، بل هو الإعراض عن المسيء. وهذا قدر زائد عن العفو. أنا قد أعفو عن فلان، وأخذ على ما فعل، ولا أبالي بما حصل، لكن يبقى في النفس شيء. أما الصفح، فكأن شيء ما حصل، شيء ما حصل، يعني أنا ما التفت إليه أصلا. فالعفو أحيانا قد يصاحب بصفح، وقد لا يصاحب. العفو قد يصاحب بصفح، وقد يكون دون صفح. فالعفو هو من مقامات العظيمة، لكن ما هو أعظم من العفو الصفح. قال: ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾، إذن علمنا ما معنى الصفح. وهذه الآية، إخواني في الله، نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، عندما كان ينفق على قريب من أقربائه، وهو مصطح رضي الله تعالى عنه. فلما وقعت حادثة الإفك، تكلم مصطح مع من تكلم، فخاضوا في القضية. فبلغ ذلك أبا بكر، فأوقف الصديق النفقة على مصطح. فأنزل ربنا عز وجل هذه الآيات: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾. فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: "إني والله لأحب أن يغفر الله لي". فأرجع النفقة إلى مصطح، مع الذي صار منه، كأن شيء ما صار. أرجع ليس فقط عفا، مسامح، يا مصطح سامحتك فيما قلت في بنتي، وأنت في حل، لا أرجع المال، خذ ما لك، كأن شيء ما صار. فهذه قمة الصفح، كأن شيء ما صار أبدا، لا يؤثر لا على سلوكه، ولا على تصرفاته. وكل ذلك رجع إلى أن يصل إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى. ثم قال ربنا عز وجل: ﴿وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾. وهنا في مسألة المغفرة، فإن هذه من صفات الله عز وجل، أن الله يغفر الذنب. ولهذا كان من أسمائه الغفور، ومن أسمائه الغفار. والغفر، إخوانا في الله، أصله في اللغة بمعنى الستر. ومنه يقال في اللغة العربية: "أغفر للوسخ" بمعنى أستر. فالمغفرة تشمل أمرين اثنين: الستر، والوقاية. فأنت يا عبد الله، عندما تدعو ربك عز وجل بالمغفرة، استشعر الطلب لهذين الأمرين. فالمغفرة تأتي بالأمرين اثنين: تشمل عدم إظهار ذنبك، وتقيك أيضا من آثار الذنب. قال مؤلف رحمه الله تعالى: "صفة العزة". ندخل في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾، قال: وقول إبليس: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾. هذا الباب، وهذه الآثار، استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على إثبات أن العزة من صفات الله، الثابت لله، بدليل أن الله أضافها إلى نفسه. ﴿ولله العزة﴾، ﴿فبعزتك﴾. فالله عز وجل له عزة. بل إن الله عز وجل أقسم بعزته. والله يقسم بما شاء. وقد أقسم ربنا بعزته، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أنس، قال سبحانه في الحديث القدسي: "فبعزتي وكبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله". إذن العزة من الصفات الثابتة لله. يأتي السؤال: ما معنى العزة؟ العزة في اللغة تأتي بعدة معاني. المعنى الأول: تأتي العزة بمعنى الغلبة والقهر. فتكون حينها من "عزة يعز" بضم العين. يقال: "عزه" إذا غلبه. والمعنى الثاني: أن تكون العزة بمعنى القوة والصلابة. فيكون تخريجها حينها من "عزة يعز" بفتح العين. ومنه يقال: "أرض عزاز" بمعنى أنها أرض قوية شديدة صلبة. والثالث: بمعنى الامتناع عن الأعداء، امتناع بحيث ما أحد يستطيع أن يوصل إليه الأذى لعزته. وحين يكون تخريجها من "عزة يعز" لكسر العين. فهذه المعاني الثلاثة، إخواني في الله، من المعاني الثابتة في اللغة العربية لمعنى العزة. وهذه تفيدنا في صفة العزة المضافة إلى الله. قال العلماء: إن عزة الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. هذه الأنواع الثلاثة من العزة تضاف إلى الله جل فعلا. فلله عز وجل أولا عزة القدر، بمعنى أن الله ذو القدر العظيم، فلا نظير له. فلله العزة، لماذا؟ لأنه لا نظير له سبحانه. والنوع الثاني من أنواع العزة: عزة القهر، وهي عزة الغلبة، بمعنى أن الله غالب على كل شيء، قاهر على كل شيء. فالله غالب قاهر. وهذا المعنى كما في قوله تعالى: ﴿فأعزني في الخطاب﴾، "عزني" أي قهرني. والأخير: عزة الامتناع، أي أن الله يمتنع أن يناله شيء من السوء أو من نقص أو من أذى من أحد من خلقه. لا يصله شيء، فهو عزيز سبحانه وتعالى. إذن هذه، إخواني في الله، صفة العزة لله، الذي ثبت لله: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. وكل هذه الصفات الثلاثة من العزة تضاف وتضاف إلى الله جل في علا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.