الدرس في اللالئ الدرية شرح المقدمة الجزرية 20، باب النون الساكنة والتنوين . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور حكم الإدغام لغةً واصطلاحاً، ويقسمه إلى إدغام بغير غنة في اللام والراء مع استثناء (من راق) لحفص، وإدغام بغنة في حروف (ينمو) مع تفصيل خلاف خلف عن حمزة، مع ذكر أمثلة لكل قسم من النون الساكنة والتنوين، وبيان أسبابه من تماثل وتجانس وتقارب.
يوضح هذا المحور اتفاق العلماء على أن الغنة مع الواو والياء هي غنة النون المدغمة، واختلافهم في الميم وترجيح الجمهور أنها غنة الميم، مع ذكر استثناء حفص من إدغام النون في الواو في موضعين (يس والقرآن، ن والقلم) حيث يقرأ بالإظهار، وقاعدة أن الإدغام لا يكون إلا في كلمتين.
يبيّن هذا المحور حكم الإقلاب وهو قلب النون الساكنة والتنوين ميماً مخفاة عند الباء مع شروطه الثلاثة وسببه، ثم ينتقل لبيان الإخفاء وحروفه الخمسة عشر وسببه ودرجاته وكيفية أدائه بالتجافي عن مخرج النون، ويذكر أن للإخفاء ثلاث مراتب أولها وأقواها عند حروف الطاء والدال والتاء.
بسم الله الرحمن الرحيم معنا اليوم باب النون الساكنة والتنوين، وداخلنا حكم الإظهار، والحكم الثاني هو الإدغام. وهو في اللغة الإدخال، يقال: أَدْغَمْتُ اللِّجَامَ فِي فَمِ الْفَرَسِ أَيْ أَدْخَلْتُهُ. واصطلاحاً: إدغام النون الساكنة والتنوين في أحد حروف الإدغام الستة التي تجمعها كلمة (يَرْمَلُونَ) و(يَنْغَسِمُونَ). الإدغام قسمان: الأول إدغام بغير غنة، ويسمى كاملاً، بذهاب الحرف وصفته، وحروفه هي اللام والراء. هذا القسم الأول من أقسام الإدغام، وهو إدغام بغير غنة، ويسمى كاملاً. لماذا؟ لأن الحرف وهو النون يذهب مع صفته. ولو حرفان: هما اللام أو هما اللام والراء، تُدْغِمُ فِيهِمَا النُّونَ إِدْغَاماً كَامِلاً. قَالَ الشَّاطِبِيُّ: وَكُلُّهُمُ التَّنْوِينُ وَالنُّونُ أَضْغِمُوا ** بِلا غُنَّةٍ فِي اللَّامِ وَالرَّاءِ لِيَجْمُلْ الأمثلة: مِنْ رِزْقٍ، مِنْ لَدُنَّا، بَشَرَ الرَّسُولِ، أَنْدَاداً أَنْدَاداً لِيُضِلَّ. قُلْ مَعِي: مِنْ رِزْقٍ، مِنْ رِزْقٍ، مِنْ رِزْقٍ، مِنْ لَدُنَّا، مِنْ لَدُنَّا، مِنْ لَدُنَّا، بَشَرَ الرَّسُولِ، بَشَرَ الرَّسُولِ، أَنْدَاداً لِيُضِلَّ، أَنْدَاداً لِيُضِلَّ، أَنْدَاداً لِيُضِلَّ. تَنْبِيه: يُسْتَثْنَى مِنْ إِدْغَامِ النُّونِ فِي الرَّاءِ لِحَفْصٍ كَلِمَةُ (مِنْ رَاقٍ) فَإِنَّهُ لَا يُدْغَمُ بِسَبَبِ السَّكْتِ، لِأَنَّ السَّكْتَ يَمْنَعُ الْإِدْغَامَ فِي أَحَدِ وُجُوهِ الْأَدَاءِ لِحَفْصٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي كَالْجُمْهُورِ بِالْإِدْغَامِ مِنْ طَرِيقِ الطَّيِّبَةِ. يَعْنِي كَلِمَةَ (مِنْ رَاقٍ) فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ لِحَفْصٍ فِيهَا وَجْهَانِ: مَا هُمَا؟ السَّكْتُ وَالسَّكْتُ يَمْنَعُ الْإِدْغَامَ، وَالْإِدْغَامُ. فَإِذَا كَانَ الْإِدْغَامُ فَإِنَّهُ إِدْغَامٌ كَامِلٌ، وَإِذَا كَانَ سَكْتٌ فَإِنَّهُ مَاذَا؟ إِظْهَارٌ لِلنُّونِ بِدُونِ غُنَّةٍ. وَقِيلَ: (مِنْ رَاقٍ) هُنَا تَسْكُتُ سَكْتَةً لَطِيفَةً عَلَى النُّونِ، سَكْتَةً لَطِيفَةً عَلَى النُّونِ. نَطَبِّقُ هَذَا الْوَجْهَ: وَقِيلَ مِنْ رَاقٍ، هَذَا أَحَدُ وُجُوهِ الْأَدَاءِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ الْإِدْغَامُ: مِنْ رَاقٍ. طَيِّبٌ. ثَانِياً: مِنْ التَّنْبِيهَاتِ: إِدْغَامٌ بِغُنَّةٍ، أَوْ ثَانِياً مِنْ أَقْسَامِ الْإِدْغَامِ: إِدْغَامٌ بِغُنَّةٍ وَيُدْعَى نَاقِصاً. وَحُرُوفُهُ ذَكَرَهَا النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: (يُؤْمِنُ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَنْمُو). يَعْنِي التَّشْكِيلَ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ. ابْنُ الْجَزَرِيِّ قَالَ: (يُؤْمِنُ) يَعْنِي الْيَاءَ وَالْوَاوَ وَالْمِيمَ وَالنُّونَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: (يَنْمُو) هِيَ نَفْسُهَا الْيَاءُ وَالنُّونُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ. قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى الْإِدْغَامِ بِغُنَّةٍ فِي حُرُوفِ (يَنْمُو) إِلَّا خَلَفاً عَنْ حَمْزَةَ الْقَارِئِ، خَلْفٌ طَرِيٌّ عَنْ حَمْزَةَ بِالْإِدْغَامِ، فَإِنَّهُ أَضْغَمَهَا فِي الْوَاوِ وَالْيَاءِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ. وَعَلَى هَذَا فَحُرُوفُ الْإِدْغَامِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ عِنْدَهُ أَرْبَعَةٌ: الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَاللَّامُ وَالرَّاءُ. إِذَنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْحُرُوفُ عِنْدَ خَلْفٍ إِدْغَامٌ بِغَيْرِ غُنَّةٍ، وَبَقِيَ الْإِدْغَامُ بِغُنَّةٍ عِنْدَ خَلْفٍ فِي حَرْفَيْنِ، مَا هُمَا؟ مَا هُمَا؟ أَقُولُ أَنَا: إِدْغَامٌ بِغُنَّةٍ عِنْدَ خَلْفٍ فِي حَرْفَيْنِ، مَا هُمَا؟ اللَّهُمَّ سَلِّمْ. إِدْغَامٌ بِغُنَّةٍ عِنْدَ خَلْفٍ فِي حَرْفَيْنِ، مَا هُمَا؟ مَا الْحَرْفَانِ؟ الْمِيمُ وَالنُّونُ. مَا لَكُمُ الْمِيمَ مَاذَا وَالنُّونَ فَقَطْ؟ هَذَا إِدْغَامٌ بِغُنَّةٍ عِنْدَ مَنْ؟ عِنْدَ مَنْ؟ عِنْدَ خَلْفٍ. وَبَقِيَ الْحُرُوفُ عِنْدَهُ إِدْغَامٌ بِغَيْرِ غُنَّةٍ، وَاضِحٌ. فَدَخَلَ مَعَهُ اللَّامُ وَالرَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ، الْوَاوُ وَالْيَاءُ، وَاضِحٌ هَذَا. وَحُرُوفُ الْإِدْغَامِ بِغُنَّةٍ عِنْدَهُ حَرْفَانِ هُمَا النُّونُ وَالْمِيمُ. وَقَدْ أَشَارَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْحِرْزِ يَعْنِي إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: وَكُلُّ بِيَنْمُو أَضْغِمْ مَعَ غُنَّةٍ ** كُلُّ الْقُرَّاءِ أَضْغِمْ فِي كَلِمَةِ يَنْمُو الْأَرْبَعَةَ الْحُرُوفَ بِغُنَّةٍ وَفِي الْوَاوِ وَالْيَاءِ دُونَهَا خَلْفٌ تَلَا ** فِي الْوَاوِ وَالْيَاءِ خَلْفٌ مَا أَضْغَمَ إِدْغَامَ بِغُنَّةٍ بَلْ أَضْغَمَ إِدْغَامَ بِغَيْرِ غُنَّةٍ. هَذَا وَاضِحٌ. الْأَمْثِلَةُ: مَعَ النُّونِ: مَنْ يَعْمَلْ، مَوَالٍ، مِمَّا، مِنْ نَعْمَرُهُ. قُلْ مَعِي: مَنْ يَعْمَلْ، مَنْ يَعْمَلْ، مَنْ يَعْمَلْ، مَنْ يَعْمَلْ، مَوَالٍ، مَوَالٍ، مَوَالٍ، مِمَّا، مِمَّا، مِمَّا، مِنْ نَعْمَرُ، مِنْ نَعْمَرُ، مِنْ نَعْمَرُ، مِنْ نَعْمَرُ. ثَانِياً: مَعَ التَّنْوِينِ: يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ، يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ، يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ، أُذُنٌ وَاعِيَةٌ، أُذُنٌ وَاعِيَةٌ، أُذُنٌ وَاعِيَةٌ، صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، بَاخِعَ نَفْسِكَ، بَاخِعَ نَفْسِكَ، بَاخِعَ نَفْسِكَ، بَاخِعَ نَفْسِكَ. قَالَ: وَسَبَبُ الْإِدْغَامِ: التَّمَاثُلُ مَعَ النُّونِ، وَالتَّجَانُسُ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْتَفَالِ وَالْانْفِتَاحِ مَعَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَالتَّجَانُسُ فِي الْغُنَّةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ مَعَ الْمِيمِ، وَالتَّقَارُبُ مَعَ اللَّامِ وَالرَّاءِ. إِذَا قِيلَ لَكَ: مَا هُوَ سَبَبُ الْإِدْغَامِ؟ لِمَاذَا أَضْغَمْنَا النُّونَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ؟ قُلْ: قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَمَاثُلٍ أَوْ تَجَانُسٍ أَوْ تَقَارُبٍ كَمَا بَيَّنَهَا هُنَا. فَإِذَا اعْلَمْ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغُنَّةَ مَعَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ هِيَ غُنَّةُ الْمُدْغَمِ، وَمَعَ النُّونِ غُنَّةُ الْمُدْغَمِ فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا مَعَ الْمِيمِ: أَهِيَ غُنَّةُ الْمُدْغَمِ وَهِيَ النُّونُ أَمْ غُنَّةُ الْمُدْغَمِ فِيهِ وَهِيَ الْمِيمُ؟ يَقُولُ هُنَا: بِالِاتِّفَاقِ قَالُوا أَنَّ الْغُنَّةَ مَعَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ هِيَ غُنَّةُ الْمُدْغَمِ، وَالْمُدْغَمُ هِيَ النُّونُ، فَإِذَا الْغُنَّةُ عِنْدَمَا تَقُولُ: مَوَالٍ، هِيَ غُنَّةُ النُّونِ، لَيْسَتْ غُنَّةَ مَاذَا؟ الْوَاوِ. مَوَالٍ: غُنَّةُ النُّونِ. كَذَلِكَ مَنْ يَعْمَلْ: هِيَ غُنَّةُ النُّونِ. وَأَمَّا مَنْ نَذِيرٍ فَقَالُوا: هِيَ غُنَّةُ النُّونِ الثَّانِيَةِ الْمُدْغَمِ فِيهِ، الْمُدْغَمِ فِيهِ. بَقِيَ الآنَ مِمَّا: أَيُّ غُنَّةٍ الآنَ؟ غُنَّةُ نُونٍ وَلَا غُنَّةُ مِيمٍ؟ لَمَّا أَقُولُ: مِمَّا، غُنَّةُ مَاذَا؟ هَا: غُنَّةُ مِيمٍ وَلَا غُنَّةُ نُونٍ؟ مِيمٍ. حَدَّثُوا: قَالَ فِيهِ خِلَافٌ. طَبْعاً الْجُمْهُورُ قَالُوا: غُنَّةُ الْمِيمِ. الْجُمْهُورُ قَالُوا: غُنَّةُ الْمِيمِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو وَالْمُحْدِثِينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَارِئٌ وَصَاحِبُ أَفْوَاهِ التَّجْوِيدِيَّةِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ: لَمَّا تَقُولُ: مِمَّا، غُنَّةُ أَيْشٍ؟ هَذِهِ غُنَّةُ الْمِيمِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا غُنَّةُ الْمُدْغَمِ أَيِ النُّونِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَالْمُقْرِئِ وَابْنِ كَيْسَانَ وَالضَّبَّاعِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ إِدْغَامِ النُّونِ فِي الْوَاوِ لِحَفْصٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مَوْضِعَانِ: حَفْصٌ وَمَنْ وَافَقَهُ يُسْتَثْنَى لَهُمْ مِنْ إِدْغَامِ النُّونِ فِي أَيْشٍ؟ فِي الْوَاوِ مَوْضِعَانِ فِي الْقُرْآنِ: (يَا سِينٍ وَالْقُرْآنِ) (نُّونٍ وَالْقَلَمِ). انْظُرْ الآنَ: نُونٌ نِهَايَتُهَا نُونٌ ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَهَا وَاوٌ. (يَا سِينٍ) نِهَايَتُهَا أَيْشٍ؟ نُونٌ. نِهَايَةُ اللَّفْظِ نُونٌ. (يَا سِينٍ) نُونٌ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهَا وَاوٌ. هَلْ هُنَا نَضْغُمُ نُونٌ بَعْدَهَا وَاوٌ إِدْغَامٌ نَاقِصٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: يُسْتَثْنَى فَإِنَّهُ لَا إِدْغَامَ فِيهِمَا إِلَّا لِلْوَرْشِ، فَلَهُ الْإِدْغَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ قَوْلاً وَاحِداً، وَفِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي وَجْهَانِ: إِدْغَامٌ وَإِظْهَارٌ. قَالَ الشَّاطِبِيُّ: وَيَا سِينِ أَظْهِرْ عَنْ فَتًى حَقُّهُ بَدَا ** وَنُونٍ وَفِيهِ الْقَلْفُ عَنْ وَرْشِهِمْ خَلَا يَعْنِي يَعْنِي النُّوَارِشَ هُوَ الَّذِي لَهُ الْإِدْغَامُ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَاتَيْنِ أَوْ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ. وَاضِحٌ. كَيْفَ يُضْغِمُ؟ (يَا سِينٍ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) (نُّونٍ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ). لَكِنْ نَحْنُ نَقْرَأُ بِأَيْشٍ؟ نَقْرَأُ بِالْإِظْهَارِ وَلَا بِالْإِدْغَامِ؟ بِالْإِظْهَارِ نَقْرَأُ بِالْإِظْهَارِ. فَنَقُولُ: (يَا سِينٍ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) (نُّونٍ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ). هَذَا وَاضِحٌ. حَفْصٌ وَمَنْ تَبِعَهُ يَقْرَؤُونَ بِالْإِظْهَارِ، وَوَرْشٌ قَرَأَ بِالْإِدْغَامِ فِي الْأُولَى، وَلَهُ وَجْهَانِ فِي الثَّانِيَةِ. أَمَّا قَوْلُ النَّاظِمِ: (إِلَّا بِكَلِمَةٍ كَدُنْيَا عَنْ وَ نُو) أَيْ: إِذَا وَقَعَ حَرْفُ الْإِدْغَامِ بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَدُنْيَا فَلَا تُدْغِمُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْكَ الْإِظْهَارُ، لِأَنَّ الْإِدْغَامَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي كَلِمَتَيْنِ. وَقَدْ وُجِدَ الْإِظْهَارُ فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: دُنْيَا، بُنْيَانٌ، صِنْوَانٌ، طِنْوَانٌ. وَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ الْإِدْغَامِ هُوَ اللَّبْسُ وَمُخَافَةُ الِاشْتِبَاهِ بِالْمُضَاعَفِ الَّذِي هُوَ دُنْيَا وَصُنْوَانٌ، فَلَا يُعْلَمُ مَا أَصْلُهُ النُّونُ وَمَا أَصْلُهُ التَّوْعِيفُ. وَلَمْ يَقَعْ مِثَالٌ لِللَّامِ وَالرَّاءِ عَنْ نُونٍ سَاكِنَةٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَلِهَذَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَى اسْتِثْنَائِهِ. الآنَ يَقُولُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: (إِلَّا) يَعْنِي الْإِدْغَامَ لَا يَقَعُ فِي كَلِمَةٍ أَبَداً. الْإِدْغَامُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَيْشٍ؟ فِي كَلِمَتَيْنِ. الْإِدْغَامُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كَلِمَتَيْنِ، لَا يَكُونُ الْإِدْغَامُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ: (إِلَّا بِكَلِمَةٍ كَدُنْيَا عَنْ وَ نُو). دُنْيَا لَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِ النُّونِ، فَتَقُولُ: دُنْيَا، مَعَ أَنَّهَا النُّونُ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا، لَكِنْ لَا تُدْغِمُ: دُنْيَا. وَقَدْ وُجِدَتْ كَلِمَاتٌ أُخْرَى فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ: صِنْوَانٌ، قِنْوَانٌ، بُنْيَانٌ. هَذِهِ كَلِمَاتٌ أَرْبَعٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِيهَا إِظْهَارُ النُّونِ السَّاكِنَةِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: (وَالْقَلْبُ عِنْدَ الْبَاءِ بِغُنَّةٍ كَذَا لَخَفِيَ لَدَى بَاقِي الْحُرُوفِ أَخْذاً). يَعْنِي انْتَقَلَ مِنَ الْإِدْغَامِ إِلَى الْإِقْلَابِ، وَيَقُولُ لَكَ أَنَّ الْإِقْلَابَ لَهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ وَيَكُونُ بِغُنَّةٍ، وَهُوَ مَاذَا؟ الْبَاءُ. وَهُوَ الْبَاءُ. إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ الْبَاءُ فَإِنَّكَ تُدْغِمُ، فَإِنَّكَ تُقْلِبُ، تُخْرِجُ غُنَّةً مَعَهَا. قَدْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْحُكْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ: الْإِقْلَابُ وَالْإِخْفَاءُ. أَمَّا الْإِقْلَابُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ التَّحْوِيلُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: جَعْلُ حَرْفٍ مَكَانَ آخَرَ مَعَ مُرَاعَاةِ بَقَاءِ الْغُنَّةِ وَالْإِخْفَاءِ فِي الْحَرْفِ الْمَقْلُوبِ. وَالْمُرَادُ هُنَا: قَلْبُ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ مِيمًا مُخَفَّاةً بِغُنَّةٍ إِذَا جَاءَ بَعْدَهُمَا حَرْفُ الْبَاءِ. إِذَا جَاءَ بَعْدَهُمَا حَرْفُ الْبَاءِ تُقْلَبُ النُّونُ السَّاكِنَةُ وَالتَّنْوِينُ إِلَى مِيمٍ. الْأَمْثِلَةُ: أَنْبِئُونِي، مِنْ بَعْدِ، لِنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ، سَمِيعاً بَصِيراً. لِأَنَّ نَقْرَأَ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ: أَنْبِئُونِي، أَنْبِئُونِي، أَنْبِئُونِي، أَنْبِئُونِي، مِنْ بَعْدِ، مِنْ بَعْدِ، مِنْ بَعْدِ، لِنَسْفَعاً، لِنَسْفَعاً، بِالنَّاصِيَةِ، لِنَسْفَعاً، لِنَسْفَعاً، سَمِيعاً بَصِيراً، سَمِيعاً، سَمِيعاً