الدرس في كتاب النكاح والطلاق 24، ألقاها
الحضانة تعني رعاية الصغير وتربيته، وهي واجبة على من يقدر عليها إذا لم يوجد غيره. حكمها وجوب كفائي عند تعدد الحاضنين.
تُقدم النساء على الرجال في الحضانة لشفقهن على الصغار، وتكون للأم إذا لم تنكح زوجًا أجنبيًا. شروط الحضانة تتعلق بمصلحة الطفل وقدرة الحاضن.
حضانة الأم للطفل تسقط إذا تزوجت برجل أجنبي، مع اختلاف الفقهاء في استثناء الأقارب. العبرة بمصلحة الطفل في جميع الأحوال.
أحقية الحضانة ترتبط بالقدرة على رعاية الصغير وإصلاح شأنه دينًا ودنيًا. من يقوم بهذا الأمر أحق بالحضانة من غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعماله. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب العاشر في الحضانة وأحكامها، وفيه مسائل. ومعنى هذا كما مر معنا مرارًا: الباب بمعنى المدخل للشيء أو ما يدخل منه ويخرج منه، وهو على قسمين: حسي ومعنوي. وها هنا المراد به المدخل المعنوي، لذا قيل في الحضانة: أي أنه مدخل في أحكام الحضانة ومسائل الحضانة. لذا قال: في الحضانة وأحكامها، وفيه مسائل: أي أن هذا الباب تضمن مسائل سيأتي ذكرها والكلام عليها بإذن الله رب العالمين جل وعلا. المسألة الأولى: في تعريف الحضانة وحكمها ولمن تكون. أولا: تعريف الحضانة لغة: تربية الصغير ورعايته. يعني: أولا الحضانة، بكسر الحاء المهملة، معناها لغة: تربية الصغير ورعايته، مشتقة من الحضن، وهو الجنب؛ لأن المربي والكافل يضم الطفل إلى جنبه. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى -أي علماء اللغة رحمهم الله تعالى- أن الحضانة في اللغة، أو الحضن، أو الحضن في اللغة: يطلق على ما تحت الإبط إلى الأضلاع، إلى الكشف، وهو المنعطف فوق الخاصرة، يسمى حضنًا. يعني: من تحت الإبط إلى الأضلاع، إلى المنخفض فوق الخاصرة، يسمى ماذا؟ حضنًا. وكذلك ما بين المنكبين يسمى حضنًا، والصدر. فإذا ضم الإنسان الطفل إلى صدره يسمى حضنهم، وإذا ضمه إلى جنبه، يقال كذلك: إنه حضنهم. والحضن، والحاضنة: الموكلان بصبي يحفظانه ويرعيانِه. والحضانة شرعًا: هي القيام بحفظ من لا يميز ولا يستقل بأمره، وتربيته بما يصلحه بدنيًا ومعنويًا، ووقايته عما يؤذيه. طيب، في هذا التعريف -أي للحضانة شرعًا- بيان للمعنى الشرعي من الحضانة، وهي كما ذكر: القيام بحفظ من لا يميز -أي كان طفلاً دون سن التمييز- ويدخل في ذلك المولود إلى ما قبل سن التمييز، ولا يستقل بأمره: كذلك لا يستطيع أن يستقل بأمره، بمعنى أنه لا يستطيع أن يقوم بأمره من حيث المطعم، من حيث المشرب، من حيث الملبس، إلى غير ذلك. لا يستطيع أن يقوم بنفسه بأمر نفسه، فيحتاج إلى من يقوم له بذلك، هذا القيام يسمى حضانة. وكذلك تربيته بما يصلحه بدنيًا ومعنويًا، أو قل: بما يصلحه في أمر دنياه وأخراه، أو قل: في أمر دينه ودنياه. فقولهم: وتربيته بما يصلحه بدنيًا: أي بأن يقام بحق ذلك الصبي بما يحتاجه من المطعم والملبس والدواء وما شابه ذلك من الأمور التي