الخطبة بعنوان دروس مستفادة من الحج، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 ذو الحجة 1439هـ ألقاها
يتناول أهمية تحقيق التوحيد لله في الحج، حيث أمر الله إبراهيم بتطهير البيت الحرام. التوحيد هو أحد الدروس الهامة المستفادة من الحج.
يشرح أهمية التوحيد والمتابعة للرسول في الحج، ويبين أن الحج لا يصح إلا بإخلاص العبادة لله ومتابعة هدي النبي. كما يشير إلى أهمية الدعاء وتجرد الحجاج في لباس الإحرام.
يبرز دروسًا وعبرًا من حج بيت الله الحرام، حيث يشير إلى أهمية تجرد الحجاج من ثيابهم ولبسهم لإحرامهم، ويؤكد على أهمية الذكر لله في الطاعات.
يتضمن دعاءً لإصلاح الأمة وسيادة طاعة الله، ودعاءً على اليهود والنصارى وأعوانهم بالخذلان والعقاب، وينتهي بالثناء على الله والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وفي صحيح الإمام مسلم عن ابن هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا». عباد الله، إن الحج فريضة عظيمة من فرائض هذا الدين، وركن عظيم من أركانه التي لا يستقيم إسلام المرء إلا بفعلها والإتيان بها. وليس المقام في ذكر فرضية الحج، أو فيما يتعلق به من بيان صفته وكيفيته، ولكن المقصود في هذا المقام أن نذكر شيئًا من الدروس والعبر التي يستفاد من هذه الفريضة العظيمة. ومن أول هذه الدروس وأهمها: تحقيق التوحيد لله سبحانه وتعالى، وإفراده جل وعلا بالعبادة. قال الله جل وعلا: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئًا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾. هكذا أخبر الله جل وعلا أنه منذ أن بوأ لإبراهيم وهيأ له إقامة بيت الله الحرام أمره أن يقيمه على التوحيد لله جل وعلا، على التوحيد الخالص والبعد عن الشرك بجميع صوره وأنواعه. وإبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت الحرام، ولذلك جاء في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، أي بيت وضع أول؟ قال: «البيت الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «بيت المقدس». قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة». قال ربنا جل وعلا: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾. فأمره الله جل وعلا أن يقيمه على التوحيد، وأن يطهره من الشرك والدنس والأقذار والأوساخ. وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود. قال قتادة ومجاهد رحمهم الله: «أن طهرا بيتي» قال: «من الشرك». هكذا أمر الله جل وعلا أن يجنبه الشرك بالله جل وعلا. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الأصل العظيم، اتباعًا لملة إبراهيم في أمره بتطهير البيت الحرام من الشرك وصوره وأدناسه. ولذلك لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمر بكسر الأصنام التي حول البيت، وبمسح الصور التي كانت في داخل الكعبة، ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم المشركين أن يحجوا بالبيت، فقال: «لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». وهكذا لما حج النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع في السنة العاشرة، قال جابر رضي الله عنه وهو واصف حج النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد»، أي بالتلبية التي هي شعار عظيم من شعارات التوحيد لله جل وعلا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وهكذا الحاج إذا أحرم بالحج فإنه يشرع بهذه التلبية، معلنًا لها ومظهرًا لها ورافعًا صوته بها، إعلانًا بالتوحيد لله سبحانه وتعالى، وأنه لا حق لأحد من الخلق مع الله جل وعلا بشيء من أنواع العبادات والطاعات والقربات. قال جل وعلا: ﴿حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾. أي أنه ينبغي للعباد أن يكونوا حنفاء لله جل وعلا، أي مائلين من الشرك إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، غير مشركين به أي أحد من الخلق. ومنها: معرفة أهمية المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام. فحج النبي صلى الله عليه وسلم بالناس في حجة الوداع، وهو يقول: «خذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا». خذوا عني، أي تعلموا مني مناسك الحج، فإن الحج لا يصح إلا إذا حج المرء كما حج النبي عليه الصلاة والسلام، وكان متابعًا فيه للرسول عليه الصلاة والسلام. فإذا خالف أمره وخالف سنته وخالف هديه في هذه العبادة العظيمة، كان حجه مردودًا عليه غير مقبول منه. ولذلك انظروا إلى بعض الصور في بيان الصحابة رضي الله عنهم لأهمية هذا المقام العظيم. جاء في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قبل الحجر الأسود وقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل كما قبلتك ما قبلتك». ففي هذا الأثر فائدتان: الأولى فيما ذكر سابقًا من بيان أهمية التوحيد. وهكذا أيضًا جاء عند الترمذي أن