شرح الباعث الحثيث 10

الدرس في شرح الباعث الحثيث 10، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تصحيح خطأ مطبعي في «الباعث الحثيث» ووجوب إتقان العلوم الآلية

صحّح المحاضر خطأً مطبعياً في كتاب «الباعث الحثيث» لابن كثير موضحاً أن كلمة «اسم» تكتب بهمزة الوصل لا القطع، وشدّد على وجوب إتقان طالب العلم للعلوم الآلية كالإملاء والنحو اقتداءً بالسلف. كما أشار إلى أن أئمة كالحاكم والخطيب البغدادي كانوا يطلقون على سنن الترمذي اسم «الجامع الصحيح».

شروط إطلاق «الجامع» و«الصحيح» والخلاف في تسمية سنن الترمذي والنسائي

بيّن المقطع أن لقب «الجامع» يشترط فيه احتواء الكتاب على ثمانية أبواب محددة، بينما «الصحيح» يتطلب اتصال الإسناد وعدالة الرواة وضبطهم وانتفاء الشذوذ والعلة. ناقش خلاف المحدثين في تسمية «صحيح مسلم» بـ «الجامع» لخلوه من كتاب صريح للتفسير، ورجّح كونه جامعاً لاكتفائه بأحاديث التفسير في الختام، وانتقد إطلاق «الصحيح» على سنن الترمذي والنسائي لوجود الضعيف والمنكر فيهما مستدلاً بقول العراقي.

