شرح الباعث الحثيث 41

الدرس في شرح الباعث الحثيث 41، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تعريف المقلوب وصوره واختبار البخاري

يُعرّف المقلوب بأنه قلب المتن أو الإسناد، ويضرب مثال حديث «العينان وكاء السهي» المقلوب، ويُذكر اختبار علماء بغداد للبخاري بمئة حديث مقلوب فردها كلها.

امتحان البخاري بأحاديث مقلوبة وقاعدة ضعف الإسناد

يُروى كيف امتحن العلماء البخاري بمئة حديث مقلوب فأجاب بـ «لا أعرف» ثم صححها، ويُبين قاعدة: ضعف الإسناد لا يستلزم ضعف المتن إلا مع نص إمام على الانفراد، وشروط جواز رواية الضعيف.

ضوابط العمل بالحديث الضعيف وصيغ نسبته

يبيّن شروط العمل بالضعيف: اندراجه تحت أصل عام، يسير الضعف، عدم تعلق بفضائل محددة، مع ترجيح تركه، ويوضح صيغ الرواية: الجزم للصحيح والتمريض للضعيف.

الصلاة والسلام على النبي ﷺ خاتمة المجلس

يختتم المتحدث بالصلاة والتسليم على النبي محمد ﷺ وآله وصحبه، وهو دعاء مشروع في ختام المجالس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازمنا في هذا الكتاب النافع، كتاب شرح اختصار علوم الحديث المسمى بالباعث الحثيث، للإمام العلامة المفسر الحافظ المحدث الفقيه، فداءً له، إسماعيل بن عمر بن كثير، رحمه الله تعالى وغفر له. قال: النوع الثاني والعشرون: المقلوب. وهذا المبحث من المباحث التي تعود إلى علل الحديث، أن ينقلب المتن على الراوي، أو ينقلب بعض الإسناد على الراوي، فينقلب متن بمتن، أو إسناد بإسناد، فيخلط الراوي بينهما، فيأتي المحدّث ويقول: هذا غلط، هذا المتن إسناده كذا، أو هذا الحديث هذا الإسناد متنه كذا. وهذا لا يعرفه إلا جهابذة من العلماء، من أهل الجمع الذين يجمعون الطرق، كما قدمنا عن علي بن المديني أنه روي عنه أنه قال: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه». كيف تعرف المقلوب؟ باجتماع الطرق. الآن مر بنا حديث في الزهد: «العينان وكاء السهي». هذا الحديث انقلب المتن على بعض الرواة. في مسند الإمام أحمد: «السهي وكاء العينين». انقلب المتن، قريباً من هذا اللفظ: «السهي وكاء العينين، فمن نام فليتوقع». هذا مقلوب. اللفظ الصحيح: «العينان وكاء السهي». هذا المشهور، وهكذا رواه أبو داود في سننه على المعنى الصحيح. يحصل أحياناً قلب تقديم وتأخير، يحصل نوع من أنواع الخلل في حفظ الراوي، فيغلط، فيأتي العلماء فيبينونه. قال رحمه الله تعالى: المقلوب، وقد يكون في الإسناد كله أو بعضه. فالأول: كما ركب مهارة محدثي بغداد. المهارة: جمع ماهر، هو الذي يحسن الصنعة. فالأول: كما ركب مهارة محدثي بغداد للبخاري حين قدم عليهم، إسناد هذا الحديث على متن آخر، وركبوا متن هذا الحديث على إسناد آخر، وقلبوا عليه ما هو من حديث سالم عن نافع، وما هو من حديث نافع عن سالم. وهو من القبيل الثاني، يعني أنه في بعض الإسناد. وصنعوا ذلك في نحو مئة حديث أو أزيد. فلما قرأها، قرأها، رد كل حديث إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ولم يرج عليه موضع يرج، يعني ينخدع ويمر عليه، ينخدع ويمر عليه الموضع يظنه صواب. ولم يرج عليه موضع واحد مما قلبوه وركبوه. فعظموا ما عندهم جداً، وعرفوا منزلته من هذا الشأن. فرحمه الله تعالى وأدخله الجنة. هذه القصة الصحيحة أنها ثابتة، قد ذكرها ابن عدي بإسناده، قال: حدثني محدث بغداد. قال بعض الناس: إن شيوخ ابن عدي لا نعرف حالهم، فهذه القصة لا تثبت من هذه الجهة، أن شيوخ ابن عدي لا نعرف حالهم. لكن هذا ليس بصواب، لأنه ذكرها عن جماعة من المحدثين، فالأصل أنهم أهل حديث، والأصل أنهم ممن يؤخذ عنهم. فكيف إذا كانوا جمعاً، ليسوا واحداً، جماعة كلهم ينقل نفس الشيء، نفس الخبر؟ فمثل هذا يصححه. وما كان ابن عدي ليعتمد رواية واحدة، ولهذا قال: حدثني محدث بغداد، والأصل أنهم عدول ثقات في مثل هذا الموضع. القصة ثابتة من ناحية الثبوت، القصة ثابتة، وأقوى أسانيدها إسناد ابن عدي كما هو معلوم. وما هي القصة؟ القصة حاصلها أن أهل بغداد سمعوا بأن البخاري سيأتي عندهم. وكانت عادة الناس وأهل العلم، كانت عادة الناس وعادة أهل العلم أنه إذا جاءهم أحد يمتحنونه ليعرفوا منزلته العلمية، فيعدون له أسئلة، ويعدون له شيء من الإشكالات، يختبرونه: أهو فعلاً بحسب ما أشيع عنه أم أنه دون ذلك؟ ولهذا كان هذا الاختبار معروفاً عند أهل الحديث، يختبرون العالم ليعرفوا هل هو عالم، يختبرون طالب العلم ليعرفوا هل هو طالب علم. ربما يباحثون في مسألة من مسائل النحو، أحياناً يباحثون في مسألة من مسائل الأصول، أحياناً يباحثون في آية من القرآن: ما إعرابها؟ ما إعراب كذا في الآية؟ ولم كان هذا الإعراب؟ أحياناً يباحثونه في حديث، يقولون له: ما طرق هذا الحديث؟ إن كان من أهل الحديث، وما درجته في الصحة والضعف. أحياناً يختبرونه بمسائل الفقه، فيقول مثلاً: المسألة الفقهية على كذا، فيقولون له: فإن قيل لك كذا في المسألة، ما جوابه؟ ليختبروا فطنته وتحصيله في العلم. هذه عادة أهل العلم. بلغ أهل بغداد أن محمد بن إسماعيل حافظ لا نظير له في زمانه، وكان علي بن المديني شيخه يقول عنه، يقول: وقد قال البخاري في ابن المديني: «ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني». فكان علي بن المديني، وهو أعلم أهل زمانه في علل الحديث، يقول: «دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه». هكذا يقول علي بن المديني في تلميذه أبي عبد الله البخاري. شهرة الإمام البخاري عند أهل العلم متداولة، أنه رجل من علماء الشأن. وصل إلى بغداد، فانتدب عشرة من المحدثين، واقتسموا مئة حديث. كل واحد له عشرة أحاديث، أخذوا أسانيدها وغالطوا فيها. فالأول أخذ عشرة من أحاديث الثاني، وركب عشرة من أحاديث الآخر، فصارت الأسانيد غير الأحاديث. مثل أن يقول مثلاً: عن نافع عن سالم عن ابن عمر: «إنما الأعمال بالنيات». مثلاً الحديث ليس من حديث نافع عن سالم عن ابن عمر، إنما هو من حديث علقمة بن وقاص الليثي عن عمر، إبراهيم التيمي عن علقمة عن عمر. وليس نافع عن ابن عمر، ليس نافع عن ابن عمر. مثل هذه الصور. كل واحد أخذ عشرة أحاديث، قلب إسنادها ومتنها. قال الأول: يا أبا عبد الله، حديث كذا. قال البخاري: لا أعرف. قال: حديث كذا، حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لا أعرف. قال: حديث كذا. قال: لا أعرف. حتى أتم العشرة، والبخاري لا يزيد عليه إلا أن يقول: لا أعرف. فانتدب الثاني، قال: يا أبا عبد الله، حديث حدثناه فلان، قال حدثنا فلان. قال: لا أعرف. قال: حديث كذا. قال: لا أعرف. قال: حديث كذا. قال: لا أعرف. حتى أتم العشرة، والبخاري لا يزيد على أن يقول: لا أعرف. ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، ثم السادس، ثم السابع، ثم الثامن، ثم التاسع، ثم العاشر. فأما العامة فقالوا: ما هذا الرجل؟ يعني سويته دعاية وزحمة على شخص ما يستحق، حتى نجلس عنده أحاديث يمكن عجائزنا في البيوت يحفظونها، ويقول: ما أعرفها. طيب، مثل هذا تجلسون معه؟ يعني إيش هذا الرجل؟ أما العامة فقالوا: هذا جاهل، استجهلوه. وأما العلماء فقالوا: فطن الرجل، الرجل عرف أنها أحاديث مقلوبة. خلاص، انتهى الامتحان لهذا الموضوع. فالتفت البخاري إلى الرجل الأول، قال: قلت لي حديث كذا، وذكرت إسناده، وهو كذا وكذا وكذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا. والصواب أن الحديث على كذا وكذا وكذا، والإسناد كذا، والمتن كذا. ثم قلت في حديثك الثاني كذا وكذا وكذا وكذا، وهذا غلط، والصواب كذا. ثم قلت في الثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن، والتاسع، والعاشر. ثم التفت إلى الثاني، وقال: قلت لي حديث كذا، وهذا غلط، والصواب كذا. فانبهروا، حتى أتم المئة. قالوا: ليس العجب أن يعرف الخطأ من الصواب، لكن أعجب من هذا أن يحفظ الغلط من مرة واحدة، ولا يضع أحاديث هذا في هذا، ولا هذا في هذا، وهي مئة حديث لعشرة أشخاص، لم يخطئ في واحد، فيقول له: قلت كذا. قال: لا، هذا فلان، غلطك مهنا. يعني سبحان الله! فخضعوا، وعرفوا منزلة إمام المحدثين. الغرض من هذا: امتحان العالم. الغرض من هذا: امتحان هذا العالم. وهذا شيء أقرب إلى الكرامة، هذه إعانة من الله، ليس أمراً عادياً. هذا ليس أمراً عادياً. ربما بعض الناس قد لا يصدق أن هذا حصل، من شدة استغرابه. سبحان الله، هذا شيء عجيب. ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قال: وقد نبه الشيخ أبو عمر هاهنا على أنه لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث المغير، الحكم بضعفه في نفسه، إذ قد يكون له إسناد آخر، إلا أن ينص إمام على أنه لا يروى إلا من هذا الوجه. يعني الحديث إذا انتقد إسناده لكونه مقلوباً ونحوها ونحوها، فهل يقتضي ذلك أن يكون المتن مردوداً؟ يقول ابن الصلاح: لا يلزم، إذ قد يوجد إسناد آخر صحيح يتقوى به هذا الحديث، إلا في حالة واحدة: إذا نص إمام مطلع على أن هذا الحديث لا يعرف إلا بهذا الإسناد، حينئذ يقال: هذا الحديث ضعيف، وإن كنا لم نبحث، اعتماداً على هذا الإمام وهذا العالم. وهذا الباب باب يحصل فيه الوهم، ولهذا استحسن من أهل العلم أن يقيدوا، فيقولوا كما يقول البزار: «لا أعلم هذا الحديث إلا من حديث» مثلاً: الوضين بن وضاح عن ابن عباس، مثلاً: حديث «العينان وكاء السهي» من حديث الوضين عن علي بن أبي طالب. مثلاً هكذا ذكر، فيقول: لا أعلم، لا أعلم، يعني أنه يمكن أن يوجد عند غيره علم آخر بإسناد آخر، أنا لا أعلمه. فأنا أحيل إلى علمي. هذا أضبط. لكن أن يقول العالم: لا يروى إلا كذا، فإنه قد يأتي من يهمس ويقول: عفى الله عنك، فاتك هذا الحديث، له إسناد آخر من طريق فلان، أخرجه أبو نعيم في الحلية، أو أخرجه فلان في كتاب التاريخ، أو في كتاب المسائل، أو في العلل، أو في كذا، فيرد عليه الوهم. يرد عليه الوهم. لكن إذا كان الإمام من الأئمة الجهابذة، فالأصل قبول قوله، كأبي حاتم وأبي زرعة والبخاري ومسلم وعلي بن المديني وغيرهم من أهل الشأن، وأحمد بن حنبل. قال: قلت: لا يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المناظر وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها