حلية طالب العلم 6

الدرس في حلية طالب العلم 6، ألقاها

مقدمة في أهمية إخلاص النية

يؤكد الشيخ على أهمية إخلاص النية لله في طلب العلم باعتباره عبادة. يستدل بآية قرآنية وحديث نبوي لتوضيح أهمية الإخلاص.

شرح حديث "إنما الأعمال بالنيات"

يشرح الشيخ الحديث ويبين أهمية الإخلاص في الأعمال، ويضرب أمثلة من قصة عمر بن الخطاب في خشيته من النفاق.

خوف الصحابة من النفاق وأهمية الدعاء

يروي خوف الصحابة من النفاق رغم إيمانهم القوي، ويشير إلى ختام الحديث بالدعاء والاستغفار والثناء على الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي ذكر أول الآداب التي يحتاجها الطالب في نفسه، وهو أن يعلم أن العلم عبادة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: أصل الأصول في هذه الحلية، بل ولكل أمر مطلوب، علمك بأن العلم عبادة. قال بعض العلماء: العلم صلاة السر وعبادة القلب. وعليه فإن شرط العبادة إخلاص النية لله عز وجل، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات» الحديث. قال: فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، ولا شيء يحطمه العلم مثل الرياء، رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع بأن يقول مسمعًا: علمت وحفظت. وعليه، فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب. كما ترون، ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا أمرًا من الأمور العظيمة، ومن الأمور الجليلة التي يحتاجها طالب العلم، إخلاص النية لله عز وجل. وقد قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله: «تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل». وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الصدق والإخلاص، فقال: بهذا ارتفع القوم. كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى يعلم الإنسان أهمية الإخلاص لله جل وعلا. وقد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى دليلين من كتاب الله جل وعلا، أحدهما قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. والمتأمل في هذه الآية يرى أن الله جل وعلا ذكر هذه الآية بأسلوب الحصر، بل بأقوى أساليب الحصر، وهو النفي والإثبات. قال حنفاء، وهذا كذلك تأكيد للمعنى المذكور؛ لأن الحنيف من مال عن الشرك إلى التوحيد. إذن اجتمع في هذه الآية عدة أساليب تدل على توكيد هذا المقام. أولها أسلوب النفي والإثبات، ثانيها قول الله جل وعلا: «مخلصين»، وهذا كذلك يؤكد المعنى الأول. ثم قال: «حنفاء»، وهذا كذلك معنى ثالث يدل على تقرير هذا المقام وأهمية هذا المقام. ثم ذكر رحمه الله تعالى دليلًا آخر من السنة، فقال: «وفي الحديث الفرد»، ومعنى الفرد أنه تفرد به بعض رواته عن بعض. وهذا الحديث معروف بأن يحيى بن سعيد الأنصاري رواه عن إبراهيم التيمي، ولم يشاركه فيه غيره. ورواه إبراهيم التيمي عن علقمة، كذلك، وعلقمة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فهو حديث فرد. وقوله: «مشهور» لأنه اشتهر عند العلماء اشتهارًا لفظيًا. قال رحمه الله: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات». وهذا أيضًا الحديث فيه معنى من معاني الحصر والقصر بصيغة «إنما» التي تدل على الحصر. والشيخ رحمه الله تعالى، كما ترون، ذكر دليلًا من كتاب الله جل وعلا، ودليلًا آخر من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكأنه يشير رحمه الله تعالى إشارة لطيفة إلى أن الأحكام الشرعية بل دين الله جل وعلا إنما يؤخذ من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وما أحوجنا جميعًا إلى أن نتذاكر مثل هذه المباحث نحن معشر طلبة العلم. فإن هذا المقام مقام الإخلاص، كما يقال: تحقيقه من الأمور العسرة التي أتعبت الصالحين من السلفين رحمهم الله. فتأمل مثلًا إلى قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، حينما علم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر حذيفة بأسماء المنافقين أو بعض المنافقين، ذهب إلى حذيفة يسأله: «يا حذيفة، هل ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا منهم؟». سبحان الله، عمر بن الخطاب الذي قد عرف بصلابته في دين الله جل وعلا، وعرف صدقه، وعرف جهاده، وعرف بدله، وعرف خيره، مع هذا يخشى أن يكون من المنافقين. فكيف بنا يا طلبة العلم؟ ألا نحتاج بين وقت وآخر أن ننظر في أعمالنا وفي أقوالنا الصادرة، هل هي لله جل وعلا أم لا؟ وتأمل كذلك ما جاء في قصة موته رضي الله عنه وأرضاه، حينما دخل عليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وجعل يذكر محاسنه، وهو يقول: «دعني من هذا، والله لوددت أني أخرج منها لا لي ولا علي». يقول هذه الكلمات هذا عمر بن الخطاب الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأجمعت الأمة على أنه أفضل هذه الأمة بعد نبيها وأبي بكر. وما حصل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه في قصته مع حنظلة رضي الله عنه وأرضاه، حينما مر عليه أبو بكر، فقال حنظلة: «نافق حنظلة». فقال: «وما ذاك؟» فذكر ما ذكر، أنهم إذا كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحصل لهم ما حصل من التذكير والخير، كانوا على حال، وإذا انتقلوا إلى منازلهم وانتقلوا إلى أهليهم وأولادهم تغير حالهم. فقال أبو بكر: «وكذلك أنا». سبحان الله، أبو بكر يقول: «وكذلك أنا». ثم ينطلقان إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيخبرانه بما صدر منهما. هذا يا جماعة يدل على أن القوم لا يفرحون بأعمالهم، ما يعملون من أعمال وأعمالهم جليلة وعظيمة، وهم من أخلص الناس لله جل وعلا، ومع هذا ما يخافون على أنفسهم مجرد الرياء، وهو خطير، بل يخافون على أنفسهم النفاق. وتأمل ما جاء في ذلك الأثر عن بعض التابعين، أنه قال: «أدركت سبعين من أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كلهم يخاف على نفسه النفاق». يا ترى هؤلاء لماذا بلغ بهم الأمر أن خشوا على أنفسهم النفاق، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهم الصادقون، أهل القيام في الليل، وأهل الصيام في النهار، وأهل الجهاد، وأهل البذل، وأهل كل خير، رضي الله عنهم وأرضاهم؟ هذا إن دل على شيء، دل على تمام إيمان هؤلاء وكماله؛ إذ أن من كمل إيمانه صار ينظر في أدنى شيء يؤثر في ذلك الإيمان، ويكون سببًا لإبعاده عن ربه جل وعلا. فكانوا ينظرون إلى أعمالهم بهذا المنظار. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. وقد جاء عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أنه قال: «وددت أن الله جل وعلا لا يقبل مني حسنة». روي هذا المعنى عن عبد الله بن عمر، وعن أبي ذر، وعن علي، وعن طائفة من الصالحين، رضي الله عنهم وأرضاهم. قالوا معللين لهذه المقالة: لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على