الدرس في شرح العقيدة الواسطية 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش آراء المخالفين لأهل السنة في مسألة الاستواء على العرش وتأويلاتهم لها، حيث لجأوا إلى التحريف والتأويل لصفة الاستواء. يرفض هذه التأويلات ويرد عليها بأن الله مستغن عن العرش والعرش بحاجة إلى الله.
يتناول الرد على تأويلات المبتدعة لصفة الاستواء لله تعالى، حيث يرفض تأويل العرش بالملك أو الفلك التاسع أو الكرسي، ويبين بطلان تأويل الاستواء بالاستيلاء لغوياً وعقائدياً. يوضح أن علو الله ينقسم إلى علو معنوي وهو علو القدر والقهر.
يناقش علو الذات الإلهية، ويشير إلى أن الله عالٍ بذاته على خلقه، مستدلاً بذلك على أدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. يُظهر أن أهل السنة والجماعة هم الذين أثبتوا هذا العلو.
يتناول موضوع العرش في القرآن وعلاقته بالماء، حيث يشير إلى أن العرش كان على الماء قبل استواء الله عليه، ويطرح تساؤلا حول ما إذا كان الماء أساسا ثابتا للعرش أم أنه كان مرحلة معينة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، ألا زلنا إخواني في الله في الواسطية في مسألة الاستواء على العرش، ونظرا لطول مباحثها كان التأمل والنظر في بعض مسائلها، بدءا بمعنى ما معنى الاستواء. علمنا معنى الاستواء أولا في اللغة العربية، ثم نظرنا إلى معنى الاستواء عند السلف الصالح. في اللغة العربية على حسب التعدد والتعدية، وفي سلفنا عند سلفنا الصالح له أربعة معاني: على، وارتفع، وصعد، واستقر. وكان العرش كذلك على لفظة العرش، ما معنى في لغة العرب؟ وأشرنا إلى معاني العلماء من أئمة اللغة في كلمة العرش. ثم كان النظر في الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في مسألة الاستواء: الرحمن على العرش استوى، وما كان فيها من مسائل عدة أشرنا إليها. ثم ختاما كان النظر في صفات العرش، وذكرنا الكثير من صفاته كما جاء ذكره في القرآن والسنة: بأنه مجيد، بأنه عظيم، بأنه كريم، بأنه محمول، بأن له قوائم، وأشرنا إلى حملات العرش: هل هم ثمانية أجزاء أم ثمانية صفوف أم ثمانية أفراد من الملائكة؟ وأشرنا إلى هذه المسألة الخلافية بين العلماء. والعرش إخواني في الله خلق من خلق الله، لا يعلم بعظمته إلا الله، لا يعلم بعظمته إلا الله عز وجل. ومما يدلك على عظمة العرش ما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: عليه الصلاة والسلام «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام». مسيرة سبعمائة عام، هذا من شحمة الأذن إلى العاتق، تسير يا عبد الله سبعمائة سنة. فلا يمكن أحد أبدا أن يتخيل هذا في حق ملك واحد فقط، فكيف على قول جماعة وهو قول الجمهور: هم ثمانية ملائكة. فستستشعر يا عبد الله بعظمة العرش، فهو خلق من خلق الله عظيم جدا. ولهذا اختاره الله عز وجل لصفة الاستواء جل في علا. ولعل إخواني سيأتي بعض مسائل العرش، ومن ذلكم أن تعرف أن العرش هو سقف المخلوقات، ينتهي إليه كل المخلوقات، تصعد تصعد ينتهي الأمر إلى العرش. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن». فهذا يعبر عنه العلماء بأن العرش هو سقف المخلوقات؛ لأن الجنة في عليين، وإذا دخلت الجنة تجد أن الجنة مراتب ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، تتصاعد حتى تصل إلى الفردوس، الفردوس مرتبة عليا تكون في وسط الجنة وتكون أعلى الجنة، قمة الجنة، الفردوس، بعد ذلك العرش، والله فوق العرش جل في علاه. نأتي الآن إخواني في الله إلى مسألة مهمة، ألا وهي مسألة أقوال المخالفين الذين خالفوا أهل السنة، وكلهم خالفوا أهل السنة: من الأشاعر والجهمية والماتريدية والمعتزلة، خالفوا أهل السنة في مسألة وقضية الاستواء بأن الله استوى على عرشه، هم ما استطاعوا أن ينكروا صفة الاستواء؛ لأنها ثابتة من نص القرآن، فلهذا لجأوا إلى قضية التحريف والتأويل. وكان من أعظم ما جعلهم يخوضوا في مسألة التحريف والتأويل لصفة الاستواء عدة أمور، منها: قالوا أن العرش فيه إشارة أن الله بحاجة إليه. نقول: نعم، نحن معكم، من يفتري على الله ويقول بأن الله بحاجة إلى خلقه فقد كفر. فالذي يعتقده أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى مستغن عن ما سواه، أن الله جل وعلا مستغن عن ما سواه، مفتقر إليه كل من عداه. فنقول: بأن الله جل وعلا مستغن عن العرش، وأن