الدرس في القواعد والأصول الجامعة 49، ألقاها
يناقش الدرس شروط الصلح والتعاقد في الإسلام مستندًا إلى القواعد والأصول الجامعة للعلامة السعدي. يبين أن الصلح جائز بين المسلمين إلا إذا أحل حرامًا أو حرم حلالًا.
الأصل في الشروط الجواز إذا كانت خالية من المحذور الشرعي، بينما تُعتبر الشروط باطلة إذا خالفت الشرع أو مقتضى العقد. يشمل ذلك شروط الانتفاع وتأجيل الثمن.
يتناول الدرس أحكام الشروط في الوقف والنكاح، حيث يجب الوفاء بالشروط التي لا تخالف الشرع بينما الشروط المخالفة فهي باطلة. يشمل ذلك شروط الوقف على الأولاد والشروط بين الزوجين.
يُنهي الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويظهر فيه التبرك بالصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة» في ذكره للقاعدة الثانية والعشرين: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا». قال: ومثال الصلح الذي لا يجوز، كأن يصالح من يقر له أنه عبده أو أنها زوجته، وهو كاذب. يعني هذا الصلح لا يجوز أن يصالح إنسان على أنه عبده، فيقر له بذلك. يعني يطالب ويدعي أن هذا العبد الفلاني عبده، فيأتي فيصالح، يقول: نعم، أنا عبدك، وليس بعبده، هذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه تحليل ما حرم الله، وملك ما لا يملكه. أو كذلك أيضًا الزوجة إذا ادعى أنها زوجته وهو كاذب، فما يقال مثلًا: نصلح بينك وبينها على أنها زوجتك، وليس بزوجته، هذا ما يجوز؛ لأن هذا فيه تحليل للحرام، فهذا لا يجوز. قالوا: أن يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره، والمدين عالم به، فيصالحه على ما يجحف بصاحب الحق. أن يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره، يعني مقدار الدين الذي أخذه منه المدين، والمدين عالم به، لكن كتمه، فيصالحه على ما يجحف به صاحب الحق. يعني مثلًا الدين عشرة آلاف، الدين عشرة آلاف، صاحب الدين، صاحب المال، نسي كم مقدار الدين، والذي أخذ الدين يعلم كم مقداره، يعلم أنه عشرة آلاف، لكن كتم ذلك، وقال: ما أدري، الله عالم كم الدين. فيقول له مثلًا: ما رأيك نجعله خمسة آلاف؟ نقدر أنه خمسة آلاف. يقول هذا المدين بصاحب الحق: نقدر أن هذا الدين خمسة آلاف، ثم يصالح معه على ألفين أو ألفين وخمسمائة، هذا لا يجوز؛ لأنه فيه إجحاف بصاحب الحق. يعني الدين ينزل من عشرة آلاف إلى ألفين وخمسمائة، هذا فيه إجحاف بصاحب الحق، فمثل هذا لا يجوز. قال: وكل صلح أدخل في محرم، فحكمه كذلك. كل صلح أدخل الإنسان في محرم، فإنه محرم لا يجوز. قال رحمه الله: «والأصل الآخر» يعني القاعدة الثالثة والعشرون. انتهى الآن من القاعدة الثانية والعشرين. قال: «والأصل الآخر: أن الشروط التي يشترطها المتعاقدان أو أحدهما على الآخر». قوله: «الشروط التي يشترطها المتعاقدان أو أحدهما» خرجت الشروط التي هي من جهة الشرع. فعندنا الشروط على قسمين: شروط في الشيء، وشروط الشيء. شروط الشيء يعني الشروط التي وضعها الشرع لصحة العبادة أو المعاملة، هذه يسمى شروط الشيء. وعندنا شروط في الشيء، وهذه التي يشترطها المتعاقدان أو أحدهما. يشترطها المتعاقدان أو أحدهما، مثلًا في البيع، يعني من شروط البيع التي جعلها الشرع ووضعها الشرع حتى يصح البيع: ملك المبيع، الرضا. طيب، هذه شروط يسمى شروط البيع، يسمى شروط