الدرس في شرح كتاب التوحيد 292، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على حماية التوحيد وسد طرق الشرك، وذلك بمنع الشرك والبدع والمعاصي. حماية التوحيد تكون بمنع الأسباب والوسائل المؤدية للشرك.
يجب على الداعي معرفة الغايات النبيلة التي أمر الله بها والوسائل المفضية إليها. العلماء يمتلكون معرفة تمكنهم من التعرف على الفتن والتحذير منها.
هناك فروق دقيقة بين بابي حماية جناب التوحيد وحماية التوحيد في كتاب التوحيد. النبي صلى الله عليه وسلم كان له نظرة بعيدة في حماية التوحيد.
المقطع الختامي يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الخضوع لله والتسليم بقدرته.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، حمى التوحيد وسده طرق الشرك. بواب المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب، وهي من الأبواب المهمة، بل والمهمة جدا، في أن يولي لها كل مسلم ومسلمة دراية ومعرفة. فقال: باب، أي هذا مدخل لمعرفة مسائل هذا الباب، باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم، حمى التوحيد وسده طرق الشرك. معنى هذا الباب أولا: باب ما جاء في حماية النبي، الحماية هو أن تجعل للشيء حام يحميه، فيمنع من الاقتراب منه، وهذا هو الأصل في الحماية، حماية الأشخاص، حماية الأماكن، حماية الأراضي، أن تجعل عليها ما يمنع من اقتراب الغير منها. فقال: باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم، أي هذه الحماية وضعها رسول الله، قال: في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، حمى التوحيد أي الذي يحيط به، فنبينا صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وحماية التوحيد، كما قال العلماء، يكون بعدة صور: أن التوحيد يحمى إما من شرك يبطله، أو من بدعة تقدح فيه، أو من معصية تنقصه. فالتوحيد يحمى من هذه الأشياء، إما من شرك يبطله، يخرج صاحبه ويعريه عن توحيده، أو من بدعة تقترفها يا عبد الله، فيكون من مؤدى هذه البدعة النقصان للكمال، أو أنك تحمي توحيدك يا عبد الله من المعاصي، وهذا بحر لا ساحل له من الكبائر والمبيقات والعظائم، فإن هذا من آثارها على التوحيد، أنها تنقص من قيمة التوحيد في قلبك يا عبد الله. فنبينا صلى الله عليه وسلم جعل للتوحيد حما يحميه من هذه الأمور السالفة الذكر، فقال: باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حما التوحيد وسده طرق الشرك. النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفي بجعل حماية، وإنما أضاف إلى ذلك أنه سد الطرق، الطريق الموصل من طرق الشرك، هذه الطرق كذلك أغلقها عليه الصلاة والسلام. أحيانا إنسان يحمي الشيء ويجعل الأبواب مفتحة، لكن حماية وسد الطرق، فما من طريق توصل إلى الضرر بالتوحيد من طرق الشرك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصدها، سواء كان من الشرك الأكبر، من الشرك الأصغر، من أسبابه، من صوره، من الأقوال والأفعال والاعتقادات والأحوال. فقد اعتنى نبينا صلى الله عليه وسلم عناية عظيمة لهذا المقصد التوحيد، وبهذا تعلم يا عبد الله ما ينبغي على العبد المسلم إزاء توحيده لربه، أنه يحميه قدر الإمكان، بل ولو أن تموت عليه حتى تلقى الله موحدا، تعبد الله لا شريك له سبحانه وتعالى. هذا الباب إخواني في الله استفاد منه العلماء، مع ما ذكرنا من فوائد، من عناية الإنسان بتوحيد الله جل وعلا، فيه فائدة الأولى: ما ينبغي على الداعي إلى