حتى يثبت بطريق أخرى، والله أعلم. يعني في سبيل البحث، المناظر إذا أبدى المناظر إسناداً، فقال المناظر: هذا الإسناد ليس بصحيح، هذا الإسناد معلول، فلان لم يسمع من فلان، فلان لم يدرك فلان. فمثل هذا كاف في رد هذا الحديث، حتى يثبت الإسناد. هكذا يقول ابن كثير رحمه الله تعالى وغفر، كما تقدم. العبرة الأولى في مثل هذا: أن يقيد، فيقال: إسناده ضعيف، هذا الإسناد معلول. هذا أضبط من أن ترد الجميع، فتقول: حديث ضعيف مطلقاً، إذ قد يوجد له طريق لم تطلع عليه. قال: ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحو ذلك، إلا في صفات الله عز وجل، وفي باب الحلال والحرام. قال: وممن يرخص في رواية الضعيف فيما ذكرناه: ابن مهدي، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى. هذه مسألة من المسائل المهمة: وهي الحديث الضعيف، هل يشرع ذكره في باب الترغيب والترهيب، الذي يقصد به تنشيط الإنسان للعمل؟ والذي عليه المحققون في هذه المسألة: أن هذا له شروط. القول بالجواز ليس على إطلاقه، بل له شروط. شروط ثلاثة: أولها: أن لا يعتقد ثبوته. أن لا يعتقد ثبوت الحديث، فإن اعتقد ثبوته فهذا لا يجوز. أن لا يعتقد ثبوت الحديث، بل يعتقد ضعفه. والأمر الثاني: أن يكون الضعف يسيراً. فإن كان الضعف شديداً فإنه لا يجوز ذكره. أن يكون الضعف يسيراً. أن يكون الضعف يسيراً. الشرط الثالث: أن يكون مما يندرج تحت أصل عام، وليس أصلاً في نفسه. أن يكون يندرج تحت أصل عام، بمعنى أن يرد مثلاً في حديث صلاة الضحى والحث عليها، حديث في سنده ضعف، فاستدل به عالِم على وجه ترغيب الناس لفعل ركعتي الضحى مثلاً. قلنا: هل الحديث عندك عملت به لأنه صحيح ثابت؟ قال: لا، أنا أعلم أنه ضعيف. قلنا: هذه واحدة. هل ضعف شديد أم يسير؟ قال: ضعف يسير. قلنا: هذه الثانية. هل يندرج تحت أصل، أم هذا مما له فضل خاص؟ كمن يقول مثلاً: من صلى عشرين ركعة من الضحى فله في الجنة كذا وكذا. هذا أصل، لأن فضل العشرين ليس عندنا عليه دليل، ثم تعيين شيء في الجنة يحتاج إلى شيء ثابت، فكيف تستدل بحديث ضعيف على أمر غيبي في الجنة؟ لكن لو ورد ينبغي حديث مثلاً في الحث على صلاة الضحى عموماً، قلنا: أدلة الحث على الضحى كثيرة، وهذا يندرج تحتها، يندرج تحتها. هكذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في بيان منهج أهل العلم في هذه المسألة. هكذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. لكن الأولى في هذه المسألة: أن يترك الحديث الضعيف، ويستغنى بأحاديث الثقات. فإن توفر هذه الشروط عسر، توفر هذه الشروط أمر عسر. فالأولى أن لا يتوسع في هذا الباب. وهذا الذي عليه أهل العلم المحققون. أما ما يروى عن الإمام أحمد من أنه تساهل في الضعيف، فالمراد به: الحسن لغيره. فالإمام أحمد يسمي الحسن لغيره، يجعله ضمن الضعيف، كما أبان ابن القيم وغيره من أهل العلم. فعلى هذا، كلام الإمام أحمد في واد آخر، وهو الاستدلال بالحديث الحسن في أبواب الأحكام، التساهل فيه، لأنه عنده ضعفه منجبر بغيره، فهو حسن لغيره، وإن لم يسمه حسناً لغيره، وإن سماه ضعيفاً، فليس بالضعيف الذي نبحثه. فالخلاصة: أن الحديث الضعيف لا يعمل به، لا في فضائل الأعمال ولا في غيرها. ولو لم يكن إلا أن تعلق الناس في الأحاديث الضعيفة يضعف انتشار الأحاديث الصحيحة والتفات الناس إليها، لكان كافياً في ضعف هذا