الشيء، هذه من جهة الشرع. وعندنا شروط في الشيء، شروط في البيع، هذه تكون من المتعاقدان أو من أحدهما. يعني مثلًا يشترط أحد المتعاقدان: يقول: أبيع لك هذه السلعة بشرط أن يسلمها لك بعد شهر. هذا يسمى شرط في البيع؛ لأنه من جهة صاحب العقد، وضعه أحد المتعاقدان أو أحد المتعاقدين، هذا يسمى شروط في الشيء. الفرق بينهما: بين شروط الشيء وشروط في الشيء، أن شروط الشيء تكون من جهة الشرع، والشروط في الشيء تكون من جهة المتعاقدين. شروط الشيء لا يصح الشيء إلا بها، لا يصح الشيء إلا بها. فالبيع لا يصح إلا بالشروط التي وضعها الشرع، النكاح لا يصح إلا بالشروط التي وضعها الشرع. أما الشروط في الشيء، فيصح هذا الشيء من غير وجود هذه الشروط؛ لأنها من وضع المتعاقدين. الفرق الثالث: أن شروط الشيء لا يجوز إسقاطها أو التنازل عنها. وأما الشروط في الشيء، فيجوز إسقاطها أو التنازل عنها. ويكون حينئذ، يعني إذا لم يقم بها من شرط عليه، فللآخر الخيار، له الخيار بإمضاء العقد أو فسخه. ويجوز لواضع الشرط أن يتنازل عنه. مثلًا في النكاح، إذا اشترطت المرأة على زوجها أنه لا يتزوج عليها، هذا الشرط اشترطته ووافق عليه الزوج، هل يجوز للمرأة هذه أن تتنازل عن هذا الشرط في المستقبل؟ الجواب: نعم، يجوز أن تتنازل عن هذا الشرط. وكذلك أيضًا يجوز للزوج، مثلًا إذا رأى المصلحة والحاجة أن يتزوج عليها، وهي بعد ذلك مخيرة، إما أن تبقى معه، وإما أن تفسخ النكاح. لكن الشروط الشرعية ما يجوز للإنسان أن يسقطها، لا يجوز أن يسقطها. فما يقول مثلًا: يعني من شروط الشرع أن تتزوج المرأة بولي. طيب، يقول للمرأة: أن تتزوج من غير ولي، هذا لا يجوز، وإن رضيت بذلك، ورضي هو بذلك؛ لأن هذا الشرط من جهة الشرع، لا يجوز إسقاطه بأي حال من الأحوال. فيقول: «الشروط التي يشترطها المتعاقدان أو أحدهما على الآخر، فهي جائزة؛ لما فيها من مصلحة المشترط، وخلوها من المحذور الشرعي». يعني هذا الأصل في الشروط الجواز، الأصل في الشروط الجواز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا». فإذا كان الشرط ليس فيه مخالفة شرعية، فإنه يجوز اشتراطه. قال: كأن يبيع شيئًا ويشترط الانتفاع به مدة معلومة. يبيع شيئًا ويشترط الانتفاع به مدة معلومة، يقول للمشتري: أبيع لك هذا البيت بشرط أني أسلمه لك بعد شهر، أنا سأنتفع به خلال هذا الشهر، وبعد انتهاء الشهر أسلمه لك، هل يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز. هذا الشرط ليس فيه مخالفة شرعية، ويدل عليه حديث جابر؛ لما باع للنبي صلى الله عليه وسلم جملًا، اشترط جابر أن يحمله إلى أهله، وافق النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الشرط جائز، ليس فيه مخالفة شرعية. قال: أو يشترط تأجيل الثمن أو بعضه. يعني يقول: أشتري منك هذه السيارة، أعطيك الآن نصف الثمن، والنصف الثاني بعد شهر، هذا جائز، ليس فيه مخالفة شرعية. قال: أو وصف مقصود في المبيع. يعني يشترط شيء مقصود في المبيع، فيقول مثلًا: أريد سأشتري منك ناقة، لكن أشترط أن تكون هذه الناقة ذات حليب، ذات حلوب، فيه حليب، هذا الشرط يعني مقصود في البيع، لا بأس به، ليس فيه مخالفة شرعية. قال: أو وثيقة. يعني أبيع لك هذه الأرض بشرط أريد وثيقة، أو أشتري منك هذه الأرض بشرط أن يكون معك وثيقة على هذه الأرض، هذا ما فيه شيء. قال: أو يشترط... قال: أو وثيقة، كرهن وضمان ونحو ذلك. أو وثيقة يعني كأن يعطيه دين، يأتي فلان مثلًا إلى زيد، يأتي إلى عمر، يقول: يا عمر، أنا أريد منك دين، محتاج. يقول عمر لزيد: أعطيك، لكن أريد أن توثق هذا الدين، كيف توثقه؟ إما أن تأتي برهن، ترهن شيء عندي، ذهب أو وثيقة أرض أو نحو ذلك، هذا جائز، أو ضمان، تأتي من يضمن لك، يضمن أنك تسدد الدين، هذا جائز، أو كفيله ليكفلك، ونحو ذلك. قال: أو من الشروط... ونحو ذلك من الشروط التي لا محذور فيها، وفيها مصلحة للمشترط، يعني نحو هذه الشروط التي هي فيها مصلحة شرعية، فيجوز اشتراطها. قال: أو مثال الشروط التي لا تصح: كأن يبيع العبد ويشترط... كأن يبيع العبد ويشترط أن الولاء للبائع، أو يشترط أن لا تتصرّف فيه بما يخالف مقصود العقد. أن يبيع العبد ويشترط أن الولاء للبائع، يعني يقول صاحب العبد: أنا أبيع لك هذا العبد، يقول للمشتري: لكن ولاءه لي، لكن ولاءه لي، هذا لا يجوز؛ لأن الشرع قد حكم بأن الولاء لمن أعتق، الولاء لمن أعتق، لمن اشترى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئة شرط، كتاب الله أحق». وإنما الولاء لمن أعتق، فلا يجوز لبائع العبد أن يشترط له الولاء، إنما الولاء لمن اشترى وأعتقه، هذا شرط باطل؛ لأنه مخالف للشرع. قال: أو يشترط أن لا تتصرّف فيه مما يخالف مقصود العقد. يعني يبيع شيء ويشترط شروطًا تخالف مقصود العقد، يقول مثلًا: أبيعك هذه السيارة بشرط أنك لا تركبها، أو أنك لا تبيعها، أو أنك لا تأجرها، أو أنك لا تهبها لأحد، هذه الشروط ما يجوز اشتراطها؛ لأنها مخالفة لمقصود العقد؛ لأن الإنسان إذا اشترى شيئًا، فإنه يشتريه ويملك ماذا؟ سائر تصرفات المتعلقة بهذا المبيع. فاشتراط مثل هذه الشروط لا يجوز؛ لأنها مخالفة لمقتضى العقد. قالوا: من الشروط الجائزة: شروط الواقفين في أوقافهم إذا لم تخالف الشرع، ويجب العمل بها. شروط الواقفين في أوقافهم إذا لم تخالف الشرع، أما إذا خالفت الشرع، فإنه لا تنفذ. يعني لو قال شخص: أنا أوقف هذه الأرض أو هذه المزرعة، وما يخرج منها من ثمر أو من مال، يباع وينفق ماله على القبر الفلاني أو زيارة الفلانية، هذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه مخالفة للشرع. أما إذا قال مثلًا: ينفق ماله على الفقراء والمساكين ونحو ذلك، فهذا جائز. قال: وكذلك الشروط، أو مثلًا أوقف على بعض أولاده دون البعض، هذا لا يجوز؛ أن الواجب العدل بين الأولاد، فإذا أوقف على بعضهم دون البعض، فهذا الوقف غير صحيح. قال: وكذلك الشروط بين الزوجين، كأن تشترط المرأة على زوجها ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرّ، أو زيادة مهر، أو نفقة، فيجب الوفاء بها. فإن لم يفِ بها، فلها فسخ النكاح. الشروط بين الزوجين، يعني شروط بينهم في النكاح، مما يشترطه أحد الزوجين. كاشتراط الزوجة مثلًا على زوجها ألا يخرجها من دارها أو بلدها، تقول: أتزوجك بشرط أنك ما تخرجني من هذه البلد، ما أسافر أي مكان، أبقى في هذه البلاد، هذا الشرط، الشرط صحيح، إذا راضي به الزوج، يجب عليه الوفاء به، ليس في مخالفة شرعية. أو اشترطت أنه لا يتزوج عليها، اشترطت أنه لا يتزوج عليها، وهذا الشرط الصحيح، أنه يصح؛ لأن الزواج على المرأة، والتعدد هذا حق له، هذا حق له أجازه له الشرع، فإذا أسقطه، فقد