منهج الإمام النسائي في سننه وتشدده في الجرح والتعديل

أوضح المقطع أن النسائي لم يشترط الصحة المطلقة في سننه، بل كان من المتشددين في الجرح فلا يخرج حديث من أجمعت طبقة النقاد على تركه، وشرطه في الرجال أشد من شرط الإمام مسلم. أكد أن إطلاق اسم «الصحيح» على سنن النسائي يعد تساهلاً صريحاً كما نقل العراقي في «الأحكام الكبيرة» لابن كثير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في كتاب «الباعث الحثيث» للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى وغفر له، تُوفِّي سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. وكنا وقفنا على إطلاق الصحيح على الترمذي والنسائي. قال رحمه الله تعالى: «إطلاق اسم الصحيح... إطلاق اسم الصحيح». عندكم كُتب «اسم» بالهمزة، همزة القطع، ليش عندكم؟ هذا غلط؛ فإن لفظ «اسم» مع عشرة ألفاظ من الأسماء تكتب بهمزة الوصل، وهي: اسم، وابن، وابنة، إلى آخره، عشرة أسماء. فلا يجوز أن تقول: «إطلاق اسم»، لا يجوز أن تقول: «إطلاق اسم»؛ هذا خطأ، هذا خطأ؛ لأن همزة «اسم» همزة «اسم» همزة وصل. قال تعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا ﴾، قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَىٰ ﴾، لا تقول: «سبح اسم»، هذا خطأ. فهذا خطأ مطبعي، الصواب أنها ليست همزة قطع، ليست همزة قطع، وإنما همزة «اسم» همزة وصل. إذن كلمة «اسم»، كلمة «بن»، تسع أو عشر كلمات هي أسماء، همزتها همزة وصل، والباقي قطع. قال رحمه الله تعالى: «إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي»، أي على سنن الترمذي وسنن النسائي. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يدرس العلوم جميعها، ما يليق بطالب علم يخطئ في الإملاء، خلط. ينبغي لطالب العلم أن يرفع همته، حتى في هذا المستوى يرفع همته، يدرس حتى الإملاء، يدرس ويتعلم ويتبحر. هكذا كان أهل العلم، وهكذا طلب الأوائل. هذا يسمى بالتأصيل، العلم يدرس دراسة فهم. يعني من العيب على طالب العلم يقرأ فيقول: «إطلاق اسمي»، اسمع، يقول: «ليش هذا طالب علم؟» هذا يحتاج أن يرجع إلى الصف الابتدائي ابتداءً، وإن شابت لحيته. قال له: «ويرجع روس إلى الابتدائي، رجع صف أول»، ليش؟ لأنك أخطأت مثل هذا الخطأ. لهذا ينبغي دراسة العلم يسير، لكن الإهمال كثير. بعض الناس عنده أنفة: «أنا أرجع أدرس مثل خط، أتعلم من إملاء»، يشوفها كبيرة، عيب كده، كأنها عيب، كأنها يعني عار، كأنها حاجة كده، يعني ما هي طيبة. ما هو عيب، ما هو عيب أبداً، العيب هو الجهل والخطأ. وهنا هذا العلم علم نافع، علم الإملاء علم نافع في ضبط الهمزات وأحكامها، أحوالها، كم أوجه تكتب، ما يجوز، ما الذي يجوز في أي وجه يجوز، أمور سهلة، سهلة جداً، ولكن على من يسرها الله عليه وأعانه، وكان من أهل التواضع، فينتفع الإنسان بتواضعه أكثر من انتفاعه بأنفته، لو كان فيها انتفاع. قال رحمه الله: «وكان الحاكم وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع من أئمة السلف أهل السنة والجماعة ببلاد نيسابور، والخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت بن المثن بن ثابت البغدادي من أئمة السلف في بغداد، تُوفِّي سنة ثلاثة وستين وأربعمائة للهجرة». يسميان كتاب الترمذي «الجامع الصحيح». أولاً: لفظ «الجامع» لا يطلق على كتاب حتى يضم ثمانية كتب: كتاب التوحيد، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الحج، وكتاب الأدب، وكتاب التفسير، وكتاب المغازي، وبدء الخلق. حتى يضم ثمانية كتب، فإن نقص نوع من هذه الثمانية لا يسمى جامعاً عند أهل العلم، لا بد أن يضم ثمانية علوم أو ثمانية أبواب أو ثمانية أبواب وكتب. والبخاري جمعها بزيادة، فصار «الجامع المسند الصحيح»، الصحيح بحق: «الجامع المسند الصحيح». جامع يضم هذه العلوم الثمانية، والصحيح معروف: ما جمع شروط الخمسة. فما هي شروط الحديث الصحيح؟ أن يكون متصل الإسناد، بنقل العدل، الشرط الثالث: الضابط، ولا يكون شاذاً الشرط الرابع، ولا معللاً الشرط الخامس. «الجامع الصحيح»: الجامع ما ضم ثمانية كتب. ولهذا اختلفوا في صحيح مسلم: هل هو جامع أم لا؟ قالوا: لا يوجد فيه كتاب التفسير. اختلفوا في صحيح مسلم: هل هو جامع أم لا؟ ما سبب خلافهم؟ أنه لا يوجد فيه كتاب سماه بكتاب التفسير. هل عرفنا هذا؟ اختلف المحدثون: هل يسمى كتاب مسلم «الجامع»؟ اختلفوا فيه، والصحيح أنه جامع، الصحيح أن كتاب مسلم جامع؛ لأنه ختم كتابه بنحو ثلاثة عشر حديثاً في التفسير، فهو وإن لم يقل: «كتاب التفسير»، فقد ذكر التفسير. أنتم معي في هذا؟ فيكون جامعاً. أما الترمذي فكتاب جامع. قال رحمه الله: «وهذا تساهل منهما»، وجه التساهل أنهما وصفاه بالصحيح، لا أنهما سمياه بالجامع. أين التساهل؟ قال رحمه الله: «وعيد العبارة، وكان الحاكم أبو عبد الله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي الجامع الصحيح، وهذا تساهل منهما؛ فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة». إذن السبب أنه فيه أحاديث كثيرة منكرة. ولهذا يقول العراقي في منظومته: «ومن عليها أطلق الصحيحة فقد أتى تساهلاً صريحاً»، يعني السنن، ومن عليها أطلق الصحيحة فقد أتى تساهلاً صريحاً؛ لأن أصحابها لم يشترطوا الصحة، فكيف تدعم أنت وتدعي أنها صحيحة؟ أنتم معي في هذا؟ لأن أصحابها لم يشترطوا الصحة، فلم يقل الترمذي: «إني أخرج الأحاديث الصحيحة»، بل قال في عنوان الكتاب: «وأذكر الأحاديث المعللة في آخر العنوان»، فكيف تطلق أنت عليهما «كتاب الصحيح» وهما لم يشترطا الصحة؟ يقول العراقي رحمه الله: «ومن عليها أطلق الصحيحة فقد أتى تساهلاً صريحاً». عندك يا أبي عبد الله: لماذا أتى تساهلاً صريحاً؟ لماذا أتى تساهلاً صريحاً؟ ليش؟ إيش السبب؟ أولاً: الكتب، كتب السنن كالترمذي، مليئة بالأحاديث المختلفة الدرجة، فيها أحاديث كثيرة منكرة وضعيفة وغير صحيحة، هذا الوجه الأول. الثاني: لم يشترطا الصحة، فكيف تزعم أنهما صحيحان؟ قال رحمه الله تعالى: «وقول الحافظ أبي علي بن السكن، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي إنه صحيح، فيه نظر». وقول الحافظ أبي علي بن السكن، وكذا الخطيب البغدادي، في كتاب السنن للنسائي إنه صحيح، فيه نظر. ولا تنظروا للباقي، ذاك الله خير، خلاص، فيه نظر، اعتبروا الكلام من عندكم، الباقي... لماذا؟ لماذا فيه نظر؟ أولاً: فيه أحاديث ليست صحيحة، هذا الوجه الأول. الثاني: النسائي ما اشترط الصحة، هذا واضح. فيه أحاديث ليست صحيحة، النسائي لم يشترط الصحة، هل هذا واضح عندنا؟ طيب. قال: «فيه نظر، وإن له شرطاً في الرجال». هذه مسألة أخرى، أشد من شرط مسلم، غير مسلم. يقال: إن الإمام النسائي له شرط في الصحيح في كتابه السنن أشد من شرط مسلم. والنسائي رحمه الله كان من المتشددين في الجرح، النسائي يعتبر من أهل التشدد في الجرح، وهؤلاء يتشددون احتياطاً وتديناً، فيقول النسائي: «ليس بثقة»، ويقول: «متروك»، هما سواء عند النسائي. والنسائي لا يخرج حديث رجل أجمع على تركه، هذا شرطه، فإنه لا يخرج حديث أجمع على تركه، أي أجمعت الطبقة من الطبقات، معتدلها وشديدها، على جرح رجل، فإنه لا يحتج به النسائي. والطبقات ثلاث أو أكثر، فهناك طبقة أحمد وابن معين، أحمد من المعتدلين وابن معين فيه شدة في الجرح، وهناك طبقة أبي حاتم وأبي زرعة، أبو حاتم شديد في الجرح وأبو زرعة معتدل، وهناك طبقة البخاري ومن في طبقته، والبخاري معتدل لطيف العبارة، وهكذا. فإذا اجتمعت الطبقة من الطبقات، كان يقول ابن معين وأحمد في رجل ويجرحان، فإن النسائي لا يخرج له لاجتماع الطبقتين، طبقة المعتدل والمتساهل في طبقة ما على جرح الرجل، معاصر لأحمد وابن معين فجرحاه، اتفقا على الجرح. لكن لو اختلفا، أحمد يوثق وابن معين يضعف، النسائي يخرج حديث فيما يظهر لهم من اجتهاد وبحث، قد يخرج حديث. قال: «وإن له شرطاً»، أي: قول من قال إن له شرطاً في الرجال أشد من شرط مسلم، غير مسلم، فإن فيه رجالاً مجهولين إما عيناً أو حالاً، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في «الأحكام الكبيرة». «الأحكام الكبيرة» كتاب عظيم، يمدحه ابن كثير، فيه فقه على طريقة الشافعية، وفيه علل، وفيه روايات تعليم على طريقة المحققين من أهل العلم، لكن الكتاب مفقود، طبع قريباً في ثلاثة مجلدات، قطعة تسمى بـ «الأحكام الكبيرة». ولكن بقراءة هذه القطعة قد يظهر للإنسان أنها قطعة من شرح البخاري لابن كثير، فإنها على تبويب البخاري مشى ابن كثير، فكأنها قطعة من شرحه على صحيح البخاري. وهي على طريقة السادة الشافعية، يذكر مذهب الشافعية ثم يذكر المذاهب ثم يرجح بما ظهر له ثم يضعف الأحاديث ويصحح الأحاديث وينقح المسائل وغير ذلك ويصور المسائل. كتاب القطعة، قطعة نفيسة في ثلاثة مجلدات، طبعت قريباً. شاهد أن السنن، إطلاق اسم الصحيح عليها تساهل، كما قال العراقي رحمه الله. ماذا قال العراقي؟ عندك أخانا صالح، ماذا قال العراقي في إطلاق اسم الصحيح على السنن؟ «ومن عليها أطلق الصحيحة فقد أتى تساهلاً صريحاً». طيب، نكتفي بهذا القدر. إذا كان لكم شيء لم يتضح فليسأل الإنسان هذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً، شكراً، شكراً، شكراً.