تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 65

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 65

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية يوم يود الكافرون عند السعدي

يشرح السعدي حال الكافرين يوم القيامة حين يتمنون لو كانوا تراباً لشدة الهول، ويبين أن الشهود يشهدون عليهم ولا يكتمون الله حديثاً فيوفيهم جزاء أعمالهم عدلاً. وتبرز الآية عظمة الموقف وشدة الندم التي تلحق بالكافرين.

شهادة الجوارح والملائكة واعتراف المؤمن

تشهد الأرض والأنبياء والملائكة وأعضاء الكافر عليه يوم القيامة، فيختم الله على فيه فتنطق جوارحه بأعماله ويتمنى الكافر لو كان تراباً. أما المؤمن فيعترف بذنوبه فيسترها الله عليه في الدنيا ويغفرها له في الآخرة.

الحساب اليسير وعاقبة المكذبين بالرسل

الحساب اليسير هو مجرد عرض الأعمال على المؤمن فيقر بها، بينما يظن الكافر أنه يستطيع كتمان ذنوبه ثم تفضحه جوارحه وتتبين الحقائق. فيرى المكذبون جهنم بعين اليقين جزاءً لإنكارهم الرسل وتكذيبهم بالله وعصيانهم الرسول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فقال رحمه الله: «ولهذا قال» أي: بعدما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: عندما يأتي ذلك اليوم العصيب، وذلك اليوم الذي يظهر فيه السعداء، ويسعد أقوام بالفوز والفلاح والعز والنجاح، ويشقى أقوام بالخزي والفضيحة والعذاب المهين. فلهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾، أي: جمعوا بين الكفر بالله وبرسوله ومعصية الرسول، ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾، أي: تبتلعهم ويكونون ترابًا وعدمًا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. ليس موجودًا في هذه الأرض، يتمنى الكافر يومئذ أن يكون مثل التراب. قد ذكر كثير من المفسرين أنه يتمنى مثل الحيوانات لأنها تصير ترابًا، لكن هذا لم يأتِ عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن اشتهر في كتب التفسير حتى كأنه صار شيئًا معلومًا أو شيئًا به دليل من الكتاب والسنة. لكن الكافر يقول هذا لأجل ما يرى من الأهوال وما ينتظره من العذاب، ويشهد عليه الشهداء أنه كفر بالله وأنه عصى الرسول، ويشهد عليه الرسول وعليه الصلاة والسلام بنفسه، صلوات الله وسلامه عليه، يأتي شهيدًا. وكما ذكرنا قبل أن شهادة النبي عليه الصلاة والسلام شهادة عامة وشهادة خاصة، قد ذكرنا بعض الأدلة في ذلك. ثم قال: هذا الكافر ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، أي: بل يقرون له بما عملوا، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾، أي: جزاءهم الحق، يوفيهم ما عملوا، يعني: يوفي لهم جزاء أعمالهم هذه التي عملوها في الدنيا، يجازيهم الله عز وجل بها يوم القيامة، فإن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وكما قال الله عز وجل: ﴿يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ﴾. فلهذا لما يرى هذا الكافر أن كل شيء يشهد عليه، تشهد عليه الأرض، ويشهد عليه الأنبياء أو النبي نبيه يشهد عليه، ويشهد عليه كذلك أعضاؤه، أعضاؤه عندما يرى أن كل شيء يشهد عليه، وتشهد عليه الملائكة كذلك، وكفى بالله شهيدًا، ربنا جل وعلا أيضًا شهيد. لكن الكافر لا يكتفي بهذه الشهادات، فيقول: لا أرضى يا رب، إنك وعدتني أن لا... أنك لا تظلمني، فلا أرضى بشهادة إلا من نفسي، ما أريد أحد يشهد عليه إلا شهادة من نفسه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ»، يختم على فيه، معناه: يغلق، فهو لا يستطيع أن يتكلم، وتتكلم جوارحه بما كان يفعل، تتكلم جوارحه بما كان يفعل. وكما أخبر الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فلهذا تشهد عليهم هذه الأعضاء، لما يروا هذه الأهوال العظيمة يتمنون أنهم يكونون ترابًا تحت الأرض، أنهم ما خلقوا في قبل ذلك أو ما كانوا أناسًا، يتمنون أنهم كذلك. ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، أي: أنهم لو كانوا لم يفعلوا ذلك الكفر لكانوا أخبروا الله عز وجل بكل شيء، لكن لما كتموا وأنكروا، جعل الله عز وجل له عليهم الشهادات، فبعد ذلك يتحسرون ويتندمون أنهم أنكروا، ولو أنهم أخبروا الله عز وجل بكل شيء مثلها للإيمان. المؤمن يعترف بكل ذنوبه، كما جاء في الصحيحين أن الله عز وجل ذلك الجبار العظيم سبحانه وتعالى الملك يضع يده على كَنَف عبده، وهذا من ترحمه جل وعلا ورحمته بعباده، فيضع كَنَفَه على عبده، فيقول: يا عبدي، قد فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، فيقول العبد: نعم يا رب، قد فعلت، معنى يقر بما فعل ويعترف بما فعل، فيقول الله عز وجل: «إني سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، إني سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم». وهذا هو العرض الذي ذكره الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فهذا الحساب اليسير قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو العرض»، كما جاء في حديث عائشة لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»، فقالت: يا رسول الله، أليس الله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «ذَاكَ الْعَرْضُ»، الحساب اليسير هو العرض، أي: يعرض على العبد ذنوبه، فعلت كذا وفعلت كذا، يقول: نعم يا رب فعلت. لكن الكافر يظن أنه سيخفي على الله عز وجل ما فعل، وقد قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، ما يخفى على الله عز وجل شيء. فلهذا يظن هذا الكافر، لأنه بعيد عن الله ولم يعظم الله عز وجل في هذه الدنيا، فلهذا يظن أنه سيكتم أشياء فعلها في هذه الحياة وأن الله عز وجل ما سيعلمها. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فهم ظنوا أن الله عز وجل لا يعلم كثيرًا مما يفعلون ويعملون، فلهذا أرداهم هذا الظن إلى مثل هذه الأمور. فقال جل وعلا: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، أي: بل يقرون. قال المؤلف: «بل يقرون له بما عملوا، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾». قال: «فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم، فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة، حين يظنون أن جحودهم ينفعهم»، معنى ذلك أنهم يظنون كما ذكرنا أن هذا الإنكار ينفعهم، وممكن أنهم يذهبوا بهذا الإنكار يدخلوا مع المؤمنين، ولم يعلموا أن الله عز وجل هو الحق المبين وأنه لا تخفى عليه خافية جل وعلا، «حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله، فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم، حينئذ ينجل الأمر، تتبين الحقائق، ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة». فبعد ذلك تتبين الحقائق، ويرون بعد ذلك عين اليقين، عين اليقين يرون جهنم أمامهم، هذا جزاؤهم لأنهم أنكروا وكذبوا الرسل وكفروا بالله جل وعلا وعصوا الرسول. فهذا إن شاء الله تعالى ما ذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.