الله، ومعه مع من كان من المصلحين، من كان من الخيرين، من أراد الإصلاح، مهما كان حجمه، ومهما كانت رتبته، الذي عليهم في هذا الباب استفادة وفائدة، على أن الإنسان لا يكن همه فقط الإنكار على المنكر، بل كذلك الإنكار على الوسائل المفضية إليه. تجد أن من الناس من لربما يكرس جهده على الحضر والمنع لهذا المحرم، هذا تشكر عليه، وهذا لا بد من التحذير منه، لكن لا تكتفي بهذا، بل احرص يا عبد الله على أنك كما أنك تحذر من هذا الذي حرم الله عز وجل علينا، كذلك تحرم كل وسيلة تؤدي إلى هذا المحرم، وهذا ما يسميه العلماء بسد الذرائع. بل ذكر أهل العلم أن هذه القاعدة، قاعدة سد الذرائع، جاء في حقها أكثر من مئة دليل، فهو مطلب شرعي، وحسبك أن تعلم ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿ولا تتبع خطوات الشيطان﴾. الشيطان عندما ينقلك ينقلك إلى أمر يغضب الرب عز وجل، لا تجده أنه في طرفة عين يجعلك على فاحشة، يجعلك على كفر وشرك وردة، لا بل يتخذ معك خطوات، هذه الخطوات ينبغي على الدعاة أن يتفقهوا فيها، بحيث يسدوا الأبواب على الناس. وهكذا في قول ربنا عز وجل: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾، إشارة إلى ماذا؟ إلى أن الوقوع في الزنا يكون عن قرب أشياء هي التي تجنيك إلى هذه الفاحشة، فأمرك ربك لا أن لا تزني، ولا تقرب الزنا، أي لا تأتي بالأمور الموصلة إلى هذه الفاحشة. فاستفاد العلماء من هذا التبويب من المؤلف رحمه الله تعالى، ومن عموم الأدلة، على أن الداعي إلى الله، من كان من المصلحين، أنه يتفطن، لا يكرس جهده فقط على التحذير من المحرم الذي حرم لذاته، بل كذلك يحرم الوسائل المفضية إليه. الفائدة الثانية من هذا الباب، فيه ما على العبد المعرفة التامة للغاية، الغاية التي أنت أمرت بها، أمرك الله عز وجل بتحقيق غايات نبيلة من أعمال واعتقادات وأقوال وأفعال، هذه الغايات ينبغي أن تتعرف عليها حق المعرفة، لأنه على قدر معرفتك بهذه الغاية، ستتنبه للوسائل المفضية إليه. ولهذا القاعدة الشهيرة قال الفقهاء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فالإنسان مثلا إذا علم التوحيد حق المعرفة، حينها سيتنبه للوسائل التي تضاد التوحيد، إما مبادئ مقابلة تصده وترده، أو نقصان أو إحباط وهكذا. قول الشرك ينبغي للمسلم أن يتعرف على الشرك حق المعرفة، حتى تعرف ما هي الوسائل التي تغذي الشرك، هذا يحتاج إلى معرفة، ومن هنا افترق العلماء عن غيرهم من عامة الناس، كما يحصل في أيام الفتن. قال حسن البصري رحمه الله تعالى، واصفا أهل العلم في أيام الفتن: أن الفتن إذا هبت، ما عرفها إلا العلماء فقط، وإذا أدبرت، علمها كل الناس. الناس ما يتفطن للفتن إذا أقبلت، لكن من الذي يتفطن لها؟ العلماء، من أين؟ بما آتاهم الله من علم، يعلم أن هذه الفتنة وتلك الفتنة، أن من ورائها شر، وأن ستغذي المجتمعات ببلاء عظيم. فلهذا يصيحون بالناس: احذروها، انتبهوا، إياكم وإياها، هذه الفتنة لا تدخلوا فيها، لا تشاركوا، لا تخرجوا. وحتى أن الناس يندهشوا: ليس أمالها أولاد، يحرمون على الناس إيش في هذه الأشياء؟ هذه الأشياء فيها غايات نراها حميدة، العلماء ينظرون بما آتاهم الله من معرفة للغايات الموجودة، وراء الوسائل التي تغذيها سلبا وإيجابا. مثاله الربا، من كان متمكنا في باب البيوع، قد علم مؤدى هذا الباب، يعلم حينها الحكم على هذه المعاملات التي تجري بين الناس، كثيرة جدا معاملات، فتجد أن من أهل العلم من يمنع من هذا، ويمنع من هذا، ويمنع من هذه المعاملة، لماذا؟ يقول: هذه المعاملة حيلة على الربا، حيلة على الربا. من أين علم أن حيلة على الربا؟ لقوة معرفة بالربا، ومعرفة بهذه الغاية التي حرمها ربنا، تفطن العالم للوسائل المفضية للربا، قال: هذه حيلة على الربا، لا يجوز. لكن الذي ما تفطن، وما تعلم، لربما يسأل عن هذه المسألة، وعن هذه المعاملة: جائزة، جائزة، أنت راضي، وهو راضي، وتم التبايع، راضي، افعل ما في شيء، يجوز، يجوز. وما يدريك أنك أدخلت على الناس شرا؟ من أين جاء هذا الشر؟ لأنه أولا ما تفطن لحقيقة الغاية. ولهذا قال العلماء هنا: حماية التوحيد، من أين يأتي؟ يأتي حماية التوحيد إذا كنت ملما بالتوحيد، ستعلم حينها أي شيء ضاده، ستمنع. وأيضا ستطرق الشرق، من أين سيأتيك؟ إذا كنت عالما بالشرك حق المعرفة، ستتفطن لوسائله وطرقه، فتقطعها، فتمنع الناس عنها. الفائدة الثالثة مستفادة من هذا التبويب، باب ما جاء في حماية النبي حمى التوحيد، فيه عدم التساهل، عدم التساهل لأي وسيلة تفضي إلى الشرك، أي وسيلة فيها طريق، وإن كانت هي في حقها ليست بشرك في حد ذاتها، هي ليست بشرك، لكنها مفضية إلى الشرك، موصلة إلى الشرك، ذريعة إلى الشرك، هذه الوسائل ما ينبغي أن تتهاون بها، بحجة أن تقل: ما وصلنا إلى الشرك يا عبد الله. وهل أنت تنتظر حتى أن تصل إلى الشرك؟ سد هذا الباب. والأدلة التي ذكرها المؤلف في أوائل رسالته إلى الآن، كلها تدور على هذا الباب، باب ما جاء في كذا، باب ما جاء في كذا، كل ذلك التمهيد في منع الناس من اقتراف أشياء توصلهم إلى الشرك. ما عليه الناس من التساهل، مثلا أحيانا تقام زيارات شركية، زيارات شركية تشد لها الرحال، ويستغاث ويستنجد بغير الله، ويطلب المدد من غير الله، فتجد أن في آمن من الناس من يلحق بالركب، تقول: يا عباد الله ما يجوز، شرك، كفر. قالوا: يا أخي أنا ما نذهب، نحن بعقولنا، ما نعتقد بالأموات، ولا نعتقد بالأضرحة، حاشا وكلا، ربنا المعبود جل في علاه، لكن نذهب نتفرج، نتفرج، نشوف الخلق، ونشوف الأمة، وبعض يقول: البيع والشراء، أنا عندي كذا، وأنا عندي بضائع، أنا عندي كذا، تمرر، وأنا عندي حلوة، وأنا عندي كيك، والله أموال تبذل. هل هذا يجوز؟ ما يجوز، لأنك ستكثر السواد، ولو لم تكن على نيتهم، هذا التساهل، وما يدريك أنك تأتي إلى هنالك وأنت بهذه العقيدة، ثم ترى ما ترى، فيدخلك الفتنة إلى داخل قلبك، فيقع في قلبك الشك والريب. كذلك مثال آخر: من يتابع القنوات، سواء من كان يتابع قنوات السحر مثلا، هناك قنوات سحرية، والسحر كفر، كفر، فبعض الناس لربما إذا معه هذا الريموت، ويفتش، فإذا بقناة سحر، أعمال سحرية، وتحدي بين السحرة، فينظر، يقول: يا عبد الله ما يجوز، كفر. يقول: يا أخي أنا أشوف، أشوف هذا العالم، وألا أنا ما أستكون ساحرا، ولو فكرت أن أكون ساحرا، ولو يا عبد الله، هذا لا يجوز، كما قال علماء، لأنك لربما تصدق الساحر، فمن صدق الساحر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، الأمر ليس بالسهل. أو ذاك الذي يتابع بعض القنوات الرافضية، فإذا بقناة الزهراء، أو قناة كذا وكذا، ويرى ذاك المعمم وهو يتباكى، أو تلك الجموع وهي تتباكى على مقتل الحسين، أو ينادون بقضايا المسلمين، فينبهر، فيتابع، تتابع من؟ روافض. يقول: يا أخي هؤلاء والله كلامهم طيب، يثير الحماس في زمن غاب من يشعر الحماس في قلوبنا، يقول: ولو تشعر الحماس اليوم، وبعد قد يسبون أبا بكر وعمر في خطابهم، كيف ستفعل؟ ستعيش في متناقضات، إما هم، وإما الصحابة. وقد صار حتى وجدنا الآن، والله وجدنا الآن، لا أقول من العامة، بل الأسف ممن ربما يرى نفسه أنه يمتطي الصحوة، وها هو يصفق لإيران وطهران، لأنها وقفت بجانبه، وأين الصحابة؟ وأين مقام الصحبة؟ لا شيء، يتلاشى. هذا إخواني في التساهل، التساهل في وسائل الشرك، وهكذا إخواني في الله، كم وكم نحدث من هذه التساهلات التي نراها عند كثير من الناس، يتساهلون في وسائل الشرك، والمسلم يقطع دابر هذه الوسائل، لا يكتفي إليها أبدا، حماية لتوحيد الله الذي في قلبه، وما كان من تعظيم الله في جانب صدره، وأيضا يمنع نفسه من الدخول في الشرك، شعر بهذا أو لم يشعر. مسألة أختم بها المقام إخواني في الله، وهي لربما تشكل على بعض الدارسين والمتابعين لكتاب التوحيد، هذا الباب الذي سمعتموه، وهو باب ما جاء في حماية التوحيد، أو في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك، هذا الباب يشكل معنى في باب قد مضى معنى، وهو قول المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. واضح هذا الباب الذي سمعتموه قد مضى معنى، والآن المؤلف يأتي بهذا الباب، قد يقول: قال أليس هذا تكرار؟ تأمل الباب الأول، قال: باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وهذا الباب: باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حماية التوحيد وسده طرق الشرك، أليس هو هو؟ نعم، هذا أشكل عند بعض الدارسين، هل هذا تكرار؟ الجواب: ليس بتكرار، لأن المؤلف كتب ونسخ، ويعلم هذا الباب، ويعلم بهذا الباب، إذا ما الذي أراد؟ إذا هناك فروق، ما الفرق بين الباب، اقتصارا الباب الأول عبر عنه المؤلف: باب ما جاء في حماية جناب التوحيد، وهذا الباب: باب ما جاء في حماية حماية توحيد، عندي جناب، وعندي حما، إذا اللفظين اختلف، واختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فما الفرق بينهما؟ قال علماء: جناب التوحيد، جانب الشيء هو المناصق به، مثل هذا المسجد، هذا جوانبه، جدرانه، محيط به، فنبي صلى الله عليه وسلم حما جانب التوحيد الذي هو من أجزائه. وأما هذا الباب: حما التوحيد، الحما هو الأمر الواسع الخارجي، مثل الضاحية، الضاحية التي تدور حول المسجد، فعند جوانب المسجد، وعند حما المسجد، فالحما هو الشيء الواسع الذي يحيط به، كما في الحديث: «يوشك أن يرتع حول الحمى، الذي موضع قريب منه». فهذا الباب أوسع من الباب السابق، وهذا فيه إشارة إلى عموم تحذيره عليه الصلاة والسلام، وأنه كان له نظرة بعيدة جدا في حماية التوحيد، هذا الفارق الأول في كلمة جانب، وفي كلمة التوحيد، هذا من حيث التبويب. الفارق الثاني من حيث المضمون، فمضمون الباب الأول الذي مضى معنا آنفا، تجد أن المؤلف تتبع الأفعال المفضية إلى الشرك، وذريعة للشرك، وهذا الباب كما سيأتي معنا، إنما اقتصر المؤلف على تتبع الأقوال والألفاظ، فهذا هو الفارق الثاني. فعند اختلاف في المبنى، واختلاف في المضمون، وقد أشار إلى هذين الفارقين سماحة الشيخ العلامة بن باز رحمه الله رحمة الأبرار. إذن إخواني في الله، فهذه مقدمة لهذا الباب، وسيأتي معنا تحت هذا الباب الأحاديث والآثار والأخبار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام، في التحذير من الألفاظ والعبارات والأقوال التي فيها ماذا؟ الطعن في مقام التوحيد، والإيصال إلى باب الشرك. نسأل مولى جل وعلى أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.