المسارعة إلى الخيرات

الخطبة بعنوان المسارعة إلى الخيرات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٩ ذو القعدة ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

علامات الإيمان الصادق: محبة الله ورسوله والصبر عند الابتلاء

يستعرض الخطيب علامات الإيمان الحقيقي مستدلاً بالقرآن والسنة، موضحاً أن الإيمان ليس بالتمني بل ما وقر في القلب وصدقه العمل. ويذكر ثلاث علامات رئيسية: محبة الله ورسوله فوق كل شيء، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس والأهل والمال، والصبر عند الابتلاء والمحن الذي يميز المؤمن الصادق من الكاذب.

أوصاف المؤمنين الحقيقيين وأسباب زيادة الإيمان

يبيّن المقطع صفات المؤمنين كحب الصحابة والأنصار، والفرح بالطاعة والحزن على المعصية، وحسن الخلق مع الجيران والأرحام، وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله. كما يسرد أسباباً لزيادة الإيمان منها تدبر القرآن، حضور مجالس العلم، الجهاد في سبيل الله، الإكثار من النوافل، والدعاء الدائم بتجديد الإيمان.

الصلاة على النبي ﷺ وختام الدرس

يختم المتحدث كلامه بالصلاة والتسليم والتبرك على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وتعد هذه الصلاة ختاماً مباركاً للدرس وتذكيراً بفضل النبي الكريم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن ربنا سبحانه وتعالى أمرنا أيها المؤمنون أن نحقق الإيمان به سبحانه وتعالى، فقال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ولكنه ليس الإيمان عباد الله بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل. إنه كل واحد يستطيع أن يقول: أنا مؤمن، أو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولقد قال أقوام ذلك فكذبهم الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. أيها المؤمنون عباد الله، إن للإيمان الصادق علامات ذكرها ربنا عز وجل في كتابه، ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، بها يُعرف مدى إيمان العبد، يُعرف أهو صادق في إيمانه أم كاذب. فمن تلك العلامات أيها المؤمنون عباد الله: محبة الله سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». فمعنى محبة الله عز وجل أن تؤثر طاعته على هواك وعلى كل ما تشتهيه، وهكذا أن تقدم طاعته على طاعة كل أحد، أن تمتثل أمره وأن تنتهي عن نهيه. وهكذا من علامات الإيمان الصادق: محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك باتباع سنته والاقتداء بهديه، وهكذا الدفاع والنفاح عن سنته وإيثارها على كل شيء. قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وقدما الوالد والولد لأنهما من أحب الناس إلى العبد، فلا يؤمن أحدكم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحب إليه على كل محبوب، على المال والأهل والولد وعلى كل أحد. جاء عند الإمام البخاري من حديث عبد الله بن هشام رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يا عمر، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال عمر بعد ذلك: «يا رسول الله والله لأنت الآن أحب إلي من نفسي»، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الآن يا عمر، الآن يا عمر». فاحذر يا عبد الله أن تقدم هواك وأن تقدم شهواتك على طاعة نبيك عليه الصلاة والسلام، فهذا هو الميزان في إيمان العبد وقوته. وهكذا عباد الله من علاماته، من علامات الإيمان الصادقة: الصبر عند الإبتلاء وعند نزول المصائب والمحن. قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فعند الإبتلاء تظهر معادن الرجال، فيعرف المؤمن من الكاذب. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. فمن نزل به بلاء فصبر فهذا دليل على قوة إيمانه، وهذه علامة على صحة يقينه وإيمانه. وهكذا عباد الله من علامات الإيمان الصادقة: محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «آية الإيمان محبة الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». أي الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومحبة الصحابة بالترضي عليهم وبذكر فضائلهم ومناقبهم وبمعرفة قدرهم وبعدم الخوض في أعراضهم. فقبح الله الروافض الذين يطعنون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذه علامة ودلالة على نفاقهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا عباد الله من علامات الإيمان الصادق: أن صاحب ذلك الإيمان يسر بفعل الطاعات ويستاء بفعل المعاصي والمنكرات. أخرج الطبراني من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سرته حسناته وساءته سيئاته فهو مؤمن، فهو مؤمن». فانظر إلى نفسك يا عبد الله، هل ينشرح صدرك لعمل الطاعات والقربات، وهل يضيق صدرك بفعل المعاصي والمنكرات؟ فهذه علامة وميزان يوزن به مدى إيمان العبد. أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده المؤمنين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المؤمنون عباد الله، ومن علامات الإيمان الصادق: محبة الخير لإخوانك المؤمنين. أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». أي لا يقوى ولا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أي من الخير. فإذا وجدت نفسك مقداما لنفع إخوانك المسلمين، سواء أكان النفع الديني وهو أعظم وأجل، أو النفع الدنيوي، فهذا دليل على قوة إيمانك وعلى علوه في قلبك. وهكذا من علامات الإيمان الصادقة: التخلق بالأخلاق الفاضلة مع جيرانك، مع أرحامك، مع إخوانك المؤمنين. جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قالوا: من ذاك يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» أي شروره وغوائله. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». هذه أعمال جليلة: أن يسلم الناس من لسانك، أن يسلم الناس من شرورك، أن تعامل الخلق معاملة حسنة. فمن فاقك في الأخلاق فقد فاقك في الإيمان، فقد فاقك في الإيمان. فحسن الخلق دليل على قوة إيمان صاحبه. وهكذا أيها المسلمون عباد الله، من علامات زيادة الإيمان: حب الأعمال الصالحة والإنشراح بها، فهذا دليل على إيمانك ودليل على حياتك السعيدة الطيبة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أيها المؤمنون عباد الله، ومن علامات الإيمان الصادقة ما ذكر الله عز وجل من كثير من الأعمال الصالحة في كتابه، وبين أنها من أسباب قوة الإيمان. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا * لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. أولئك هم المؤمنون حقا، أولئك هم المؤمنون حقا. انظر إلى هذه الأعمال التي أثبت الله عز وجل لأصحابها حق الإيمان. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي خافت ووجلت من الله سبحانه وتعالى خوفا منه وتعظيما له عز وجل. نعم، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، أي أنهم أصحاب اعتماد على الله عز وجل وحده، لا يعتمدون على غير الله ولا يتعلقون بغير الله، قد علقوا قلوبهم بالله عز وجل وحده، فهم الذين يتخذون الأسباب الشرعية ويعلقون قلوبهم بالله ولا ينظرون إلى نتائجها. وهكذا الذين يقيمون الصلاة، لا يؤدونها دون إقامة لها، وإنما يقيمون الصلاة أي بشروطها وأركانها، وهكذا يصلونها كما أمرهم ربهم بها. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، أي ينفقون من أموالهم ولا يبخلون بها. فهذه الصفات دليل على قوة إيمان أصحابها. وهكذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. علامة على صدق إيمان العبد أن يؤمن بالله إيمانا جازما لا يخالطه شيء من الريب، وإنما هو إيمان جازم، ثم جاهد بنفسه وجاهد بماله، جاهد بنفسه جهاد السيف والسنان إن تيسر له ذلك، أو جهاد الحجة والبيان وذلك في كل وقت، ثم كذلك جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ثم أثبت الله عز وجل لهم صدق الإيمان فقال: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. أيها المؤمنون عباد الله، إنه لمن المؤسف المبكي أن ترى كثيرا منا يعتني ويتفقد لأمور دنياه، يتفقد بيته ويتفقد سيارته: هل تحتاج إلى زيت، إلى تغيير زيت، هل تحتاج إلى إصلاح؟ يتفقد بيته: هل يحتاج إلى إعمار، هل يحتاج إلى ترميم وإصلاح؟ يتفقد ماله: هل يحتاج إلى عمل زائد، هل فيه نقص، هل نقص من ماله كثير أم قليل، كيف رصيده في الصراف، وإلى غير ذلك. يتفقد ملبسه، يتفقد هيئته. ولكن من منا من يتفقد إيمانه؟ من يعتني بأمر زيادة إيمانه؟ أيها المسلمون عباد الله، إننا بحاجة ماسة إلى أن نتتبع الأسباب التي بها يقوى إيماننا ويزداد. ومن أعظم هذه الأسباب عباد الله: تدبر كتاب الله عز وجل، كما سمعت في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، أي إذا يتلى عليهم كتاب الله كان سببا في زيادة إيمانهم. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. فانتبه لنفسك يا عبد الله، واحذر أن تهجر كتاب الله وأن لا تقرأه إلا في رمضان أو في أوقات قليلة. اجعل لنفسك وردا يوميا تجلس فيه مع كتاب الله سبحانه وتعالى تقرأه بتدبر. هذا القرآن فيه شفاء لقلبك من مرضي الغفلة، من مرضي القسوة، من مرضي كذلك ضعف الإيمان. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا من أسباب زيادة الإيمان: أن تتبع مواضع نزول السكينة، فإن نزول السكينة سبب لزيادة الإيمان، ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾. ومواضع نزول السكينة: حضور مجالس العلم والذكر، كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». وهكذا من مواطن نزول السكينة: الجهاد في سبيل الله، ﴿وَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. وهكذا عباد الله من أسباب زيادة الإيمان، من أسباب زيادة الإيمان: كثرة الطاعات والقربات، فإن من معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. فأيها المسلم الكريم، احرص على كثرة الطاعات من عمل الواجبات، وهكذا الإكثار من النوافل والمستحبات. إن استطعت يا عبد الله أن تصوم شيئا من الأيام التي حث النبي عليه الصلاة والسلام على صيامها فافعل. إن استطعت أن تصوم الاثنين أو الخميس أو ثلاثة أيام من كل شهر، فهذه الأعمال لا تستهين بها، فهي سبب لصلاح قلبك وهي سبب لزيادة إيمانك. إن استطعت أن يكون لك حظ من صلاة الضحى فافعل. أيها المسلم، إن استطعت أن تقوم من الليل فتصلي ما كتب الله لك فاحرص على ذلك، ثم انظر إلى زيادة إيمانك. وهكذا من أسباب زيادة الإيمان: أن تتوجه إلى الله وتدعوه أن يثبتك وأن يزيد إيمانك. فقد أخرج الحاكم في مستدركه ويحسنه العلامة الألباني من حديث عبد الله بن عمر بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم». فأكثر من الدعاء والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا أعظم ما يعتنى به أيها المسلمون، وأعظم ما يتفقد، ألا وهو أمر الإيمان، أمر الإيمان وزيادته. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإيمان وأن يميتنا على ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفق ولي أمرنا إلى كل خير، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تعينه على الخير وتدله عليه يا قوي يا عزيز. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.