بَصِيراً، سَمِيعاً، سَمِيعاً بَصِيراً، سَمِيعاً بَصِيراً. قَالَ: وَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِقْلَابُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: قَلْبُ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ مِيمًا خَالِصَةً لَفْظاً لَا خَطَرَ. الثَّانِي: إِخْفَاءُ هَذِهِ الْمِيمِ عِنْدَ الْبَاءِ، يَعْنِي يَرْجِعُ الْحُكْمُ إِلَى الْإِخْفَاءِ الشَّفَوِيِّ، وَهُوَ مِيمٌ بَعْدَهَا بَاءُ، سَيَرْجِعُ إِلَى الْإِخْفَاءِ الشَّفَوِيِّ. الثَّالِثُ: إِظْهَارُ الْغُنَّةِ مَعَ الْإِخْفَاءِ، إِظْهَارُ الْغُنَّةِ مَعَ مَعَ الْإِخْفَاءِ. هَذَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فِي الْإِقْلَابِ. وَالْغُنَّةُ هِيَ صِفَةُ الْمِيمِ الْمَقْلُوبَةِ، لَا صِفَةُ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ. وَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْ كَذِّ الشَّفَتَيْنِ عِنْدَ الْقَلْبِ عَلَى الْمِيمِ الْمَقْلُوبَةِ. وَالسَّبَبُ فِي الْإِقْلَابِ هُوَ عُسْرُ الْإِتْيَانِ بِالْغُنَّةِ فِي النُّونِ وَالتَّنْوِينِ مَعَ إِظْهَارِهِمَا ثُمَّ إِطْبَاقِ الشَّفَتَيْنِ لأَجْلِ الْبَاءِ، وَالْبُعْدُ الْمَخْرَجِ لَمْ يَحْسُنِ الْإِدْغَامَ، فَلَمَّا لَمْ يَحْسُنِ الْإِظْهَارُ وَالْإِدْغَامُ تَعَيَّنَ الْإِخْفَاءُ، ثُمَّ قُلبَتِ النُّونُ إِلَى مِيمٍ لِمُشَارَكَتِهَا لِلْبَاءِ فِي الْمَخْرَجِ، وَلِلنُّونِ فِي الْغُنَّةِ. يَعْنِي اخْتُيرَ هَذَا الْحَرْفُ بَدَلَ النُّونِ: مِيمٌ، لِأَنَّ الْمِيمَ تَشْتَرِكُ مَعَ الْبَاءِ فِي الْمَخْرَجِ، وَتَشْتَرِكُ مَعَ النُّونِ فِي أَيْشٍ؟ فِي الصِّفَةِ، فِي الصِّفَةِ وَهِيَ أَيْشٍ؟ الْغُنَّةُ، وَهِيَ الْغُنَّةُ. فَالنُّونُ وَالْمِيمُ مُشْتَرِكَاتٌ فِي صِفَةِ الْغُنَّةِ، وَالْمِيمُ وَالْبَاءُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَيْشٍ؟ فِي الْمَخْرَجِ، يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَخْرَجِ. فَكَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمِيمِ هُنَا أَسْهَلَ مِنْ أَيْشٍ؟ مِنْ إِفْضَاءِ النُّونِ بِغُنَّةٍ، وَبَدَلَ أَنْ تَقُولَ: مِنْ بَعْدِ، يَكُونُ فِي صُعُوبَةٍ، تَقُولُ: مِنْ بَعْدِ، هَذَا أَسْهَلُ مِنَ الْأُولَى. وَأَمَّا الْإِخْفَاءُ، لِأَنَّهُ قَالَ: (كَذَا الْإِخْفَاءُ لَدَى بَاقِي الْحُرُوفِ) وَخَذَاءَ. يَقُولُ لَكَ: بَاقِي الْحُرُوفِ يَكُونُ عِنْدَهَا حُكْمُ أَيْشٍ؟ الْإِخْفَاءُ. لِأَنَّهُ قَالَ: فِي الْإِظْهَارِ سِتَّةُ حُرُوفٍ، فِي الْإِدْغَامِ سِتَّةُ حُرُوفٍ، فِي الْإِدْغَامِ سِتَّةُ حُرُوفٍ، وَحَرْفٌ وَاحِدٌ عِنْدَهُ عِنْدَ الْإِقْلَابِ، فَهَذِهِ 13 حَرْفاً، بَقِيَتْ 15 حَرْفاً. فَهَذِهِ الْحُرُوفُ بَاقِيَتُهَا هِيَ حُرُوفُ الْإِخْفَاءِ. وَالْإِخْفَاءُ فِي اللُّغَةِ: السَّتْرُ. وَاصْطِلَاحاً: النُّطْقُ بِحَرْفٍ سَاكِنٍ عَارٍ مِنَ التَّشْدِيدِ عَلَى صِفَةٍ بَيْنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ مَعَ بَقَاءِ الْغُنَّةِ فِي الْحَرْفِ الْمُخَفَّى. وَحُرُوفُهُ 15 حَرْفاً، وَقَدْ جَمَعَهَا الْجَمْزُورِيُّ فِي تُحْفَةِ الْأَطْفَالِ بِقَوْلِهِ: صِفْ ذَا ثَنَاءٍ كَمْ جَادَ شَخْصٌ قَدْ تَمَّ دَمَاً طَيِّباً زِدْ فِي تِقَاءٍ ضَعْ ظَالِمَةَ وَهَذَا الْبَيْتُ جَيِّدٌ، فِيهِ أَوَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حُرُوفُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَوَائِلُهَا هِيَ حُرُوفُ الْإِخْفَاءِ. فَهِيَ: الصَّادُ، وَالذَّالُ، وَالثَّاءُ، وَالْكَافُ، وَالْجِيمُ، وَالشِّينُ، وَالْقَافُ، وَالسِّينُ، وَالدَّالُ، وَالطَّاءُ، وَالزَّايُ، وَالْفَاءُ، وَالتَّاءُ، وَالضَّادُ، وَالظَّاءُ. وَسَبَبُ الْإِخْفَاءِ: أَنَّ النُّونَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ لَمْ يَبْعُدَا عَنْ حُرُوفِ الْإِخْفَاءِ كَبُعْدِهِمَا عَنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ حَتَّى يَجِبَ الْإِظْهَارُ، وَلَمْ يَقْرُبَا مِنْهُنَّ كَقُرْبِهِمَا مِنْ حُرُوفِ الْإِدْغَامِ حَتَّى يَجِبَ الْإِدْغَامُ. فَلَمَّا عَدِمَ الْبُعْدُ الْمُوجِبُ لِلْإِظْهَارِ وَالْقُرْبُ الْمُوجِبُ لِلْإِدْغَامِ، أُعْطِيَ حُكْماً وَسَطاً بَيْنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ، وَهُوَ الْإِخْفَاءُ. هَذَا السَّبَبُ: لِمَاذَا تُخْفَى هَذِهِ الْحُرُوفُ؟ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدٌ كَحُرُوفِ الْإِظْهَارِ، وَلَمْ يُوجَدْ قُرْبٌ كَحُرُوفِ الْإِدْغَامِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ وَسَطٌ، فَأُعْطِيَ حَالَةً وَسَطاً. وَمَرَاتِبُ الْإِخْفَاءِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: ثَلَاثُ مَرَاتِبَ. الْأُولَى: أَعْلَى مَرْتَبَةٍ، وَهِيَ أَقْوَاهَا، عِنْدَ الطَّاءِ وَالدَّالِ وَالتَّاءِ، لِقُرْبِهَا مِنَ النُّونِ، وَيَكُونُ قَرِيباً مِنَ الْإِدْغَامِ، وَذَلِكَ لِقُرْبِهِنَّ مِنَ النُّونِ فِي الْمَخْرَجِ. نَمْأَ لَيْسَتْ عِنْدِي. طَيِّبٌ. نَعَمْ، نَعَمْ. فَوْقَ قَفَزَتْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِخْفَاءِ: أَنْ يَجْعَلَ الْقَارِئُ لِسَانَهُ بَعِيداً عَنْ مَخْرَجِ النُّونِ قَلِيلاً، حَيْثُ يَكُونُ هُنَاكَ تَجَافٍ. مَعْنَى التَّجَافِي هُوَ الْفَرَاغُ وَعَدَمُ أَيْشٍ؟ الالْتِصَاقِ. قَالَ: بَيْنَ اللِّسَانِ وَالثَّنَايَا الْعُلْيَا. مَثَلاً تَقُولُ: عَنْ صَلَاتِهِمُ. انْظُرْ هُنَا: أَنَّ النُّونَ لَا تَتَحَقَّقُ فِي الْمَخْرَجِ، أَيْ أَنَّ اللِّسَانَ لَا تَلْتَصِقُ بِمَكَانِ النُّونِ. قُلْ مَعِي: عَنْ صَلَاتِهِمُ. أَيْنَ تَلَاحِظُ النُّونَ؟ مِنَ الدَّاخِلِ بَعِيدَةً مِنْ مَخْرَجِهَا، بَعِيدَةً مِنْ مَخْرَجِهَا. وَهَكَذَا سَائِرُ الْحُرُوفِ. أَمَّا مَرَاتِبُ الْإِخْفَاءِ فَهِيَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى: أَهْلُ مَرْتَبَةٍ، وَهِيَ أَقْوَاهَا، عِنْدَ الطَّاءِ وَالدَّالِ وَالتَّاءِ، وَيَكُونُ قَرِيباً مِنَ الْإِدْغَامِ، وَ