الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 567، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديثا عن قصعة النبي صلى الله عليه وسلم التي يحملها أربعة رجال، ويبين سند الحديث ومعنى القصعة. يروي الحديث عبد الله بن بسر عن طريق سلسلة من الرواة.
جلس النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه للأكل، وأجاب عن سبب هذه الجلسة بأن الله جعله عبدا كريما. ثم أمرهم بالأكل من جوانب الطعام وترك الوسط ليبارك فيه.
يبرز المقطع آداب الطعام مثل الأكل من حوالي القصعة وعدم الاتكاء أثناء الأكل، ويشير إلى أهمية التواضع وبركة الطعام عند اتباع سنن الطعام وإطعام الآخرين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال مسند عبد الله بن بسر، رضي الله تعالى عنهما. وعبد الله بن بسر من صغار الصحابة، وأبوه أيضا كان صحابيا. وعبد الله بن بسر سكن الشام، يعتبر في الشاميين. قال أبو داود رحمه الله تعالى -أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السنجستاني، نزيل بغداد- حدثنا عمر بن عثمان الحمصي. وحمص هي منطقة من مناطق الشام، وهي قريبة من دمشق، وكانت بلد العلماء في سلك العصور، كان أكثر حفاظ الشام من حمص. قال: أخبرنا أبي، وهو عثمان الحمصي. قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عرق، وهو اليحصبي الحمصي. قال: أخبرنا عبد الله بن بسر. قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء، يحملها أربعة رجال. القصعة هو إناء يوضع فيه الطعام، كما في الحديث: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداع الأكلة على قصعتها». فالإناء الذي يوضع فيه الطعام يقال له قصعة، وغالبا ما يقولون أنها تشبع الخمسة أو أكثر. قال: وكانت له هذه القصعة الغراء يحملها أربعة رجال، يعني إذا كانت مملوءة بالطعام. فلما أضحوا وسجدوا الضحى، أتي بتلك القصعة، وقد ثرد فيها الثريد -والثريد هو الطعام الذي يفت فيه الخبز بالسمن أو يوضع له سويق- فالتقوا عليها. فلما كثروا جثى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى، وهو من الأحاديث التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم الضحى. قال: وقد ثرد فيها، فالتقوا عليها، فلما كثروا جثى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجثى معنى جلس على ركبتيه. فقال عربي: ما هذه الجلسة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها». كلوا من جوانبها، واتركوا الوسط، يبارك فيها. قال: وهذا حديث حسن، مسلسل بالحمصيين. قال: وخرجه ابن ماجة. قال: حدثنا عمر بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، فهو هذا الشيخ. قال: حدثنا أبي. قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن بن عرق اليحصبي، فهو حمصي أيضا. قال: حدثنا عبد الله بن بسر. قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة، فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه يأكلون. فقال عربي: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا». قال: وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، منها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من خلق عظيم وتواضع. وهذه الجلسة جلسة تواضع. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب الاتكاء في الأكل. كما جاء في الصحيح: «أما أنا فلا آكل متكئا». واختلف العلماء في تفسير الاتكاء. قال: وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله عز وجل جعله عبدا كريما يتواضع. وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جاءني جبريل، وقال لي: إن الله عز وجل يخيرك بين أن تكون ملكا رسولا أو عبدا رسولا». فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدا رسولا. قال: ومن سنة الطعام الأكل من حوالي القصعة، والأكل مما يلي الإنسان. فإذا كان الطعام واحدا، فالأفضل أن يأكل الإنسان مما يليه. وأما إذا كان الطعام متعددا، فلا بأس أن يأكل ويمد يده إلى الطعام الثاني. لكن الأفضل أن يأكل مما يليه. قال: وفي هذا الحديث سنة أخرى، وهي سنة اللعق، أن يلعق الإنسان أصابعه ويعطيها أحدا من أهله ليلعقها. فهذه من سنن الطعام التي يحافظ عليها الإنسان، لأن فيها بركة. والبركة هي زيادة الخير في كل شيء. فإذا أكل الإنسان وأطعم غيره، جعل الله عز وجل في طعامه البركة، فينتفع بهذه البركة العظيمة التي جعلها الله عز وجل في طعامه. والله تعالى أعلم.