العرش هو بحاجة إلى الله، وهذا هو اسم القيوم جل في علاه، من أسمائه العظيمة، من أسماء الله الأعظم: القيوم الذي يقوم على غيره، وغيره قائم عليه سبحانه، مفتقر إليه. فما يدند به المبتدع من أن الله عز وجل بإثبات العرش يكون بحاجة إليه، قل: هذا كذب، الله ليس بحاجة إلى العرش. فلهذا أهل السنة في تعبيرهم يقولون في صفة العرش: أن العرش لا يقله ولا يضله. كذلك مما أودى بالمبتدعة إلى قضية التأويل، قالوا: أن الاستواء على العرش يقتضي الملابسة. والرد على ذلك: أن هذا ليس يستلزم، ومشكلة المبتدعة أنهم يمثلون. فأهل السنة والجماعة يثبتون استواء الله من غير ملابسة بعرشه سبحانه وتعالى، بل هو استواء مع علو. كذلك مما قام به المبتدعة، قالوا: بأن الرحمن على العرش استوى أي أنه استوى على ملكه. فيقال لهم: أولا أين الدليل على أن العرش هنا بمعنى الملك؟ الأمر الثاني: صفة الاستواء على العرش جاءت في عدة مواضع، هل جاء في موطن واحد فقط ما يشعر بأن المقصود العرش هنا الملك؟ كذلك: أن العرش وصف بأوصاف لا يمكن أبدا أن تكون ملكا، بأن العرش له قوائم، هل ملك له قوائم؟ العرش من خلال أدلة الكتاب والسنة تدل على أنه أمر حقيقي، شيء حسي موجود. ومن تأويلات المبتدعة: من قال بأن العرش هنا بمعنى الفلك التاسع، وهذا كذب وافتراء. ومنهم من قال بأن العرش بمعنى الكرسي، وهذا ليس بصحيح، بل الاشتقاق اللغوي والمعنى العربي يختلف. فالمعنى العربي لكلمة العرش بمعنى سرير الملك، وأما الكرسي في معناها العربي بمعنى موضع القدمين. قال الجماعة من المبتدعة في مسألة الرحمن على العرش استوى: قالوا الرحمن على العرش استولى، فنفوا قضية الاستواء، بأن أولوا الاستواء بمعنى الاستيلاء. والرد على هذا الاستدلال: أولا لو قل لهم من القائل لقال لك الأخطل، والأخطل شاعر نصراني، أيستدل ببيت شاعر نصراني في تفسير صفة من صفات الله؟ الأمر الثاني: أن العلماء كذلك شككوا في نسبة هذا البيت للأخطل، بل يرون أن هذا البيت لا يعرف قائله. والدليل لا يعرف قائله: أن هذا البيت بحث له في ديوان الأخطل لم يعثر عليه. والأمر الثالث: أن هذا المعنى وهو أن الاستواء بمعنى الاستيلاء لا يعرف عند العرب، قال ابن الأعرابي رحمه الله: العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى. وذكر أبو المظفر رحمه الله تعالى في كتابه الإفصاح أن الخليل بن أحمد سئل: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب. كذلك أمر آخر: أن هذا البيت يحمل على ما هو، على فرض صحته والاستدلال به: استوى بشر على العراق، بأن استوى بشر على كرسي الحكم، استوى بشر على عرش الحكم وجلس. فكل له استواء يليق بحاله وقدره، وربنا له استواء يليق بجلاله. والرد الآخر في مسألة الاستواء أنه بمعنى الاستيلاء: أنه من فسر الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد أتى بمعنى فاسد، وهو أن الاستيلاء بمعنى القهر والغلبة، فلما تقول: بأن الرحمن استولى على العرش، بمعنى أن العرش ما كان بيد الله، بل بيد غيره، ثم إن الله قهر وغلب حتى تمكن من العرش، هذا معنى الاستيلاء على قولكم. وهذا قول باطل؛ لأنه يقتضي أن هناك منازع مع الله عز وجل. فالشاهد إخواني في الله: أن الرحمن على العرش استوى، من فسرها استولى واستدل بهذا البيت الشعري فقوله باطل، وهذه من أعظم حجج المؤولة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي، قال: وقوله تعالى: بل رفعه الله إليه، وقوله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، قال: وقوله تعالى: يا هامان ابني صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا، قال: وقوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخصف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير. هذه الآيات إخواني في الله كذلك تتكلم عن صفة العلو لله، لكن هنا العلو المطلق، وما مر معنا في استواء الله على العرش فهو علو خاص، علو على عرشه. وهذه الآيات التي بأيدينا والتي أتبعها المؤلف رحمه الله تعالى فهي تدل على علو الله العام سبحانه وتعالى. وعلو الله جل في علا ينقسم إلى قسمين: إلى علو معنوي، ويدخل في هذا العلو المعوي علو القدر وعلو القهر. ومعنى علو القدر: أي بأن الله جل وعلا عال في قدره، عال في أسمائه، عال في صفاته، كما قال سبحانه: وله المثل الأعلى. وهذا علو قدر. والعلو الثاني: علو القهر، بأن الله جل وعلا قهر جميع خلقه، فهو عال عليهم، يتصرف فيهم، كلهم تحت سلطانه، تحت قهره، تحت قضائه وقدره، وهو القاهر فوق عباده. والنوع الثاني من أنواع العلو: هو علو الذات، وأن الله بذاته قد على، فهو العالي على خلقه سبحانه. ومن صفة العلو: الاستواء على العرش، ففيها معنى العلو العام لله، علو الله بذاته. وهذا العلو إخواني في الله لم يقر به إلا أهل السنة. وهذا النوع من أنواع العلو إخواني في الله قد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. أما من دلت الكتاب والسنة: سيأتي معنا من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى. وحتى في السنة: قال العلماء: أنواع السنة الثلاثة: السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة التقريرية، دلت على علو الله، كل دلالات السنة القولية: صرح بقوله بأن الله في العلو: ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء. كذلكم العلو السنة الفعلية من فعله: ألا هل بلغت وأشار إلى السماء، اللهم فاشهد، فعله. وهكذا السنة التقريرية: أين الله؟ قال: الله في السماء، قال: اعتقها؛ أقرها نبينا؛ فإنها مؤمنة. السنة القولية والفعلية والتقريرية دلت على علو الله. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن أدلة العلو بلغت إلى ألف دليل، وأنها تدخل تحت عشرين جنسا، مثل: آيات الصعود تدل على علو الله، آيات النزول تدل على علو الله، آيات العروج تدل على علو الله. وهكذا ذكر قواعد، وكل هذه القواعد إذا جمعت: ألف دليل تدل على ماذا؟ على علو الله عز وجل. وهكذا الإجماع: قد قام الإجماع على أن الله جل وعلا عال، ونعني بالإجماع: أجمع أهل السنة، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وأبو عمر بن طلمنكي، وشيخ الإسلام بن تيمية، لا يعرف بين أهل السنة من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خلاف، فقام إجماع السلف على إثبات علو الله سبحانه وتعالى، لا يعرف بهذا مخالف حتى جاءت بعد ذلك الخلوف من المبتدعة. كذلك مسألة الفطرة: الفطرة دلت على علو الله، الناس مفطورون على علو الله، يعني: تجد أن الإنسان بل حتى الكافر إذا أصيب ببلية وعنده هم وأراد أن يخرج ما في نفسه وأراد أن يناجي خالقه، تجد أن الكافر مباشرة: يا الله، يرتفع بنفسه، فطرة ما حيص يكابر، ما حيص يقول: يا الله، هكذا يبحث يمين ويسار ما يستطيع، قلبه قد علق بالسماء. كذلك العقل: العقل إخواني في الله يدل على أن العلو صفة كمال، من أراد الكمال يصل إلى مرتبة العلو. ولهذا يقول القائل: من طلب العلا سهر الليالي، من طلب إيش الدنو؟ العلا يضر به المثال على ماذا؟ على المرتبة العالية العلية. ولا يزال الملوك والأمراء يطلبون العلو، ليس العلو المعنوي، بل حتى العلو الذاتي، في بناء القصور والكراسي والعروش تكون مرتفعة، ما أحد تجد ملك يعيش تحت في السرداب، الملك تحت؟ أبدا، بل كل يطلب ماذا؟ للعلو؛ لأن العلو صفة كمال، ما كان صفة نقص أبدا، ولله المثل الأعلى جل في علاه. فلهذا إخواني في الله علينا أن نعلم أن الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة، السنة القولية والفعلية والتقريرية، وإجماع سلف الأمة، والفطرة والعقل، كل ذلك يدل على علو الله سبحانه وتعالى. وما خرج عن ذلك إلا من طمس الله بصيرته، كما فعل ذلك بشر المريسي الخبيث، ذكر عنه أنه في أحد المجالس قال: وسمع أنه كان يدعو في سجوده: سبحان ربي الأسفل، سبحان ربي الأسفل، ما استطاع أن يقول أعلى؛ حتى لا يستدل بنفسه على نفسه. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم. وكان عرشه على الماء، إذ الجنة بين الماء، وكان عرشه على الماء، لكن هذه المسألة يذكر العلماء: نعم، لكن في قوله تعالى: وكان عرشه على الماء، هذه ما سيذكر العلماء أين كان العرش؟ أين كان العرش قبل الاستواء؟ في ذلك أن عرشه كان على الماء بهذه الآية: وكان عرشه على الماء، ثم استوى عليه الرحمن، ثم تأتي مسألة: لما كان العرش على الماء، هل كان الله مستوى عليه أم لا؟ قد ذكرنا هذه المسألة: كيف كان الله قبل العرش؟ هل مستوى أم لا؟ أكن العرش كان يذكرون بنص القرآن: وكان عرشه على الماء، في ذلك يذكرون هذا الأصل: أن العرش سقف المخلوقات، والله فوق العرش، لكن موضوع الماء: هل الماء هو ثابت العرش أم أن هذه فترة؟ إنما كان قبل استواء الله. والله أعلم.