الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 243، ألقاها
يشرح المقطع حديثا نبويا يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغزو في الأشهر الحرم إلا إذا كان قد بدأ الغزو قبل دخول الشهر الحرام. يبين المقطع معنى الحديث ويفسره بمثال حصول النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف.
المقطع يشرح حديثا نبويا حول حكم الغزو في الأشهر الحرم، ويتناول آراء العلماء حول نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم واستدلالهم بآية من القرآن الكريم. هناك اختلاف بين العلماء حول نسخ أو بقاء التحريم.
ناقش المقطع حكم القتال في الأشهر الحرم واستدل بآيات من القرآن الكريم، وذهب بعض العلماء إلى أن التحريم منسوخ بآيات التوبة، بينما رأى آخرون أن التحريم خاص بالبدء بالقتال وليس بالرد عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا حجين بن المثنى أبو عمر، وهو بصري، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أو الحارث الفهمي المصري، كان إماما في الحديث والفقه وغيره، وهو إمام أهل مصر، قال: عن أبي الزبير، وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي رحمه الله، قال: عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزوا، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن عيسى، وهو الطباع صاحب مالك، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير به. قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم. فهذا الحديث يخبر جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يغزو في الشهر الحرام، وهي الأشهر الحرم، أربع أشهر: رجب وثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم. فهذه الأشهر الحرم كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يغزو فيهن، إلا أن يغزى، إذا غزاه أحد، أو يغزو، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ، يعني يغزو في غير الأشهر الحرم، فتدخل الأشهر الحرم وهم في القتال. والظاهر أن المراد حتى ينتهي من القتال، أي أنه إذا دخل عليه الشهر الحرام وهو في القتال قاتل حتى ينتهي من القتال. ومعنى الحديث أنه لا يبدأ القتال في شهر الحرام، لكن إذا دخل عليه الشهر الحرام وهو في قتال فإنه استمر في ذلك القتال، مثل ما حصل له في الطائف، فإنه جاء في الطائف في شوال من السنة الثامنة، ثم حاصر الطائف أربعين يوما، فدخل ذو القعدة وهو محاصر لهم، وذو القعدة من الأشهر الحرم. فهذا معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يبدأ الغزو في شهر الحرام، ولكن إذا دخل عليه الشهر وهو في غزو لا يخرج، يعني لا يترك الغزو ولا يرجع، بل يقاتل حتى ينتهي من القتال، ثم بعد ذلك يرجع. ومسألة القتال في الأشهر الحرم، لا شك أنه في بداية الأمر كان محرما القتال في الأشهر الحرم، أي في البدء به في الأشهر الحرم محرما. لكن هل ذلك استمر أم أنه نسخ؟ فهذا خلاف بين العلماء، وأكثر السلف والخلف على أنه نسخ. فجاء في قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، معناه أنه هو حرام وهو كبير، لكن هذه الأشياء أعظم، إخراج أهل الحرم من مكانهم، وإخراج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بلده، وكذلك الكفر بالله جل وعلا، وغيرها من هذه الأشياء التي ذكرت هي أعظم. وفيه رد على أهل الشرك، وقيل أنها نزلت هذه الآية في قصة أو في غزوة، عندما قتل ابن الحضرمي في الغزوة التي غزاها عبد الله بن جحش، وجاء في بعض الآثار أن أبا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب كان أميرا على تلك الغزوة. فغزوا، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقتل، لكن لما غزوا، أعطى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبد الله بن جحش كتابا، وقال له: إذا وردتم مكان كذا فافتح هذا الكتاب. ففتح الكتاب في ذلك المكان، فقال: خير من معك من الرجال، من أراد أن يغزو معك فليغزو، ولا تكره أحدا منهم. فقال عبد الله بن جحش: سمعا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فخيرهم، فاختاروا أن يكونوا معه، فخرجوا معه. فالتقوا مع ابن الحضرمي، وهم ما كانوا يريدونهم، لكن التقوا معهم، فقام بعض الصحابة وقتله، فقتل ابن الحضرمي. فقالوا لأهل الشرك: كيف تقتلون رجلا في الأشهر الحرم؟ وكان ذلك في أول ذي القعدة. فجاء في السيرة لابن هشام أنه ما كانوا يعرفون أنه أول يوم في ذي القعدة. والمهم عظم ذلك أهل الشرك، كيف يقتلون في الشهر الحرام؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآيات. وصار أن القتال وبدأ القتال في شهر الحرام لا يجوز، لكن هل نسخ ذلك؟ فبعض العلماء يقول: إنه نسخ، والذي نسخه آيات التوبة. فآيات التوبة فيها قتل المشركين حيثما وجدوا، فقال الله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، وقال أيضا: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾. فهذه الآيات تدل على قتال المشركين، وكذلك قول الله عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فهذه الآيات كلها عامة، بل في الآية الأولى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، أي في أي مكان وجدتموهم، ومعنى ذلك حتى في الحرم. فلهذا ذهب أكثر السلف، جاء ذلك عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجماعة من السلف، أنه إن القتال في الأشهر الحرم منسوخ. وقال بعض العلماء: إنه لم ينسخ، وإنما التحريم البدء في القتال في الأشهر الحرم، وأما إذا دخلت الأشهر الحرم والناس يقاتلون فلا يرجع، بل يقاتل هؤلاء الكفار، ولا يرجع إمام المسلمين إذا دخل الشهر الحرام لأجل أنه شهر حرام. فلا يقتل المشركون، فإن أولا يقتل هؤلاء أهل الشرك، فإنما يقاتلهم لأنه لم يبدأهم بالقتال. وكذلك الأمر الآخر إذا هم بدأوا بالقتال، فهنا يقاتل. ومن كان معه عهد منهم، ومن كان معه عهد بينه وبين المسلمين عهد، فيبقى على عهده، كما جاء في سورة التوبة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ إلى آخر الآيات، تبين أن من كان معه عهد مع المسلمين فهؤلاء يتركون حتى ينتهي عهدهم، أو يغدروا. فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقاتل في الأشهر الحرم، أي لا يبدأ بقتالهم، إلا إذا بدأوه، أو أنه حصل ذلك، أي دخلت الأشهر الحرم وهم في قتال، فهذا كما قلنا. كثير من العلماء، وهو قول الشافعي رحمه الله، واختار جماعة من العلماء الأول، وهم أكثر السلف والخلف، على أن التحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ. والله تعالى أعلم.