المذهب. عندنا مثلاً: باب أذكار الصباح والمساء، توجد أحاديث صحيحة وتوجد أحاديث ضعيفة. بعض العلماء يقول: لا بأس أن يتغاضى في فضائل الأعمال، كما يقول النووي في كتابه في الأذكار. لكن هذا ليس بصواب، لأن الناس ينصرفون في ذكر الله عز وجل إلى ألفاظ لم ترد، يتعبدون بذكرها، ويعتقدون أجرها وفضلها، ويتركون الأحاديث الصحيحة. لا سيما مع قولنا: إنه يشرع أن تذكر ما تيسر لك، فربما كان هذا المتيسر كله لا يثبت. فكان إشغال الناس بالأحاديث الصحيحة، أو لا إشغال الناس بالأحاديث الصحيحة، وجعلهم يعتكفون على الصحيح، فيه شغل شاغل عما سواه من الأحاديث الضعيفة. يقول رحمه الله: قال: وإذا عزوته إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير إسناد، فلا تقول: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا وكذا. هذه صيغة جزم فيها إثبات، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض. يعني تقول: يروى، يذكر، قيل، روي، ذكر. ولا تقول: قالوا، أو قال صلى الله عليه وسلم، أو ذكر صلى الله عليه وسلم، أو روى صلى الله عليه، روى ابن عمر عن رسول الله. هذه كلها صيغ جزم. ولكن تأتي بصيغ التمريض. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». في رواية: «أحد الكاذبين»، أو قال: «أحد الكاذبين». قال العلماء: يدخل في هذا من ينقل أحاديث عن الرسول، أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدري صحتها، فيقول: قال صلى الله عليه وسلم أكثر. هل وضعه عندك؟ قال: لا. قل: روي عن رسول الله، لكي يشعر السامع أنك حين ذكرت هذا اللفظ إنما تعني تضعيف الحديث، أو تضعيف إسناده، أو بيان أنه من الأحاديث المنتقد. إذن: الأحاديث الصحيحة يقال فيها بصيغ الجزم: قال صلى الله عليه وسلم، ذكر صلى الله عليه وسلم. والأحاديث التي في إسنادها ضعف يقال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك. هذه القاعدة نقل النووي فيها الإجماع في مقدمة المجموع، نقل عليها اتفاق أهل الحديث. نقل النووي في مقدمة المجموع على هذه القاعدة اتفاق أهل الحديث. والصواب: أنها أغلبية، فقد يوجد في بعض أهل العلم من يستخدم صيغة التمريض في أحاديث ثابتة. وجد هذا في صحيح البخاري، عندنا المعلقات، منها ما هو بصيغة التمريض، ومنها ما هو بصيغة الجزم. والذي بصيغة التمريض، قسم كثير منه جداً، أحاديث ثابتة. قد يكون البخاري رحمه الله ساقها بصيغة التمريض لا لقصد تضعيفها، بل لقصد التنبيه على أنها يتأنى فيها، إذ هي معلقة، أو فيها شيء. القاعدة هذه أغلبية. قاعدة: أن الحديث الصحيح يقال فيه بصيغة الجزم، والضعيف يقال فيه بصيغة التمريض، أغلبية. هذا الذي دلت عليه، دل عليه النظر في هذه المسألة. قال رحمه الله: وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض. وكذا فيما يشك في صحته، لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب». يرى في رواية: «يرى»، فهو أحد الكاذبين. في رواية: «أحد الكاذبين». والحديث صحيح، ويدل على وجوب التحري فيما ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. بهذا ينتهي الكلام على الحديث الضعيف وأقسامه. وهذه خاتمة لمسائل الحديث الضعيف. خاتمة لمسائل الحديث الضعيف. سيدخل رحمه الله في أبواب أخرى مهمة. إذا كان لكم شيء، وإلا وقفنا هاهنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.