الدرس في شرح فتح المجيد 14، ألقاها
يتناول أهمية العدل في الإسلام وتفسير الآيات القرآنية التي تؤكد على ضرورة العدل. يشدد على أهمية استفراغ الوسع في تحصيل الصواب.
يفسر الآية الكريمة ويبين أن الصراط المستقيم هو دين الإسلام ويحذر من اتباع السبل الأخرى التي تفرق عن سبيل الله.
ينبغي على المسلم إخلاص العبادة لله وحده واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم دون غيره، وقد أوصى النبي باتباع كتاب الله وسنته.
يذكر أن العلماء يرجحون رأي عمر بن الخطاب على رأي ابن عباس في قضية معينة مع الإشارة إلى تفوق عمر في تلك القضية.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: قوله ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن كثير: يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، أي: من اجتهد بأداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده، فلا حرج عليه. قال رحمه الله تعالى: قوله ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، هذا أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد. قال الحنف: المراد بالحنف هو الطريق المستقيم. قال رحمه الله تعالى: العدل في القول في حق الولي والعدو، ولا يتغير في الرضا والغضب، بل يكون على الحق، وإن كان ذا قربى، فلا يميل إلى الحبيب والقريب. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، أي: أن على الإنسان إذا حكم أن يستفرغ وسعه في تحصيل الصواب، وأن لا يكون في حكمه مجاملة لقريب ولا للبعيد. قوله رحمه الله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾، قال ابن جرير: وبعهد الله الذي وصاكم به فأوفوا، وانقادوا لذلك بأن تطيعوا فيما أمركم به ونهاكم عنه، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك هو الوفاء بعهد الله. قال رحمه الله تعالى: قوله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، قال القرطبي: هذه آية عظيمة، عطفها على ما تقدم، فإنه لما نهى وأمر، حذر عن اتباع غير سبيله. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾، أي: أمرهم الله عز وجل بعد ما أمرهم بما أمر ونهاهم عما نهى، قال لهم ربنا عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. قال رحمه الله تعالى: الصراط الطريق الذي هو دين الإسلام، مستقيما نصب على الحال، ومعنى مستويا قويما لا اعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وشرعه ونهايته الجنة. قال رحمه الله تعالى: وتشعبت من هذا الطريق طرق، فمن سلك الجادة نجى، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، أي: تميل بكم عن سبيله. قال رحمه الله تعالى: وعن مجاهد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، قال: البدع والشبهات. رواه ابن جرير رحمه الله تعالى. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه، ولا طريق إليه سواه. بل الطرق كلها مسدودة على الخلائق إلا طريقه الذي نصبه على ألسنة رسله. قال رحمه الله تعالى: وهو إفراده بالعبودية، وإفراد رسوله بالطاعة. فلا يشرك به أحدا في عبوديته، ولا يشرك برسوله صلى الله عليه وسلم أحدا في طاعته. فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول. قال رحمه الله تعالى: وقال سهل بن عبد الله: عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قريب زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه. قال المصنف رحمه الله تعالى: قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُوا مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾. قال رحمه الله تعالى: وهذا الأثر رواه الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني بنحوه، وهو كما قال: إسناده حسن أو صحيح. قال رحمه الله تعالى: وسبب هذا القول - والله أعلم - ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه، لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تختلفوا بعده. قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلب عليه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه. قال رحمه الله تعالى: وقد ذكر العلماء أن الصواب في هذه القضية مع عمر بن الخطاب، فإنه كان أعلم بكثير من ابن عباس رضي الله عنهما. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.