الدرس في كتاب النكاح والطلاق 7، ألقاها
الصداق هو المال الذي يجب على الزوج دفعه لزوجته بسبب عقد النكاح، وهو مشروع بالأدلة الشرعية. يجب على الزوج دفعه بمجرد تمام العقد.
لا حد لأقل أو أكثر صداق، وكل ما صح أن يكون ثمنًا أو أجرة صح أن يكون صداقًا. المهر يثبت للمرأة بمجرد العقد، وإذا سمى مهرًا ولم يدخل بها تستحق نصفه.
يتناول المقطع أحكام الصداق في الإسلام، ويشير إلى حكمة مشروعية الصداق وأهمية تسميته في عقد الزواج. المهر سواء كان معجلًا أو مؤجلًا جائز ما دام هناك عرف يتعارف عليه الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب، وما زلنا نتكلم على أحكام النكاح، الباب الثاني في الصداق وحقوق الزواج وواجباته، ووليمة العرس، وهذا الباب فيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف الصداق ومشروعيته وحكمه. تعريف الصداق لغةً: مأخوذ من الصدق، خلاف الكذب، وشرعًا: هو المال الذي وجب على الزوج دفعه لزوجته بسبب عقد النكاح. لأن عقد النكاح، كما مر معنا، من العقود التي يحصل بها حل المرأة للرجل، ويحصل به انتفاع كلا الزوجين بالآخر، فهذا العقد رتب عليه الشرع هذا الأمر، وهو دفع مقابل ذلك العقد لاستحلال تلك المتعة التي يتمتع بها الرجل من المرأة. وسمي صداقًا؛ لإشعاره بصدق رغبة باذله في النكاح، ويسمى أيضًا المهر، والنحلة، والعقر. ولهم أسماء أخرى ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى. فأشهد أن الصداق هو المال المبذول من الزوج للزوجة بسبب عقد النكاح. مشروعيته: الأصل في مشروعية الصداق الكتاب والسنّة والإجماع، كما سيأتي بيان في الكلام على حكم الصداق. وحكم الصداق: يجب على الزوج دفع المال بمجرد تمام العقد، ولا يجوز إسقاطه. بمعنى أن الرجل إذا عقد على امرأة وسمى لها مهرًا، فهذا العقد يلزم ذلك الزوج بدفع ذلك المال الذي اتفق عليه، وليس له إسقاطه بحال من تلقاء نفسه، بل إن طابت المرأة بشيء منه نفسًا فلا بأس. أما أن الزوج يتحيل على إسقاطه أو يسقطه رأسًا، فهذا لا يجوز؛ لأنها حقوق وجبَت عليه، فيجب عليه أداؤها إلى تلك المرأة التي نكحها. ودل على هذا قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فسماها الله تبارك وتعالى فريضة. بل ذهب جماعة من أهل العلم إلى شرطيته؛ ذهب طائفة كبيرة من أهل العلم إلى ذلك، قال: وهو الفارق بين النكاح وغيره؛ لأنه ليس للمرأة أن تَهب بضعها ونفسها إلى رجلين من غير مقابل؛ لأن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يشركه أحد سواه. فلابد إذن من مهر، سواء كان ذلك الصداق مسمى أو لم يكن ذلك الصداق مسمى. فمثل هذا تسمى فيه المرأة مفوضة؛ باعتبار أنها فوضت المهر، لم تتكلم ولم تعين المهر. والمرأة المفوضة إن دخل بها الزوج، وجب لها مهر المثل. فلها مهر المثل ما جاء في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: «فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها». فإن طلقها قبل أن يدخل بها، فعليه المتاع؛ عليه أن يمتع المرأة. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. فالحاصل أن الرجل إذا سمى مهرًا ولم يدخل بالمرأة، فإنها تستحق النصف. فإن لم يسم لها مهرًا، فعليه المتاع؛ أن يمتع المرأة بما تيسر. وهذا يختلف باختلاف حال الرجل: إيسارًا وإعسارًا. فالموسع له قدر في التمتيع، والمقتر له كذلك قدر في التمتيع، وكل بحسبه. لأن الصداق يثبت للمرأة بمجرد العقد، مجرد أن يعقد الرجل على المرأة، فإن المهر يثبت للمرأة. هذا إن سمى، فإن قبضت أو أقبضها ذلك المهر، فهو لها، ويترتب عليه آثاره من حيث النماء أو ما يحصل فيه من إفساد أو هلاك. ويثبت المهر للمرأة إما بالعقد، وإما بالدخول بها، وإما بموت الزوج أو الزوجة؛ إن مات الزوج، يثبت للمرأة الصداق ولو لم يدخل بها. كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنهما حينما جاء قوم من أشجع يتحاكمون إلى عبد الله بن مسعود في امرأة مات عنها زوجها لم يسم لها مهرًا ولم يدخل بها، فقال: «لها مثل مهر نسائها، وعليها العدة، ولها الميراث». فقال أحد الصحابة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحكم في بروع من تواشق بمثل حكمك. ودل هذا على ما تقدم ذكره من أن الرجل إذا تزوج امرأة وسمى لها صداقًا ولو لم يدخل بها، فمات عنها، فإن صداقها يثبت لها. وكذلك إن دخل بها. كما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «ما تمهرها؟ ما تصدقها؟» قال: ليس عندي إلا هذا الإزار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أعطيتها صرت من غير إزار». فاستدل أهل العلم بهذا الحديث على وجوب الصداق. وفي الحديث أيضًا إشارة إلى أن المرأة تملك الصداق بمجرد العقد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعطيتها إزارك ملكتها إزارك». كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر زعفران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مهيم» فقال: تزوجت امرأة، قال: «ما أصدقتها؟» قال: وزن نواة من ذهب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة». وأجمع العلماء على مشروعية الصداق في النكاح. أما المشروعية، فالأمر فيه واضح، ولكن كما سمعتم، ذهب أكثر العلماء أو كثير من العلماء إلى استحباب تسميته، ومنهم من ذهب إلى وجوبه. المسألة الثانية: حد الصداق وحكمته وتسميته. أولًا: حد الصداق: لا حد لأقل صداق، ولا لأكثره. فكل ما صح أن يكون ثمنًا أو أجرة، صح أن يكون صداقًا. لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فأطلق المال. ولحديث سهل بن سعد رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المرأة الواهبة نفسها: «أعطها ولو خاتمِا من حديد». فدل هذا على جواز أقل ما يطلق عليه مال. وأما الدليل على أنه يجوز ولو كان كثيرًا، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، قالوا: والقنطار المال الكثير. فدل هذا على أنه لا حد لأقل المهر، ولا لأكثره. لكن أكثره لا يكون فيه مباهاة، ولا يكون فيه تبذير ولا إسراف؛ يكون شيئًا ليس فيه مباهاة ولا إسراف؛ لأن النساء يختلفن من مكان إلى آخر، ومن بلد إلى أخرى، وهكذا تختلف المرأة الشريفة عن دونها في المهر. فالحاصل من هذا أنه ليس هناك تقدير لأعلى ولا لأقله. مع أن الأولى والأفضل في الصداق أن يكون سهلًا يسيرًا؛ كما سيأتي التنبيه على ذلك. الحكمة من مشروعية الصداق: إظهار صدق رغبة الزوج في معاشرة زوجته معاشرة شريفة، وبناء حياة زوجية كريمة. كما أن فيه إعزازًا للمرأة وإكرامًا لها، وتمكينًا لها من أن تتهيأ لزوجها بما تحتاج إليه من لباس ونفقات. هذه بعض حكم الصداق. فالشرع لم يحكم أو يأذن أو يأمر بشيء إلا لحكمة عظيمة. ومن حكم الصداق: أن يظهر الرجل الرغبة الصادقة في أنه يريد أن يتزوج المرأة، وأن ذلك منه على سبيل إجلالها والاحترام والمحبة، وصدق إرادة المرأة أن تكون امرأة له يعيش معها، وينشئون أسرة طيبة حميدة. تسمية الصداق في العقد: يسن تسمية الصداق في عقد الزواج وتحديده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلو نكاحًا من تسمية المهر فيه. ولأن في تسميته دفع للخصومة والنزاع بين الزوجين. وشروط المهر: أولًا: أن يكون المهر مالًا متقومًا مباحًا مما يجوز تملكه وبيعه والانتفاع به. فلا يجوز بخمر أو خنزير أو مال مغصوب. لا بد أن يكون مالًا متقومًا، إما المال المعروف، أي: الدراهم والدنانير، أو ما شابه ذلك من العملات، أو كذا وكذا جرام من الذهب أو من الفضة، أو ما شابه ذلك من أشياء التي لها ثمن معروف أو متقومًا؛ أي: له قيمة. وأن يكون كذلك مباحًا؛ لا بد في المهر أن يكون مباحًا، فلا يجوز المهر بما حرم شرعًا. الثاني: أن يكون سالما من الغرر؛ أي: من الجهالة؛ بأن يكون معلومًا معينًا، فلا يصح بالمجهول، كدار غير معينة، أو دابة مطلقة، أو ما يثمر شجره مطلقًا، أو هذا العام نحو ذلك. قالوا: وعلى هذا يصح المهر بكل ما يصلح أن يكون ثمنًا أو أجرة من عين أو دين أو منفعة معلومة. مسألة: تعجيل المهر وتأجيله. يجوز تعجيل المهر وتأجيله كله أو بعضه، حسب عرف الناس وعاداتهم، بشرط أن لا يكون الأجل مجهولًا جهالة فاحشة، وأن لا تكون المدة بعيدة جدًا؛ لأن ذلك مظنة لسقوط الصداق. والأصل إيجاب الصداق على الزوج. فالمهر سواء كان معجلًا أو مؤجلًا، أو كان بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا، ما دام أن هناك عرفًا يتعارف عليه الناس تحفظ به حقوق المرأة، فهذا جائز. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.