المحاضرة بعنوان يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا، وكانت بمسجد السنة بالحامي الجمعة 29 صفر 1434هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
نعمة الأبناء هبة عظيمة من الله، ويجب الحفاظ عليها بتربيتهم تربية صالحة. الإحسان في تربية الأبناء يعود بالخير على الأهل في الدنيا والآخرة.
الأنبياء والصالحون كانوا يهتمون بالدعاء للذرية الصالحة، ويتعلم منهم أهمية تعليم الأبناء العقيدة والآداب منذ الصغر. أمثلة من القرآن والسنة تبين هذا الاهتمام.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بتربية الأبناء وتعليمهم، ويشدد على تعليم الصلاة وضربهم عليها عند العاشرة. كما أوصى باختيار أسماء حسنة وتجنب السيئة.
التربية والتعليم منذ الصغر أمران ضروريان، وقد كان الصحابة يهتمون بذلك. إهمال الأبناء دون توجيه ورعاية أمر مذموم ويجب تجنبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فأجد الله خيرا إلى خوينا الفاضلين محمدا ورشيرا على ما نصح به وتكلم به من هذه النصائح والتوجيهات الغالية، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل المقال في نزال حسناتهم. كما سمعتم في كلمة أخينا الفاضل أبي النعم بشير المليثي حفظه الله، أهمية هذا الموضوع، وهو موضوع لقاية الله والأبناء نارا جهنم، انتثالا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قووا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾. فأمر الذرية وأمر الاهتمام بها والأبناء والأهل أمر عظيم، حتى عليه شرعنا، فالذرية والأهل نعمة وهبة عظيمة من الله سبحانه وتعالى الكريم الوهاب. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ويجعل من يشاء عقيمة﴾. فمن وهبه الله جل وعلا الإناث فذلك من نعمة الله جل وعلا عليه، ومن وهبه الذكور فذلك من نعمة الله جل وعلا عليه، ومن جعله عقيمة فذلك قدره سبحانه وتعالى. والاعتراض عليه، فالله سبحانه وتعالى أرحم بعباده من أنفسهم، ويعلم ما يصلحهم جل وعلا، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ ولذلك كتب عن نبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «أولادكم هبة من الله، هم وأموالهم لكم إذا احتجتم لها». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وثبت عن نبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين أنه قال: «هما ريحانتاي من الدنيا». فالأبناء والأهل والذرية زينة زينة الحياة الدنيا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾. فهي زينة ويهبة ومنة عظيمة من الوهاب الملك سبحانه وتعالى. ومما يدل على عظم هذه النعمة أن الله جل وعلا أقسم بها، وقسمه جل وعلا بها يدل على عظيم ذلك المقسم به. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد﴾. أقسم الله جل وعلا بقوله: «وما ولد»، فدل على عظيم هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى. ولذلك إذا استغلت هذه النعمة وحافظ عليها كان له الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى. فالأبناء إن لم يكونوا نعمة كانوا نقمة، الأبناء والذرية والأهل إن لم يكونوا نعمة استغلها الإنسان بطاعة الله إلا كانوا نقمة. كما سمعتم في كلمة أخينا الفاضل بشير حفظه الله، كيف يرفع الرجل الدرجات والمنازل العالية في الجنة بسبب استغفار ولده له. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام فيما ينفع به الإنسان بعد موته، حتى بريقة الصحيح: «صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وهكذا يرفع الرجل درجات ويرفع يوم القيامة، وذلك بأخذ ولده القرآن. وهكذا كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام عن قرة العين أن رجلا كان يحضر مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ولده، وكان يحبه حبا شديدا، فمات ذلك الولد، فعلم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال له: «لعلك تحبه؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «فلعلك حزنت عليه؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «أما يسرك أنك إذا أتيت إلى الجنة وجدته على أحد أبوابها؟» والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فإذا حرص الإنسان على هذه النعمة انتفع منها في الدنيا والآخرة. فالصالحون يلحق بهم ذرياتهم الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان، فيلحق الأبناء الصالحون بآبائهم، وهكذا الآباء الصالحون بأبنائهم الذين سبقوهم. فلذلك يحسن العرض على الاهتمام بهذه النعمة والحفاظ عليها، وإلا كانت نقمة عليه والعياذ بالله. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. صاحب القلب السليم هو الذي ينتفع، لأنه حرص على ماله بأن جعله بطاعة الله، وحرص على أبنائه فاستغل نعمة الله جل وعلا عليه، سخر هذه النعمة في طاعة الله، وأدى الواجب والحق الذي أوجبه الله جل وعلا عليه تجاه أبنائه. ولذلك الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه الكريم عن هذه النعمة العظيمة في سياق الامتنان. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا﴾. وهكذا في دعاء نوح عليه السلام لقومه، ذكر ضمن ما دعا به نعم الله جل وعلا على عباده. قال جل وعلا على لسان نوح: ﴿وقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويؤتككم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. فالله سبحانه وتعالى يذكر هذا ممتنا بذلك، أي بهذه النعمة على عباده، فهي نعمة عظيمة وهبة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، إذا استغلت لطاعة الله جل وعلا، وإذا أدى الحق الواجب العبد عليه بهذه النعم، وإلا فكانت نقمة والعياذ بالله. ولذلك ربنا عز وجل في كتابه الكريم أمر بالحفاظ على هذه النعمة وعلى هذه الذرية، وأوصى بها جل وعلا. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾. فهي وصية من الله جل وعلا لعباده بالاهتمام بالأولاد، ومن ذلك العدل بينهم. ولذلك جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، حيث أخبر أن أباه قد نحله نحلة، فلم يعط إخوانه مثلما نحله، فذهب، فقالت أمه: والله لا تفعل حتى تذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فأتى النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبره، فقال له عليه الصلاة والسلام: «هل نحلت أولادك مثل ما نحلت لنعمان؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني على جور». وجاء في لفظ: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم»، كررها ثلاثا عليه الصلاة والسلام، اهتماما بهذا المقام. فالأولاد أمانة، والذرية أمانة، والله جل وعلا اعتمد عليها. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. وقد سمعتم حديث عبد الله بن عمر في «الصحيح»، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وجاءت الرواية عنه: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة». فهذا وعيد شديد في حق من فرط وقصر في تربيته لأبنائه وذريته وأهله. ولذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أمرنا، كما تقدم، بأن نقي أنفسنا ونقي أهلنا من عذابه سبحانه وتعالى. وإذا تأملنا في كتاب الله جل وعلا، نجد الآيات الكثيرة التي فيها اهتمام الأنبياء بأبنائهم وذرياتهم، وهذا اهتمام الصالحين. فمن ذلك ما ذكر ربنا جل وعلا عن نوح عليه السلام، كيف حرص على ابنه أن يكون من المهتدين وأن يكون معهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾. حرص عليه السلام على هداية ابنه وإرشاد ابنه إلى الخير. وهكذا زكريا عليه السلام، قال جل وعلا في كتابه الكريم عنه عليه السلام: ﴿ربي لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين﴾. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجا. وهكذا إبراهيم الخليل عليه السلام، كم الدعوات التي ذكرها ربنا عز وجل عنه في كتابه الكريم، اهتماما منه عليه السلام بذرية حين بناء البيت، دعا بدعواته المباركات، كان لها الأثر العظيم. قال جل وعلا: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾. فكانت الذرية الصالحة للخليل إبراهيم عليه السلام، التي منها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أنه «دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ورؤيا أمي». فكانت تلك الدعوات المباركة من الخليل إبراهيم عليه السلام كان منها هذه الآثار العظيمة. وهذا حين ترك ذريته عند بيت الله المحرم، دعا بدعوات مباركات طيبات. قال جل وعلا: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾. دعا بدعوات، ومنها: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء﴾. دعا لذرية بأن يجعلهم الله جل وعلا من المصليين، من المقيمين للصلاة، المؤدين لفرائض الله سبحانه وتعالى. وآخر كما سمعتم في وصيته العظيمة لأبنائه، وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: «يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنا إلا وأنتم مسلمون». كان إبراهيم الخليل عليه السلام يتعاهد أبناءه، يتعاهد بنيه بعد أن تركوا في ذلك المكان، عاد بعد الوقت وقد مات إسماعيل، فعاد فلم يجد إلا زوجة إسماعيل، فسألها عن حالهم وعن شأنهم. فاشتكت حتى أوصى وقال لها كلاما معناه أراد من ابنه أن يطلقها، فعاد مرة أخرى فطلقها إسماعيل، وتزوج بأخرى من جرهم. ثم عاد إبراهيم بعد ذلك مرة أخرى، وجد زوجته، زوجة إسماعيل، وإذا زوج إسماعيل، وسألها عن حالهم، فأثنت خيرا. فقال لها: «إذا جاء إبراهيم فأخبريه وقولي له: إذا جاء إسماعيل فقول له: أثبت عتبة بابك». فأراد أن يمسك هذه المرأة. فلما جاء إسماعيل أخبرته، فقال: «ذاك أبي وأمرني أن أثبت عتبة بابي». أظن كيف كان يتعاهد مرة أخرى، جاء وجد إسماعيل يبري نبلا، فاحتضنه. فعل ما يفعل الأب بابنه، يقطع المسافات الطويلة، ما كانت عندهم المواصلات المتوفرة مثل اليوم، مع هذا يشد الرحال إلى الوصول إلى ذريته، ويتحمل ويتجشم المصاعب بعظمتها، للمقام وعظيم هذه المسؤولية. وهذا يعقوب، علم الله جل وعلا، ذكر في كتابه الكريم وصيته لأبنائه. قال جل وعلا: ﴿كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾. فكان أنبياء الله على هذا الحرص العظيم في دعائهم ربهم جل وعلا بالذرية الصالحة، وحفظ هذه الذرية، وإعانة على القيام بحقوقها وأدائها. وهكذا كان الصالحون، وهكذا كان الصالحون والتابعون لأنبياء الله جل وعلا. وقد سمعتم وصايا لقمان تلك الوصايا العظيمة لابنه. وهكذا من دعاء عباد الرحمن الصالحين في كتاب الله جل وعلا، من ضمن أدعيتهم الدعاء بالذرية الصالحة. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾. يدعون الله جل وعلا عباد الله، عباد الرحمن، بأن يرزقهم الله سبحانه وتعالى الذرية الصالحة. وهذا رجل صالح، قال عنه جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضى وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين﴾. دعا الله جل وعلا بأن يصلح له في ذريته. وهذا من الاهتمام العظيم من هؤلاء الصالحين. امرأة عمران، هذه المرأة الصالحة، دعت تلك الأدعية المباركة، حثت على حصول الذرية الصالحة المباركة، فكان لدعائها عظيم الأثر في ذريتها. كما قال جل وعلا عنها: ﴿فلما وضعتها قالت ربي إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر مثل الأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾. استعاذت بالله جل وعلا أن يؤمن لابنتها ولذرية من الشيطان الرجيم. فما أثر هذا الدعاء المبارك؟ كان أثر هذا الدعاء المبارك مريم ابنة عمران، مريم ابنة عمران التي ولدت عيسى عليه السلام. حتى من النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه «ما من مولود إلا ومسه الشيطان إلا عيسى وأمه». ما من مولود إلا ومسه الشيطان إلا عيسى وأمه. سبحان الله، بركة ذلك الدعاء وأثر ذلك الدعاء، استعاذ الله لابنتها ولذرية من الشيطان الرجيم، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الذرية أعاذها الله سبحانه وتعالى من مس الشيطان. فهذه الدعوات المباركة من الأنبياء ومن الصالحين، تدل على عظيم اهتمامهم بهذا المقام العظيم. وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد اهتم بهذا المقام اهتماما عظيما. قد سمعتم في كلمة أخينا الفاضل البشير حفظه الله، شيئا كثيرا من هذا. في قوله عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». وهكذا ذكر ما فعل مع الحسن والحسين. وهكذا أيضا ما جاء في حديث عمر بن سلمة، لما كان غلاما صغيرا، وكانت تطيش يده في الصحفة. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». يعلمه الآداب. وسمعتم الحديث العظيم الذي فيه الوصايا العظيمة النبي عليه السلام لابن عباس، وهي وصايا للأمة: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». وصايا عظيمة. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يهتم بأمر الشبيبة، بأمر الأبناء، منذ نعومة أظفارهم، حتى تغرس فيهم العقيدة المباركة، ويعلمون أن النفع والضر إنما هو بيد الله جل وعلا، ليس لأحد، وليس بيد غيره سبحانه وتعالى. وذلك من حفظه عليه الصلاة والسلام، بل من اهتمامه العظيم عليه الصلاة والسلام بأمر الأبناء، أنه كان يحنيهم وهم صغار، يأتي الصحابة بأبنائهم وهم صغار، فيحنيهم عليه الصلاة والسلام بالتمر، وكان يسميهم عليه الصلاة والسلام بالأسماء الطيبة، بالأسماء الطيبة. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يكلم آبائهم بأكبر أبنائهم، فقد جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن رجلا كان يكنى بأبي الحكم، يطلقون عليه أبو الحكم، فأخبرهم أن يسألوه عن سبب ذلك، فقالوا: إذا اختلفنا في شيء أتينا إليه فحكم بيننا، فرضينا بما قال. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم». ثم سأله عن أكبر أبنائه، قال: شريح. فقال: «أنت أبو شريح». ينظر اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام حتى بأمر التكني، راعاه عليه الصلاة والسلام، لأن بعض الناس ربما يجعل يزهد بابنه الصغير مثلا، فيأخذ الكبير في نفسه، الكبير مثلا اسمه عبد الرحمن مثلا، والصغير مثلا اسمه زيد، فيقال له: أبو زيد. طيب عبد الرحمن يقول: أنا ما لي؟ ليش أبو زيد مثلا؟ أنا الكبير. انظر اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام حتى في أمر التكني، هذا الأمر الذي ربما يعده بعض الناس لا يعدون له هذا، لكن باهتمامه الشديد، وحرصه عليه الصلاة والسلام بهذا المقام، أنه كان يراعي حتى مثل هذهه الأمهات. وهكذا كان يمازح الصبيان، وذلك من تربيتهم وتنشئتهم. تعلمون ما فعل عليه الصلاة والسلام مع عمير أخ لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وضاح كان له طائر يقال لهم: مغيض، فمات عليه، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا أبا عمير، ما فعل المغيض؟ يا أبا عمير، ما فعل المغيض؟ و «صحابي آخر، محمود بن الربيع رضي الله تعالى عنه، قال: ذكرت مقدة مقدة في رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنا صغير». فكان عليه الصلاة والسلام مع تربيته الناشئة وتعليم الأبناء، كان يمازحهم ويرضبهم ويتألفهم، وكل ذلك من الاهتمام منه عليه الصلاة والسلام. لم يغفل مع أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمر الأمة على عاتقه، ومع هذا كان عليه الصلاة والسلام يفعل مثل هذا. وتعلمون ما قال أنس: «شهادة بالنبي عليه الصلاة والسلام، أنه لم يسمع منه يوما لوما لشيء لم يفعله، ولم يفعل كذا، ولشيء فعلته: لما فعلت كذا؟». فكان عليه الصلاة والسلام غاية في الاهتمام لهذا المقام العظيم. ولذلك، لأنه النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا». فلذلك علينا عباد الله أن نهتم بأمر أبنائنا وبأمر ذرياتنا، وخاصة في هذه الأزمان، وخاصة في هذا الزمن. لأنه قد كثرت الفتن والعياذ بالله، تلونت وتنوعت، وعداء الإسلام قد غزا أمة الإسلام من الشرق والغرب والشمال والجنوب، غزوهم عبر وسائل الإعلام، غزوهم عبر ما يبثون، غزوهم غزوا عظيما، وتكالبوا عليهم. فصار واجبا الاهتمام بهذا الأمر أوكد وأوجب، لحفظ أبنائنا ولحفظ ذرياتنا، لأنها مسؤولية سنسأل عنها يوم القيامة. وعلى الآباء أن يعتنوا بأمر أبنائهم ابتداء، لأن الأمر يبدأ بالتدريج، لا يمكن أن تريد ابنا صالحا جاهدا، هذا لا يمكن. لابد من أن تجتهد وتسعى، فتحرص من بداية أمر هذا الولد على الأخذ بأسباب تنشئة هذا الولد النشأة الصالحة. وذلك الشرع بين هذا، وما أغفل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فمن ذلك: ما إذا أتى الرجل أهله، أرشد النبي عليه الصلاة والسلام. كما جاء في «الصحيح»، عن ابن عباس، قال عليه الصلاة والسلام: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا». هذا الدعاء يا عبد الله، وحرص على هذا الدعاء، وأن تأتي أهلك، هذا لو أذنر على الأبناء، وهذا الشيء من الحقوق لهؤلاء الأبناء، بما فيه لعانة عليه، وهو دعاء يسير، ما فيه مشقة. بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، كلمات يسيرة، لكن لها الأثر الكبير. كم من الناس ربما من قصرهم بمثل هذا الأمر، وفرط، ثم بعد ذلك يشكو من أبنائه؟ فسبحان الله، لعلك قصرت يا عبد الله في شيء من الأمور التي حثك عليها الشرع. كذلك بعد ذلك إذا ولد هذا الغلام، سواء الابن أو البنت، تعلم ما حثك عليه الشرع، أمر العقيقة، من الناس من يغفل عن هذا الأمر، ربما يعانون من شقاوة أبنائهم والمشاكل منهم، وهذا سبب التقصير. فمن الناس من يقصر في هذا الأمر، وهو مستطيع. لكن صلى الله عليه وسلم يغفل عن هذا، فلا يعق عن ابنه ولا عن ابنته. فأمر العقيقة مهم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مولود مرتهن بعقيقته». فالعقيقة لها شأن عظيم. كذلك يحفظ الآباء على تسمية الأبناء، التسمية الطيبة. قد يقول: شأن عظيم، قد يقول: شأن عظيم، وما دخل التسمية في صلاح الابن أو الذرية؟ يقول: لا يا عبد الله، لها أثر، الاسم له أثر على الابن. فأنت اختر لأبنائك الأسماء الطيبة، الأسماء الحسنة، التعبيد لله جل وعلا، عبد الله، عبد الرحمن، عبد العزيز، كثير، الأسماء الحسنة كثيرة جدا، أسماء الله جل وعلا الحسنة، اختر منها، واسمي ابنك بأحد هذه الأسماء. بالتعبيد بأحد هذه لله، بإضافتها لهذه الأسماء، وهي كثيرة جدا، لا تسم ابنك بعبد الشيخ أو بعبد النبي أو بعبد كذا أو بعبد فلان، سبحان الله، كل هذه الأسماء أسماء الله جل وعلا، لا تعد ولا تحصى، ومنها تسعة وتسعون، من أخصاها دخرها الجنة. وتذهب وتسمي عبد الشيخ أو عبد فلان أو عبد سبحان الله، هذا لو أذنر على الابن. وهذه الأسماء السيئة، بعض الأسماء هي أسماء الكفرة، أنا أعرف مثلا بعض الأسماء من البنات مثلا: أنديرا، أين خديجة؟ أين فاطمة؟ أين رقية؟ أين أم كلثوم؟ أين فاطمة؟ أين جويرية؟ أين أم حبيبة؟ أين أسماء؟ أين عائشة؟ أنديرا؟ وآه برلنتي، وأسماء الله المستعاذ، أين هي؟ أسماء نساء المؤمنات، العفيفات، وبعض يسمي يعني الله المستعاذ مثلا: فلادمير أو غير ذلك، الله المستعاذ، لا يا عبد الله، احرص على اختيار الاسم الحسن، اختيار الاسم الحسن لأبنائك. تعاد عن أسماء التي تدل على الحزن أو تدل على الشدة، تدل على الكفر. فلا أد النبي عليه الصلاة والسلام أرشد بعض الصحابة إلى تغيير اسم رجل كان اسمه حزنا، فقال: «هذا اسمي». فقال: «ما زالت الحزن فينا». سبحان الله. وقد أشار مقامه تعالى إلى هذا الأمر، وهو أن أمر التسمية له أثر، فاستدل ببعض مثلا عندما غير بعض الأسماء، غير النبي عليه الصلاة والسلام رجلا، وقال له: «عبد الحجر». قال له: «أنت عبد الله». وهكذا غير «أصبع» إلى غيره. فكان حريصا عليه الصلاة والسلام مما يدل على الاهتمام بهذا الأمر، حتى أنه ينظر عليه الصلاة والسلام في الأسماء، فإذا وجد الاسم فيه شيء مما له الأثر السيء، كان عليه الصلاة والسلام يغير هذا الاسم. والناس اليوم عجال في أسماءهم، في أسماء أبنائهم، نسأل الله العافية والسلام. كذلك كذلك يحث الإنسان على تعليم أبنائه الصلاة لسبع، وضرب الأبناء عليها لعشر، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قد ضرب أروع الأمثلة في اهتمامهم بتربية أبنائهم، عند الطعام، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: «علقوا السوط»، يعني يجعل السوط معلقا، هذا الصوت، وهذا السوط، يجعل له حملا، هذا أدب الأبناء. يرون السوط لا يحتاج معلق، السوط معلق، هذا أدب. يقول ابن عباس: «فلا تأسف أن على الأولاد انضربوا، الضرب ينفع، الضرب مع العلم، ماهو ضرب بلا علم، بعض الناس ما يعرف إلا يضرب، بعض الناس ما يعرف إلا يضرب، أما العلم ما يعرف، يعرف الضرب فقط». نقول: لا، يضرب وعلم، يضرب وعلم، والضرب غير المبرح، ماهو يضرب ابنك ضرب المبرح، يضربه في وجه، يكسر رأس، لا، الضرب غير المبرح. لكن ما هو ضرب فقط، بعض الآباء يظن يرد بأبنائه من يوم يدخل وهو يرفع صوته، والعصى، طبعا هنا العلم. الأبناء ما يدرون لماذا يضربون، لهم ما عندهم، المخالفة ما يدرون، جهلة، ما عندك إلا العصى، بين لهم لماذا العصى، لماذا ضربته؟ فالعلم مع الضرب، ورحم الله القائد: «لا تعنف الأولاد وانضربوا». فالضرب يبرى ويبقى العلم والأدب. فالضرب يبرى يعني يذهب ويشفى منه، ويبقى العلم والأدب. قال بعد ذلك رحمه الله تعالى: «لولا الإخافة ما خطوا ولا كتبوا». يعني لولا العلم والضرب ما خطوا ما كتبوا ولا تعلموا، لكن العلم مع الضرب مع التأديب الشرعي، تجمع بين العلم والتأديب الشرعي. فذلك يقول ابن عباس: «علموا الصبيان فإنه أدب لأهل البيت». وتعلمون ما جاء في «الصحيح» عن ربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها، ما يفعلون، ما يفعل الصحابة مع صبيانهم، يصلونهم، قالوا: «كنا نلقي لهم اللعب من العهن من القطن، نلهيهم بها حتى يصوموا». يعلمونهم الصيام. بل أعظم من هذا حتى الحج، هذا السائب بن يزيد رحمه الله تعالى قال: «حج بي أبي وأنا ابن سبع سنين». حج مع أهله وهو عمره سبع سنين، كما جاء في «الصحيح». هذا يدل على ماذا؟ يدل على اهتمام الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وتعلم حديث المرأة التي لقيت أبا أسامة، لقيته في ذلك الركب بالروحاء، فقال: «من القوم؟» قالت: «المسلمون». كما في «الصحيحين». قالت: «فرفعت امرأة صبيا لها، رفعت امرأة صبيا لها، قالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟» قال: «نعم، ولك أجر». سبحان الله، هل يتحمل صبيا معها؟ ما هي على طائرة ولا هي على سيارة، المواصلات كانت صعبة، ما هي موجودة، ومعها تحمل صبيا، تتحمل حمل هذا الصبي، تريد الأجر والثواب رضي الله تعالى عز وجل، تريد الخير لهذا الولد، فيتربى على الأخلاق الفاضلة. وهذا من حرصهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ذكروا عن السلف في رحلاتهم في طلب العلم، منهم من يخرج في طلب العلم عشرين سنة، ومنهم من يرحل في طلب العلم عشرا، ومنهم، وذكروا عن بعض السلف أنه اصطحب معه أبناءه. سبحان الله، معه أبناءه، هذه فترة طويلة، فالبعض كان يعوّدهم على المشي، يقول: «امشي، امشي، امشي»، يعوّدهم المشي، كيف يمشي؟ وكيف يتحمل المشي؟ وكل هذا من التربية، ومن اهتمام السلف الصالح، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في اهتمامهم بتربية الناشئة. ولذلك عباد الله علينا أن نهتم بأمر أبنائنا، فكما سمعت في كلمة أخينا بشير حفظه الله، أن ننظر من يصاحبون، من يصاحبون، نسألهم، نبحث، ونسأل من يصاحبون، مع من يجلسون؟ وهل صلوا؟ وإلا لا؟ بعض الناس ما شاء الله: «تغديت؟ فطرت؟ تعشيت؟ يا ابني، فطرت؟ يا ابني، تغديت؟ يا ابني، تعشيت؟ يا ابني»، بس أكل. سبحان الله، وإيه صليت؟ من أين أتيت؟ أسأل الله لا يعبّر. لا تظن أن تعبت وكدت وكدحت في توفير الطعام والشراب لهم، فأخلت نفسك من المسؤولية، لا، يعبّر الله، هم بحاجة إلى تعليم الدين والآداب، أشد من هذا أكثر من حاجة هم بحاجة. لكن انعكست الموازين، يضمن الناس أن أمر الأبناء أن تجعل الثلاجة ما شاء الله فيها من أنواع الفواكه، وفي البيت من أنواع الأرز، وفيها من أنواع، فلا: «ايش خلاص؟ ما علي ايش تريدون؟ كل شيء عندكم على شيء غارر، ما أخلت عليكم شيء غارر، خلاص ايش تريدون؟». سبحان الله، يريدون حنانك، يريدون توجيهاتك، يريدون تربية منك، يريدون التعليم، ما هو الأمر: «آكل وكذا؟». فلذلك احرص يا عبد الله على سؤال أبنائك في مدخلهم وفي مخرجهم، ومع من، وماذا يفعلون؟ فإن المرأة على دين خليله، قال عليه الصلاة والسلام: «فليختر أحدكم من يخالل في الدنيا مثل جلس الصالح، وجلس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». كما في «الصحيحين». فليختر يا عبد الله، احرص على أبنائك، انتبه، كن حريصا، لا تكن ديوثا، لا تكن ديوثا يا عبد الله، تقر الخبث في أهلك. فهناك من الناس، نصر الله العالم، يأتون بالشر إلى بيوتهم، بدلا من أن يعلموا الأبناء الخير، ويجلبوا لهم الخير. قصروا في هذا، ويا ليتهم قصروا في الخير فقط، لا، قصروا في الخير وأدخلوا الشر، فهم لا يعلمون أبناءهم، ولا يحرصون على تربية أبنائهم، ويرعونهم، تركوهم هكذا لا، بل أدخلوا في بيوتهم الوسائل الهدامة والعياذ بالله، فأفسدوا البنات وأفسدوا البنين. وكم نسمع من حولنا، نص الله العافية، يأخذها الأولاد الصغار مما يشاهدون، مما يشاهدون، سمعنا والله أشياء يعني ما يسر إنسان حتى أن ينفرها، تجد الأخ مع أخته الصغيرة، ما عليهم شيء من الثياب، ويفعلون ما يفعلون، الله المستعان. من أين هذا؟ أوه، في الشاشة، وكذبات، فيها شيء مما