الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 38، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ذكر حديث أبي هريرة في سكوت النبي صلى الله عليه وسلم بين التكبير والقراءة في الصلاة واختلاف رواياته. السكوت بين التكبير والقراءة سنة مستحبة.
دعاء الاستفتاح مستحب بعد تكبيرة الإحرام، ويوجد له عدة صيغ، وأصحها ما ورد في الحديث الذي يرويه أبو هريرة. يتضمن طلب المغفرة والتنقية من الذنوب.
لا يستحب دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة لعدم ثبوته عن النبي ولأنها مبنية على التخفيف. المقصود منها الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مصر بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، وهو البغدادي أبو خيثمة النسائي، وهو من أقران الإمام أحمد ويحيى بن معين، وقد أخرج له الإمام مسلم، رحمه الله، في صحيحه أكثر من ألف حديث. روى عنه الإمام مسلم في صحيحه أكثر من ألف حديث، قال: حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، كما قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله. كان في آخر عمره يهم إذا حدث من حفظه، قال: عن عمارة بن القعقاع، وهو أيضا الضبي الكوفي، عن أبي زرعة، وهو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله بن جابر البجلي الكوفي، وهو ثقة، كما قال الحافظ، رحمه الله، وابن معين، قال: عن أبي هريرة. وأبو هريرة، كما علمنا، مختلف في اسمه، مشهور بكنيته، وأرجح الأقوال أن اسمه عبد الرحمن، من الصخر الدوسي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت سكتة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومن نمير، قالا: حدثنا فضيل. وحدثنا أبو كامل، وهو الجحدري، قال: حدثنا عبد الواحد، عن ابن زياد، كلاهما عن عمارة بن القعقاع، بهذا الإسناد، نحو حديث جرير. قال مسلم: وحدثت عن يحيى بن حسان، وهو التنيسي أبو زكريا، قال: ويونس المؤدب، وهو ابن محمد بن مسلم المعلم المؤدب الحافظ، قال: وغيرهما، قالوا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، وهو العبدي أبو بشر، وهو ثقة، والثقة جماعة من الأئمة، كأبي حاتم وأبي زرعة، وهكذا دار قطني، والحافظ ابن حجر، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة -يعني تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، ولا يجزئ غير التكبير، لا يجزئ غير التكبير في قول جمهور أهل العلم، فلا يجزئ أن يدخل في الصلاة بقول الله أعظم أو الله أجل إلى آخر ذلك من ألفاظ التعظيم، لا بد من قول الله أكبر، خلافا للحنفية- وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم المسيح في صلاته، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر. وهكذا ما ثبت في الأحاديث الكثيرة من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يستفتح الصلاة بالتكبير. وفي حديث علي وغيره بمعناه: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، إذا لا بد من التكبير. قال: إذا كبر في الصلاة سكت هنية -سكت هنية يعني وقتا يسيرا- سكت وقتا يسيرا بين التكبير وبين الشروع في القراءة في قراءة الفاتحة، قال: قبل أن يقرأ، أي قبل أن يشرع في القراءة. وهذه السكتة مستحبة لأجل قراءة أو لتيان بدعاء الاستفتاح، أن يسكت الإمام في الصلاة الجهرية بعد تكبيرة الإحرام يسكت -يعني وقتا يسيرا- يأتي فيه بدعاء الاستفتاح، ثم يشرع في القراءة. هذه السكتة مشروعة لهذا الحديث. وأما السكوت بعد انتهاء من قراءة الفاتحة، استحبه بعض أهل العلم، قالوا: حتى يتسنى للمأموم أن يقرأ الفاتحة، لكن هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة -يعني سكتة لطيفة كهذه السكتة- وإنما كان إذا فرغ من قراءة الفاتحة يشرع في قراءة ما بعدها من الآيات أو السورة. وكذلك أيضا السكوت الذي يكون بعد الفراغ من القراءة والركوع بعده، أيضا ليس هناك سكوت طويل كهذا السكوت في ابتداء الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، وإنما يكون السكوت بقدر ما يعني تتفاد النفس ويأخذ المصلي نفسه. فالسكتة المشروعة التي فيها شيء يعني من الإطالة اليسيرة هي في ابتداء الصلاة بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في قراءة الفاتحة. قال: فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي -أي أفديك بأبي أنت وأمي، أفديك- يعني أقدم أبي وأمي وأفديك بهما، يموتان ولا تموت أنت، ويصيبهما السوء ولا يصيبك أنت. وهذا لا شك أنه من كمال الإيمان أن المؤمن ماذا يحب نبيه عليه الصلاة والسلام أعظم من محبة لأبويه، كما قال عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه لما قال: يا رسول الله، إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا، يا عمر. فلما قال: أنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي، قال: الآن يا عمر، الآن كمل الإيمان. فالذي يحب نبيه عليه الصلاة والسلام أكثر من كل شيء حتى من أبويه هذا من كمال الإيمان. فالمحب لنبيه عليه الصلاة والسلام يفدي النبي صلى الله عليه وسلم بكل شيء حتى بأعز الناس إليه وأحب الناس إليه، وهما الوالدان. فقول: بأبي أنت وأمي، أي أفديك. قال: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ وهذا السؤال من حرص أبي هريرة رضي الله عنه على العلم والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يسكت بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، أراد أن يعرف لماذا يسكت، لعل هناك ذكرا أو دعاء يقال في هذا الموضع، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من حرصه، وكان أبو هريرة حريصا على العلم. قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. أخبره النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يقول في هذا الموضع الذي يسكت فيه عليه الصلاة والسلام، فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد. فهذا دعاء من العبد لربه جل وعلا أنه يباعد بينه وبين خطاياه. اللهم باعد بيني وبين خطاياي يعني ذنوبي وسيئاتي وخطيئاتي كما باعدت بين المشرق والمغرب. وهذا من المبالغة في البعد عن الذنوب والخطايا، كما أن الله عز وجل بعد بين المشرق والمغرب، وكما أن المشرق والمغرب لا يمكن أن يجتمعان، كذلك كأنه يقول: لا تجعلني أجتمع بشيء من هذه الذنوب والخطايا، اجعلها بعيدا عني جدا كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس -يعني اغفر هذه الذنوب والخطايا وامحها وأزلها ولا تبقي لها أثرا- كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، أي من الوسخ والقذر. ولماذا قال: الثوب الأبيض؟ لأن الدنس يظهر في الثوب الأبيض ما لا يظهر في غيره من الألوان الأخرى، فيكون ذلك فيه كذلك مبالغة في شدة النقاء. قال: اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد. كذلك هذا أيضا من المبالغة في محو الذنوب والخطايا أنها تغسل وتزال وتوفر وتمحى بالثلج والماء والبرد. وهذه ثلاثة مطهرات، الواحد منها يكفي في التطهير والتنظيف وإزالة الخبث والنجس، فكيف إذا اجتمعت هذه الثلاثة؟ لا شك أن ذلك سيكون أشد في النقاء وفي الصفاء وفي إزالة القذر والنجس. إذا نادى الدعاء فيه دعاء العبد لربه جل وعلا، أي نقيه الله جل وعلا من الذنوب والخطايا بمحوها ومغفرتها وإزالتها، وكذلك إبعادها عنك، ألا تقترف لشيء من هذه الذنوب والخطايا، ألا تكون مقترفا لشيء منها ومتلبسا بشيء منها، بل أن يباعد الله عز وجل بينك وبينها كما بعد بين المشرقين. فهذا الدعاء دعاء عظيم، يعني فيه سؤال العبد لربه أن يغفر له، أن يرحمه، أن يمحو عنه خطاياه وذنوبه، وأن كذلك يعينه على البعد من الأسباب التي توقعه في الخطايا والذنوب والسيئات. قال أهل العلم: هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم من باب تعليم الأمة، من باب تعليم الأمة أن يقولوا مثل هذا الدعاء ويتضرع إلى الله عز وجل بمثل هذا الدعاء، لأنهم لا يسلمون من الذنوب والخطايا والسيئات، فلأجل هذا قاله عليه الصلاة والسلام تعليما للأمة. وهذا الدعاء هو أصح ما ورد وثبت من أدعية الاستفتاح في الصلاة، أصح ما ورد في هذا الباب في باب دعاء الاستفتاح. وهذا الحديث في الصحيحين. وهناك أيضا أحاديث أخرى وأدعية أخرى، لكن هذا أصحها. ورواية الأخرى التي فيها قال أبو زرعة: سمعت أبا هريرة يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت»، يعني أن هذا السكوت إنما يكون في الركعة الأولى فقط بعد تكبيرة الإحرام. وأما إذا قام إلى الركعة الثانية وكبر تكبيرة الانتقال إلى الركعة الثانية، فإنه يقوم ويشرع في القراءة مباشرة، ولا يسكت. ليس هناك سكوت في الركعة الثانية وما بعدها بين التكبير وبين القراءة، وإنما هذا في الركعة الأولى فقط عند استفتاح الصلاة. ودعاء الاستفتاح مستحب في قول جمهور أهل العلم، سواء كانت صلاة صلاة فريضة أو صلاة نافلة، خلافا للإمام مالك، فروي عنه أنه قال: لا يستفتح بعد التكبير. ولعل الإمام مالك رحمه الله ما بلغته هذه الأحاديث والله أعلم كما نقل الإمام النووي ذلك عنه. وإلا صلاة الجنازة فلا يستحب فيها الاتيان بدعاء الاستفتاح لأن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن صلاة الجنازة يعني مبنية على التخفيف، والمقصود منها هو الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.