معاوية رضي الله عنه استلم من البيت الأركان كلها، الركنين اليمانيين والشاميين، فأنكر عليه ابن عباس، فقال معاوية رضي الله عنه: «ليس في البيت شيء مهجور». فقال ابن عباس: «ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستلم من البيت إلا الحجر الأسود والركن اليماني». هكذا يخبر عبد الله ابن عباس رضي الله عنه بأن الأمر هو الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام. وفي صحيح الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». متفق عليه. وفي صحيح الإمام مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». إذا لا بد في العبادة من وجود هذين الشرطين العظيمين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ومنها كذلك: أهمية الدعاء. دعاء الله جل وعلا والإخلاص فيه والاعتماد على الله جل وعلا. فكم من مواطن في الحج يتوجه بها الحاج إلى الله جل وعلا، دافعًا يديه داعيًا ربه سبحانه وتعالى. وفي ذلك الموقف العظيم الذي يجتمع فيه الناس من سائر أقطار الأرض إلى بيت الله الحرام، يذكر المسلم بذلك اليوم العظيم يوم أن يجمع الله عز وجل الخلائق جميعًا، الأولين والآخرين، لمحاسبتهم ومجازتهم على أعمالهم. قال جل وعلا: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا﴾. هكذا يجتمع الحجاج وفودًا وجماعات متعددة، يسيرون معًا وينطلقون لأداء مناسك الحج. وفي تجردهم من ثيابهم ولبسهم لثياب الإحرام، يذكرنا ذلك بأمر عظيم جاءت به هذه الشريعة، وهي أمر العربية والعجمية والأبيض والأسود، الجميع على هيئة واحدة. قال جل وعلا: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. فلا فرق بين إنسان وآخر من أهل الإسلام إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى. فهي المفرقة بين العبد وبين أخيه. أما بقية الأمور من الأنساب والأموال والمناصب والأشكال، فإنها لا عبرة بها عند الله سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فما أحوج المسلم أن يصحح أعماله، وأن يطهر قلبه من الشرك وسائر الذنوب والمعاصي، وأن يحقق تقوى الله جل وعلا التي بها تكون نفعه في الدنيا والآخرة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، من الدروس والعبر في حج بيت الله الحرام: ما ذكرنا من تلكم الهيئة التي يكون بها حجاج بيت الله الحرام، من تجردهم من ثيابهم ولبسهم لثياب الإحرام الإزار والرداء الأبيضين. فما أعظمهما من مذكر للعبد بموته ورحيله من هذه الدنيا. فإن العبد إذا مات جرد من ثيابه التي كان عليها، وألبس الحنوط والكفن، فلا يخرج من هذه الدنيا إلا بحنوطه وكفنه. وهكذا صفة الحاج، فإنه قد تجرد من ثيابه ولبس ثياب الإحرام الإزار والرداء. فإن ذلك يذكره بموته ورحيله عن هذه الدنيا، بتلك الحال وتلك الصفة التي يخرج بها من هذه الدار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله». متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. فما أحرى المسلم أن يهيئ نفسه لمثل ذلك اليوم، ولمثل تلك اللحظات التي بها يفارق هذه الدنيا ويخرج منها كما دخل إليها عاريًا، ليس معه إلا أكفانه وحنوطه وأعماله التي عملها في هذه الحياة. ومنها عباد الله: أهمية الذكر لله جل وعلا في الطاعة والعبادة. فإن جميع مناسك الحج كلها أقيمت لذكر الله جل وعلا، وهي مجتمعة على ذلك: الطواف والسعي والوقوف بعرفة، وهكذا المبيت بمزدلفة ورمي الجمار، وكذلك ذبح الهدايا والأضاحي، وغير ذلك من العبادات والطاعات، كلها فعلت وأمر بها لأجل إقامة ذكر الله سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا﴾. فمن الناس من يقول: «ربنا آتنا في الدنيا»، وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». أولئك لهم نصيب مما كسبوا، والله سريع الحساب. هكذا أمر الله جل وعلا بذكره في ثنايا أعمال الحج، ثم أتبع ذلك بأمره بذكره بعد الفراغ من الحج، بل بالإكثار من ذكره جل وعلا. وفي صحيح الإمام مسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وهكذا شرع النبي عليه الصلاة والسلام أن نسبح الله عز وجل ونكبره ونحمده بعد كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة. قال جل وعلا: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم﴾. وقال عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾. فيستفاد من ذلك: أهمية الذكر لله سبحانه وتعالى. فاحرص أيها المسلم على إقامة ذكر الله، وأن تكون ذاكرًا لله جل وعلا في فعلك للطاعات والعبادات، وبعد الفراغ منها، وفي سائر أوقاتك. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا. اللهم أصلح لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم عليك باليهود والنصارى وأعوانهم. اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين. اللهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.