الدرس في قراءة في فتاوى العلامة العثيمين في الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يرى الشيخ العثيمين أن توحيد مطالع الهلال غير ممكن فلكيًا ويخالف الأدلة الشرعية. الوحدة الحقيقية للأمة تكمن في اتباع كتاب الله وسنة رسوله.
اختلف أهل العلم في وجوب صيام من لم ير الهلال إذا ثبتت رؤيته في بلد آخر. آراء العلماء تتراوح بين اعتبار الرؤية ملزمة للجميع أو خاصة بكل بلد.
إذا لم يستطع المسلمون رؤية الهلال بأنفسهم، فيمكنهم الصيام مع أقرب بلاد إسلامية إليهم إذا ثبت لديهم أنهم صاموا، وكذلك يفطرون معهم.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، بعد فقد سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- السؤال: هناك من ينادي بربط المطالع كلها بمطالع مكة، حرصًا على وحدة الأمة في دخول شهر رمضان المبارك وغيره، فما رأي فضيلتكم؟ أجاب -رحمه الله تعالى- بقوله: هذا من الناحية الفلكية مستحيل؛ لأن مطالع الهلال -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تختلف باتفاق أهل المعرفة بهذا العلم. وإذا كانت تختلف، فإن مقتضى الدليل الأثر والنظر أن يجعل لكل بلد حكمه. أما الدليل الأثر، فقال الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، فإذا قدر أن أناسًا في أقصى الأرض ما شهدوا الشهر -أي الهلال- وأهل مكة شهدوا الهلال، فكيف يتوجه الخطاب في هذه الآية إلى من لم يشهدوا الشهر؟ وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، متفق عليه. فإذا رآه أهل مكة مثلًا، فكيف نلزم أهل باكستان ومن وراءهم من الشرقيين بأن يصوموا، مع أننا نعلم أن الهلال لم يطلع في أفقهم؟ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم علق ذلك بالرؤية. أما الدليل النظري، فهو القياس الصحيح الذي لا تمكن معارضته. فنحن نعلم أن الفجر يطلع في الجهة الشرقية من الأرض قبل الجهة الغربية، فإذا طلع الفجر على الجهة الشرقية، فهل يلزمنا أن نمسك -ونحن في ليل-؟ الجواب: لا. وإذا غربت الشمس في الجهة الشرقية، ولكننا نحن في النهار، فهل يلزمنا أن نفطر؟ الجواب: لا. إذن الهلال كالشمس تمامًا؛ فالهلال توقيته توقيت شهري، والشمس توقيتها توقيت يومي. والذي قال: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، هو الذي قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. فمقتضى الدليل الأثر والنظر أن نجعل لكل مكان حكمًا خاصًا به فيما يتعلق بالصوم والفطر، ويربط ذلك بالعلامة الحسية التي جعلها الله في كتابه، وجعلها نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته، ألا وهي شهود القمر، وشهود الشمس أو الفجر. خلاصة هذا الجواب أن لكل بلاد مطلعهم؛ فالمطالع تختلف، فبعض الناس ربما يقول: لماذا لا تصوم أمة الإسلام جميعًا، يكون صومهم في يوم واحد، وإذا أفطروا وعيدوا كذلك في يوم واحد؟ فهذا فيه وحدة الأمة، صاموا في يوم واحد وأفطروا في يوم واحد. نقول: وحدة الأمة الحقيقة تكون في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه سلف الأمة، هذه الوحدة الحقيقية، وحدة العقيدة، وحدة المنهج. لكن تجد هؤلاء الذين يقولون: نريد الوحدة للأمة في مثل هذا الأمر، لا ينادون بوحدة عقيدة الأمة وبوحدة منهج الأمة. فالذي هو حقًا يجب أن تتحد به الأمة، وهو اتحاد العقيدة والوحدة في العقيدة والمنهج، تجد الكثيرين لا ينادون بذلك، ويردون هذا الاتحاد. مع أن هذا الأمر لا يمكن؛ المطالع تختلف كما قال -رحمه الله تعالى-، فيستحيل أن يرى كل أهل الأرض الهلال. هل يمكن أن يرى كل من في الأرض هلال رمضان؟ الجواب: لا. فهناك من البلاد ربما لا يمكن أن يروا الهلال لغيم أو غيره، لسحاب أو غيره. والشرع قد أمر في الصوم برؤية الهلال؛ فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومعنى ذلك أن من لم يره ومن لم يشاهده لا يصوم. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صوموا لرؤيته -أي لرؤية الهلال- وأفطروا لرؤيته -أي لرؤية الهلال-». فكيف يصوم من لم ير الهلال، من كان في المغرب أو من كان بعيدًا؟ إذا هذا الأمر متعلق برؤية الهلال، والبلاد تختلف مطالعهم، ولذلك يكون الحكم على رؤية الهلال. وهذا الأمر ليس هو مما يعني فيه الاختلاف؛ فقد كان هذا في عهد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-، فابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أخبر أن أهل الشام قد صاموا، وأهل المدينة لم يصوموا؛ لأن أهل الشام رأوا الهلال، وأهل المدينة لم يشاهدوا الهلال، وهذا في عهد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-، فعلم أن هذا أمر متقرر. ثم سئل -رحمه الله تعالى- سؤالًا آخر يشبه هذا السؤال، حيث سئل: إذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين، فهل يلزم المسلمين جميعًا في كل الدول الصيام؟ وكيف يصوم المسلمون في بعض بلاد الكفار التي ليس فيها رؤية شرعية؟ فأجاب فضيلته -رحمه الله- بقوله: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ أي إذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين، وثبتت رؤيته شرعًا، فهل يلزم بقية المسلمين أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية؟ فمن أهل العلم من قال: إنه يلزمهم أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا». قالوا: والخطاب عام لجميع المسلمين، ومن المعلوم أنه لا يراد به رؤية كل إنسان بنفسه؛ لأن هذا متعذر، وإنما المراد بذلك إذا رآه من يثبت رؤيته دخول الشهر، وهذا عام في كل مكان. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه إذا اختلفت المطالع، فلكل مكان رؤيته. وإذا لم تختلف المطالع، فإنه يجب على من لم يروه إذا ثبتت رؤيته بمكان وافقهم في المطالع أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية. واستدل هؤلاء بنفس ما استدل به الأولون؛ فقالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، ومن المعلوم أنه لا يراد بذلك رؤية كل إنسان بمفرده، فيعمل به في المكان الذي رؤي فيه، وفي كل مكان يوافقهم في مطالع الهلال. أما من لا يوافقهم في مطالع الهلال، فإنه لم يره لا حقيقة ولا حكمًا. قالوا: وكذلك نقول في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا»، فإن من كان في مكان لا يوافق مكان الرائي في مطالع الهلال، لن يكن رآه لا حقيقة ولا حكمًا. قالوا: التوقيت الشهري كالتوقيت اليومي؛ فكما أن البلاد تختلف في الإمساك والإفطار اليومي، فكذلك يجب أن تختلف في الإمساك والإفطار الشهري. ومن المعلوم أن الاختلاف اليومي له أثره باتفاق المسلمين؛ فمن كانوا في الشرق، فإنهم يمسكون قبل من كانوا في المغرب، ويفطرون قبلهم أيضًا. فإذا حكمنا باختلاف المطالع في التوقيت اليومي، فإن مثله تمامًا في التوقيت الشهري. ولا يمكن أن يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿فالآن باشرن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم»، لا يمكن لأحد أن يقول: إن هذا عام لجميع المسلمين في كل الأقطار. وكذلك نقول في عموم قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا». وهذا القول -كما ترى- له قوته بمقتضى اللفظ والنظر الصحيح والقياس الصحيح أيضًا؛ قياس التوقيت الشهري على التوقيت اليومي. وذهب بعض العلم إلى أن الأمر معلق بولي الأمر في هذه المسألة؛ فما ترى وجوب الصوم أو الفطر مستندًا بذلك إلى مستند شرعي، فإنه يعمل بمقتضاه؛ لأنه يختلف الناس ويتفرقوا تحت ولاية واحدة. واستدل لهؤلاء بعموم حديث: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس». وذكر -رحمه الله تعالى- أن خلاصة الجواب على هذا السؤال: أن المطالع تختلف، لذلك لكل بلاد رؤيتها، وأنه إذا ثبت الهلال عند أحد، فإنه لا يلزم كل المسلمين أن يصوموا؛ لأن الأمر معلق برؤية الهلال. وهذه المسألة خلافية اختلف فيها أهل العلم؛ فمنهم من رأى أنه إذا ظهر الهلال في أي بلد من بلاد أهل الإسلام، فإنه يلزم كل بلاد أهل الإسلام أن يصوموا. ومنهم من يقول: لا، وإنما الأمر متعلق برؤية الهلال، وهذا الذي تدل عليه الأدلة، وهو القول الراجح في هذه المسألة. وذكر قولًا آخر: وهو أن الأمر يرجع إلى ولي الأمر؛ فإذا رأى أن يصوم، صام وأمر بلاده بالصيام ما دام أن الهلال قد رؤي في بعض بلاد أهل الإسلام. وذكر -رحمه الله تعالى- كذلك أن الذين تتفق مطالعهم متقاربة؛ فإذا رؤي الهلال في بعض البلاد التي تتفق مطالعها مع البلاد الأخرى، فإنهم يصومون؛ لأن مطالعهم متقاربة. وذكر -رحمه الله تعالى- النصوص الواردة في الشرع الدالة على أن الأمر متعلق برؤية الهلال. وأجاب عن الشق الثاني من السؤال، وهو كيف يصوم المسلمون في بلاد الكفار التي ليس بها رؤية شرعية؟ فبين -رحمه الله تعالى- أنهم إذا أمكنهم أن يتراءوا الهلال بأنفسهم، وإلا فإنهم يصومون على أقرب بلاد إسلامية إليهم؛ إذا علموا أنهم قد صاموا، صاموا بصومهم وبنفس اليوم الذي صاموه، وهكذا يفطرون معهم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.