يحتاج إليها في أمر الحضانة. فهذه التربية له بما يصلحه بدنيًا، فيعتنى بذلك الصبي بإطعامه، بإعطائه شرابًا، كذلك بالملبس، وكذلك بصحته، وما شابه ذلك من الأمور التي تعود إلى صحة بدن ذلك الصبي. وكذلك معنويًا: بما يصلحه كذلك معنويًا. ومع الإصلاح المعنوي: إصلاحه بالقيام بما يحتاج إليه من التربية الدينية -أي على طاعة الله جل وعلا- وعلى تعظيم أمر الله جل وعلا، وعلى تعظيم حرمات الله جل وعلا، وعلى محبة الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والمؤمنين، وعلى بغض الكفار والمنافقين، وما شابه ذلك من الأمور التي يحتاجها الطفل لصلاح دينه. وكذلك يدخل في هذا الإصلاح: إصلاح الطفل معنويًا بتربيته على الآداب السامية والأخلاق الرفيعة، والتعامل بالحسن مع الآخرين. هذا كله من الأمور التي يحتاجها الحاضن يحتاج إقامتها الحاضن لمن حضن من الأطفال. قالوا: ووقايته عما يؤذيه: كذلك الوقاية عما يؤذيه، سواء كانت هذه الأذية في بدنه أو كانت في دينه. سواء كانت في بدنه: كأن يبعد عن مواطن الضرر والخطر. وكذلك في أمر دينه: بأن يبعد عن مواطن الضرر والخطر، كأن لا يخالط الفساق، ومن باب أولى أن لا يخالط الكفار. وهذا قد يتصور فيه البلاد الذي يختلط فيها المسلمون بغيرهم. فهذه من الرعاية ومن القيام بحق الحضانة لذلك الطفل وذلك الصبي. حكمها: قالوا: وهي واجبة في حق الحاضن -حاضن إذا لم يوجد غيره- أو وجد ولكن المحضون لم يقبل غيره؛ لأنه قد يهلك أو يتضرر بترك الحفظ، فيجب حفظهم عن الهلاك. والوجوب الكفائي يكون عند تعدد الحاضنين. وحكمهم كما ذكر هاهنا: يتعين على من لا تقام الحضانة إلا به، ويتوسع الوجوب فيكون وجوبًا كفائيًا عند وجود أكثر من حاضن لذلك الصبي؛ لأن المقصود في الحضانة: القيام بأمر ذلك الصبي، بغض النظر عن من يقوم به؛ لأن العبرة بالأقوم في قيام ذلك الحاضن بما يحتاج إليه ذلك المحضون. ومن هذا يعلم أن الحكم الأصل في مسألة الحضانة: أنه من فروض الكفايات، بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. وإذا كان أحد هؤلاء البعض لا يستغنى عنه -لا يستغنى عنه- وربما يحصل ضياع أو هلاك لذلك الطفل إن لم يتولاه ذلك الحاضن، فيتعين عليه الحضانة. تتعين عليه الحضانة. والله تعالى أعلم كما تقدم، كأن يكون ولدًا -مثلا- كأن يكون ولد لا يريد إلا أمه، لا يريد إلا أمه -مثلا- أمه هو الطفل ويرضع من أمه، ولا يرضع من أحد سوى أمه، ولا يحتاج أو لا يكون أحد إذا أعطي إلى أحد غير أمه استمر في البكاء، ولا يأكل، لا يشرب، إلى غير ذلك، وربما حصل له ما يحصل الأضرار بسبب ذلك. فهنا تكون الحضانة -أو الحضانة في حق أمه- متعينة، ولو كانت منشغلة بأمر آخر. تكون من واجبات التي يجب عليها أن تقوم بها أولا لحق الطفل. ثم لمن تكون أي الحضانة؟ لمن تكون هذه الحضانة؟ قالوا: والحضانة تكون للنساء والرجال من المستحقين لها، إلا أن النساء يقدمن في الحضانة على الرجال؛ لأنهن أشفق وأرفق بالصغار. وإذا لم يكن لهن حق في الحضانة تُصرف إلى الرجال؛ لأنهم على الحماية والصيانة وإقامة مصالح الصغار أقدر. وحضانة الطفل تكون لوالديه إذا كان النكاح قائمًا بينهما. وهذا أمر واضح: أن الأبوين إذا كانا على وفاق فإنهم هم الأولى بتربية الأبناء. أما إذا تفرقا فالحضانة للأم ما لم تنكح زوجًا أجنبيًا من المحضون. لقوله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي طلقها زوجها وأراد أن ينتزع ولدها منها: «أنت أحق به ما لم تنكحي». والحديث صحيح، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره. والحاصل من هذا: أن الحضانة حق يشترك فيه الرجال والنساء. إلا أن النساء أولى وأحق بالحضانة، ولا سيما عند الصغر وقبل التمييز؛ لما عرف من النساء من الشفقة، وأصبر على القيام بأمور الأطفال والصغار: من المأكل، من المشرب، من الملبس، من المحمل، من السهر، إلى غير ذلك. النساء أصبر وأشفق وأحنى وأرحم على الطفل من الرجال، كما هو معلوم. ولكن إن كانت درجة الرجل أقرب من درجة المرأة، فإن الرجل يقدم على المرأة. ولا سيما إذا اتفق في الجهة. إذا اتفق في الجهة: يعني مثال ذلك لو أن رجلا أو لو أن طفلا لم يكن له أب وأم توفي، وكان له مثلا أخ -أي ذلك المتوفى كان له أخ- أي عم ذلك الطفل، وله بنت عم. له بنت عم. من يقدم؟ يقدم العم. لماذا؟ لقربه، لاشتراك الجهة التي هي العمومة، والاقتراب. درجة العم وبعد درجة بنت العم، فيقدم العم هنا في الحضانة. وهكذا. ومسألة الأولويات في الحضانة مسألة شائكة، حتى إن الفقهاء وأرباب المذاهب الأربعة: لكل واحد منهم قول. لكل واحد منهم قول. مع أن الكل قد يكونون متفقين في أمر تقديم المرأة على الرجل إذا اشترك في الجهة. يعني: عم وعمة، يقدم العم. خال وخالة، تقدم الخالة. أخت وأخ، تقدم الأخت. وهكذا. عند الاشتراك في ماذا؟ في الدرجة. تقدم الأنثى. لماذا؟ لأنها كما تقدم: أحنى وأشفق وأصبر على تربية الصغير، ولا سيما عند الصغر. قالوا هاهنا: وإذا لم يكن لهن حق في الحضانة تصرف -أو تصرف إلى الرجال-؛ لماذا؟ لأن الرجل له القدرة على الحماية، يحمي ذلك الصبي مما يضره. كذلك له القدرة على صيانته؛ لما عرف من الرجال من الحزم والنظر إلى الأمور بنظر العقل، كما يقال: لا بنظر العاطفة المجردة. بل الغالب في الرجال أنهم ينظرون في الأمور وفي عواقبها. فهم بهذا الاعتبار أحق بالحضانة من المرأة القريبة البعيدة. الرجل القريب أحق بالحضانة -أو بالحضانة- من المرأة البعيدة؛ لما ذكر. قالوا: وحضانة الطفل تكون لوالديه إذا كان النكاح قائمًا بينهما. أما إذا تفرقا فالحضانة للأم ما لم تنكح زوجًا أجنبيًا من المحضون. يعني كما ترون هاهنا قيود: الأم إذا طلقها زوجها وتنازعا في الطفل، فالأم هي الأحق؛ لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في رجل وامرأته اختصما في طفل لهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للأم: «أنت أحق به ما لم تنكحي». أنت أحق به. إذن الحق عند التزاحم لمن؟ للأم ما لم تنكح. ما لم تنكح. إذن إذا تزوجت الأم برجل آخر، ظاهر هذا الحديث أن الحضانة تسقط عنها، وتنتقل للأب. لكن بعض العلماء رحمهم الله تعالى أضاف شرطًا آخر، قالوا: تسقط الحضانة عن الأم بشرط أن لا تنكح زوجًا أجنبيًا عن ذلك الطفل. أما إذا تزوجت بزوج ليس بأجنبي، بل هو من أهل الحضانة لذلك الطفل، فإنه يبقى عندها. يعني مثال ذلك: طلقها زوجها بعد انقضاء عدتها، تزوجها أخو ذلك الزوج الأول. واضح يا جماعة. تزوجها أخو ذلك الزوج الأول. يجوز أو لا؟ هيا جماعة. يجوز. واضح. في هذه الحالة يقولون: للأم أن تبقي ولدها عندها. لماذا؟ لأن زوجها هاهنا من أهل الحضانة؛ لأن زوجها هاهنا من أهل الحضانة، وهو أخو الزوج الأول، وعم لذلك الولد. ذهب إلى هذا -كما سمعتم يا جماعة- من فقهاء رحمهم الله تعالى، ناضرين إلى ذلك المعنى من الحديث. قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: «أنت أحق به ما لم تنكحي». قالوا: إن الأصل أن المرأة إذا نكحت -إذا تزوجت بزوج أجنبي- تكون غالبًا منشغلة بالقيام بحق الزوج الجديد والتحبب إليه، بالقيام بأموره، على حساب من؟ على حساب طفلها، على حساب ولدها. فلهذا جعل لها النبي صلى الله عليه وسلم الحق ما لم تنكح. قالوا: لكن إذا كان الزوج الجديد هو ذو صلة، أو هو ذو صلة وقرابة مع ذلك الطفل، فإن الأمر ها هنا يكون على خلاف ذلك؛ لأنه يكون عنده شفق وحنان ورفق، بل وقد يحث زوجته على القيام بذلك الطفل. قالوا: لأجل هذا المعنى تبقى الحضانة للأم ما دام الزوج وليًا، أو من أولياء ذلك الطفل. وبعض الفقهاء رحمهم الله تعالى بقوا على ظاهر النص: «أنت أحق به ما لم تنكحي». قالوا: ولم يستثن قريبًا أو بعيدًا. فيبقى على ظاهر النص. والله أعلى وأعلم. **والحاصل أن هذا: أن النظر إلى المعنى، ولا سيما أننا إذا علمنا أن الأصل والعلة والقاعدة والضابط في أمر الحضانة: أن الضابط في أمر الحضانة هو النظر هو النظر في أمر ذلك المحضون والقيام به، شؤونه وأموره على أتم الوجوه دينيا ودنيويا. فمتى وجد هذا المعنى فالحضانة تدور معه، ومتى عدم انتفت.** فمنه يعلم -ومن هذا يعلم- أن الأم أحق به ما لم تنكح، وما لم تكن الأم كذلك ممن لا تصلح للحضانة -ممن لا تصلح للحضانة-. واضح يا جماعة. يعني: الأم هي الأحق بشرطين: الأول ما لم تنكح، الثاني ما لم تكن -ليست أهلًا- للحضانة. مثل: من مثل أن تكون الأم -مثلا- فاسقة، والعياذ بالله. الأم فاسقة، والعياذ بالله. فهل نقول: هي أحق به ما لم تنكح؟ هيا يا جماعة. الجواب: لا. لماذا؟ لأن ما دارت الحضانة على ماذا؟ على القيام بأمر ذلك المحضون وشؤونه على أتم الوجوه دينيا ودنيويا. وهذه الفاسقة هل تستطيع أن تقوم بذلك؟ الجواب: لا. ومن باب أولى أن تكون إيش؟ هيا يا جماعة. أن تكون الأم كافرة. هذا ممكن أو غير ممكن؟ متى يكون ممكنًا؟ إذا تزوج الرجل كتابية، إذا تزوج الرجل كتابية فطلقها. فالحضانة ها هنا للأم أو للأب؟ هيا يا جماعة. الحضانة للأب. لماذا؟ لأن قوة الدين لا يعدلها شيء. أقوى من قوة الأم؛ لأن الأب والأم مشتركان؛ لأن الأب والأم مشتركان في أن كليهما والد -في أن كليهما والد- أي لذلك الطفل. هذا والده، وهذه والدة له. لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنت أحق به». نظرًا كما تقدم: أن الأم -ولا سيما في سن الصغر والطفولة- تكون أكثر قيامًا وحنية وشفقة على الطفل. فنظرًا لهذا المعنى قال: «أنت أحق». ولفظ أحق: أفعل تفضيل، فيه دلالة ومعنى: أن الأب له حق، ولكن الأم لها أحق بهذا الاعتبار وبهذه القرينة. لكن إن كان للأم مانع يمنع من أن تكون هي الأحق: كأن تكون كما سمعتم: فاسقة، أو تكون الأم يعني كافرة. فهذا المانع يسقط عنها تلك الأحقية، فترجع الأحقية لمن؟ الأحقية ترجع للأب. الأحقية ترجع للأب. فيكون هو أحق بذلك الولد، ولو لم تنكح زوجته رجلاً آخر. واضح هذا يا جماعة. لماذا؟ لأن مناط الحكم -والعلة- في الحضانة: هو القيام بشؤون ذلك الطفل وذلك المولود دينيا ودنيويا. قال: ومقتضى الحضانة -أو الحضانة- حفظ المحضون وإمساكه عما يؤذيه، وتربية حتى يكبر، وعمل جميع ما هو في صالحه: من تعهد طعامه وشرابه، وغسله، ونظافته ظاهرا وباطنا. نظافته ظاهرا: واضحة. وباطنا: من الشرك، من البدعة، من الفسق. بإعانته على التربية الصالحة. وتعهد نومه. وتعهد نومه ويقظته. والقيام بجميع حاجاته ومتطلباته. هذه من معاني الحضانة التي ينبغي أن يقوم بها الحاضن. ومن باب الفائدة: ذكر شيخ الإسلام تيمين رحمه الله تعالى: عن أحد الحكام -أو أحد القضاة- أنه أتي له بغلام تنازع فيه أبواه في أمر الحضانة. فخيره ذلك الحاكم. والتخيير -كما سيأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى بعد سن التمييز- يخير الغلام مع أي الأبوين يحب أن يكون. الحاصل: أن ذلك الحاكم خيره: هذا أبوك، وهذه أمك. مع من تحب أن تكون؟ فمال إلى أبيه. فلما مال إلى أبيه، قالت الأم لذلك الحاكم: قالت: «سلهم لماذا اختار أباه؟ سلهم ما هو المعنى الذي لأجله اختار الأب على الأم؟» قالت: فسأله الحاكم. فقال ذلك الصبي -وذلك الغلام- قال: «لأن أمي تدفعني في الصباح الباكر إلى الكتاب والمعلم. إذا أخطأت يضربني ويؤدبني. أما أبي فإنه يجعلني طليقًا، ألعب مع الأطفال حيث شئت». فحينها قال الحاكم: ماذا؟ الحضانة للأم. الحضانة للأم. لماذا؟ لأن الأم تقوم بماذا؟ تقوم بما يجب عليها من أمر الحضانة: من الصيانة، من التربية، من التعليم لذلك الصبي. وأما الأب فيطلق ذلك الصبي من غير حفظ له في دينه ولا دنياه، بل يطلق: يلعب مع الصبي من غير تعليم ولا تأديب. فكانت الأم أحق به؛ لما وجد فيها من معاني الحضانة، وإن اختار ذلك الغلام أباه. ومن هذا يعلم -ما تقدم ذكره- من أن أمر الحضانة يدور مع -أو حكم الحضانة يدور مع- العلة وجودًا وعدمًا. فمتى وجد من يقوم بأمر الصبي -ذكرًا كان أو أنثى- بأمر دينه ودنياه، وإصلاح شأنه، والقيام به أتم القيام. فإنه أحق بالحضانة من غيره. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.