أسقط حقًا له، فإذا اشترطت المرأة ذلك، يجب على الزوج أن يفي بذلك، فلا يتزوج عليها. أو لا يتسرّ، التسري يعني لا يتخذ إماء، لا يتخذ إماء مع هذه الزوجة. أو زيادة في مهر، إذا اشترطت زيادة في المهر، المهر المعتاد والمعروف مثلًا أن المهر تعطى المرأة مثلًا مئة ألف، فاشترطت أن يعطيها ثلاثمئة ألف، فرضي بذلك، يفي لها بذلك. أو زيادة نفقة، إذا كانت النفقة مثلًا في الشهر عشرة آلاف، قالت: أريد خمسة عشر ألفًا، فرضي بذلك، يلزمه. قال: فيجب الوفاء بها، فإن لم يفِ بها، فلها فسخ النكاح. يعني إذا تزوجها وبعد الزواج قال: أنا سأتزوج عليك. قالت: أنا اشترطت. قال: لكن أنا أرى أني محتاج للزواج، فتزوج عليها، فهنا لها فسخ النكاح، هي مخيرة، إن شاءت بقيت معه وتنازلت عن هذا الشرط، وإن شاءت قالت: أنا اشترطت، فالنكاح بيني وبينك منتهي، فتفسخ النكاح، ولا ترد له شيء؛ لأنها اشترطت. وفي بعض النسخ: ولا يلزمها الخلع، يعني ما يلزم أن تختلع منه، يعني وترد له ما أعطى. لماذا؟ لأنها اشترطت أنه لا يتزوج عليها، فلها أن تفسخ النكاح ولا ترد له شيئًا. قالوا: من الشروط الفاسدة: نكاح المتعة، ونكاح التحليل، ولا يفيد الحل لمطلقها الأول ثلاثًا. هذه من الشروط الفاسدة. نكاح المتعة: أن يتزوج الرجل المرأة بشيء إلى أجل محدود، إذا انقضى الأجل، انقضى النكاح، انتهى النكاح، يقول: تزوجك مثلًا إلى شهر، يعطيها ما يتيسر من مال، ولا ثياب ولا أي شيء، لمدة شهر، إذا انتهى هذا الشهر، فصل بينهما من غير طلاق ولا شيء، هذا يسمى نكاح المتعة، هذا النكاح محرم، محرم بإجماع أهل العلم، وإجماع المسلمين، ولم يخالف إلا الشيعة الرافضة، هذا النكاح فاسد. قالوا: نكاح التحليل، نكاح التحليل، وهو أن يطلق الرجل امرأته طلاقًا بائنًا، يعطيها الثلاث الطلقات التي لها، فتحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فهنا يأتي فيقول لشخص: أريدك أن تتزوج فلانة، ثم تطلقها حتى تحلها لي. هي الآن محرمة علي، ما أستطيع أن أتزوجها حتى تتزوج برجل غيري. فيقول: تمام، يتزوجها منية التحليل، أن يحللها للأول، هذا النكاح باطل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعَن الله المحلل والمحلل له». لعن الله المحلل والمحلل له، فهذا النكاح لا يعتبر نكاحًا شرعيًا، بل يعتبر زنا، ولا تحل للأول، بل هي محرمة عليه حتى تنكح يعني رجلًا آخر بغير نية التحليل، فاشتراط هذا الشرط باطل، يعني اشتراط أن يتزوجها بنية التحليل، وأن يطلقها بعد الزواج، هذا باطل، وهذا النكاح لا يصح بذلك. قال: ولا يفيد الحل، يعني ما تحل للأول، لمطلقها الأول ثلاثًا. إذن، خلاصة أن الشروط على ثلاث أقسام: شروط لا تخالف الشرع، فهذه شروط جائزة، ويجب الوفاء بها. والنوع شرطًا مخالفة للشرع، فهذه شروط باطلة، لا يجوز الوفاء بها. والنوع الثالث: شروط مسكوت عنها، شروط مسكوت عنها، فهذه إذا كانت غير مخالفة للشرع، فهي جائزة، ويجب الوفاء بها. يعني القسم الأول: شروط موافقة للشرع، والقسم الثاني: شروط مخالفة للشرع، الأول جائزة، ويجب الوفاء بها، والثانية باطلة، لا يجب الوفاء بها. والقسم الثالث: شروط مسكوت عنها، لكن ليس فيها مخالفة للشرع، فهذه جائزة، ويجب الوفاء بها. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم، عن أبينا محمد، وألي وصحبي أجمعين.