شرح الجوهرة الفريدة 79

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 79، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

يبدأ الحديث بذكر فضائل علي بن أبي طالب، مثل محبة الله ورسوله له، واستدلال بحديث النبي يوم خيبر. كما يُذكر شجاعته وتضحيته لرسول الله.

الرد على الرافضة وتوضيح مكانة الخلفاء الراشدين

يُناقش المقطع ادعاءات الرافضة بتفضيل علي على الخلفاء الآخرين، ويُعرض أدلة تُثبت فضل أبي بكر وعمر وعثمان، ويُبيّن تناقض الروافض في محبتهم لآل البيت.

تتمة الكلام في فضائل علي بن أبي طالب ومكانته عند النبي

يذكر المقطع بعض المواقف التي تدل على مكانة علي عند النبي، مثل نومه على فراش رسول الله وتكنيته بأبي تراب، وأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق.

ختام بالصلاة على النبي وآله وصحبه

يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل الدعاء أيضًا لآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. ما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول الناظم -رحمه الله تعالى- كذا: علي أبو السبطين رابعهم بالحق، معتضد بالحق، معتضد للكفر متهدد. ذكرنا في الدرس الماضي خلافة علي -رضي الله تعالى عنه- وأنها كانت بإجماع أهل عصره عليه. خلافة علي كانت بإجماع أهل عصره على حقيقته للخلافة، وهو كذلك، فهو رابع الخلفاء الراشدين، خير الناس بعد الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان. ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ترتيب الخلفاء الأربعة -رضي الله تعالى عنهم- هو ترتيبهم في الفضل. ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. كان في أول الأمر خلاف فيما يتعلق بعثمان وعلي: من هو أفضل؟ هل عثمان أم علي؟ فبعض أهل الكوفة قالوا بأفضلية علي -رضي الله تعالى عنه- على عثمان. ولكن استقر بعد ذلك أمر أهل السنة على تقديم عثمان في الخلافة على علي، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة. والخلاف في مسألة الأفضلية: هل عثمان أفضل أم علي؟ هذا لا يبدع صاحبه. بخلاف إذا قدم علي في الخلافة، قال: علي أحق بالخلافة من عثمان، فهذا قال فيه الإمام أحمد -رحمه الله-: أضل من حمار أهله، من قدم علي على عثمان في الخلافة، فهو أضل من حمار أهله. وأخذ هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الواسطية، وإلا فهي مقولة الإمام أحمد -رحمه الله-: من قدم علي في الخلافة على عثمان، فهو أضل من حمار أهله؛ لأن هذا الأمر لا خلافة فيه في تقديم عثمان على علي، لكن الخلاف كان فيما يتعلق بالأفضلية: هل عثمان أم علي؟ هذا في أول الأمر، لكن بعد ذلك استقر أمر أهل السنة على ترتيب الخلافة. ترتيب عثمان وعلي في الفضل على ترتيبهم في الخلافة: عثمان ثم علي. وذكرنا في الدرس السابق بعض الفضائل لأمير المؤمنين علي -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. ومن الفضائل الثابتة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- أن الله يحبه ويحبه رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. ثبت في الصحيحين حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها؟ فلما غدوا -أو فلما أصبحوا- غدوا إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» وكان قد أصابه الرمد -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، فقال له: أرمد. فأمر -عليه الصلاة والسلام- بأن يأتوا به، فأتي بعلي بن أبي طالب. كما قال سلمة بن الأكوع -رضي الله تعالى عنه-: جئت أقوده أرمد، يعني قد أصابه الرمد. فبسق النبي -عليه الصلاة والسلام- في عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع، وأعطاه الراية، وقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم». فالشاهد الحديث أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أعطى الراية لعلي بن أبي طالب، وقد قال: «يحبه الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». حتى قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه الفاروق- كما في صحيح الإمام مسلم: «ما أحببت الإمارة إلا يومئذ»، أي: أنني لم أحببت أن أكون أميرا إلا في تلك الغزوة، في غزوة خيبر. لماذا؟ لأن صاحب الراية أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فكانت هذه المنقبة لعلي بن أبي طالب. ولا يلزم من إثبات هذه الأفضلية لعلي أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان. فالصحابة يتفاضلون، والصحابة تختلف فضائلهم. فكون النبي -عليه الصلاة والسلام- أعطى الراية لعليا لا يعني ذلك أن عليا أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان كما تدعي الرافضة. فالرافضي يأخذون هذه الأحاديث الواردة في فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويقولون: هو أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان، ويتناسون الفضائل الأخرى الثابتة لأبي بكر وعمر وعثمان. فأين هؤلاء من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». والخلة هي أعظم مراتب المحبة، أعظم مراتب المحبة هي الخلة، وهي المحبة التي دخلت شغاف القلب وتخللت شغاف القلب. لا يصلح أن يكون الإنسان نعم له خليلان، لا يتسع قلبه لخليلين؛ لماذا؟ لأن الخلة مرتبة عظيمة، مرتبة عظيمة لا تتسع لأكثر من واحد. هذا بالنسبة للبشر، والذي أكبر قال: «ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». النبي -عليه الصلاة والسلام- خليل الرحمن، فإذا الله -جل وعلا- خليل الرسول الله -عليه الصلاة والسلام-. ومعنى ذلك أن قلب النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يتسع لخل لأحد؛ لأن خلته هي لله -جل وعلا- وحده. فالخلة لا يتسع أمرها لأكثر من واحد، فلذلك نفسه يقول: «لو كانت تتسع لكانت لأبي بكر»، لكانت لأبي بكر، يعني لو أن الخلة تكون لإثنين، فخليلي رب العالمين وخليلي أبو بكر. لكن الخلة لا تتسع إلا لواحد. وقال: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، أي: أنه -عليه الصلاة والسلام- خليل الله -جل وعلا-. فهذه منزلة عظيمة، منقبة عظيمة أعظم من إعطاء الراية. لكن الروافض يقولون: إعطاء الراية منزلة عظيمة ومنقبة لا يماثلها منقبة. وهذا لجهلهم. وهكذا ما ورد في فضائل عمر وفضائل عثمان، فلهم فضائل كثيرة عظيمة. فكما يقول أهل العلم: لا يلزم من وجود مزية في المفضول أن يكون أفضل من الفاضل. فقد توجد مزية في المفضول لا توجد في الفاضل، ولا يلزم من ذلك أن يكون ذلك المفضول أفضل من الفاضل. فوجود مزية واحدة مثلا تكون في علي، ليست في عثمان، ليس معناه أن علي أفضل من عثمان، لا، بل عثمان أفضل من علي بدلالة الأدلة الصحيحة الواضحة التي لا إشكال فيها. ابن عمر كما في البخاري: «كنا نقول في عهد رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان». هذا يقوله من أبو سلمة، حي يسمع ذلك منهم. لو كان هذا غير صحيح، لغلطهم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ولبين لهم الصواب. لكن الروافض أهل هوى، أهل هوى وأهل غلو في آل بيت الرسول -عليه الصلاة والسلام-. وغلو يقابله جفاء في مواضع أخرى، فهم غلوا في البعض، جفاء في البعض الآخر. وهذا يدل على تناقضهم، حتى محبتهم لآل البيت غير مستقيمة؛ لأنها أولا غير شرعية، وثانيا لأنهم أيضا لم يغلوا في آل البيت ويمدحوا آل البيت جميعا، بل قدحوا في آل آخر. حتى من الروافض من يقدح في علي، حتى من الروافض من يقدح في علي ويقول: جبان. لماذا لم يظهر الولاية؟ أن النبي -عليه السلام- أعطاه الولاية، لماذا لم يظهر الولاية ويبين للناس؟ هذا يدل على جبنه. هكذا يقول بعض الروافض، قبحهم الله. فإذن الروافض هؤلاء ناس، أعظم الناس هوى. حتى قال الشعبي -رحمه الله تعالى-: «لو كانوا من البهائم لكانوا حمرا». لو كان الروافض هؤلاء من البهائم، ما كانوا بقرا، وما كانوا يعني شياه، لا كانوا حمرا، يعني من الحمير. لو كانوا من البهائم. ولماذا؟ للهوى العظيم الذي هم عليه من الهوى. ولو كانوا من الطيور لكانوا رغاما. ولو كانوا من الطيور لكانوا رغاما. فوصفهم بهذه الأوصاف؛ لخبثهم ومكرهم والكذب الذي هم عليه، يجوزون الكذب ويستحلون الكذب، وعندهم التقية إلى آخر ذلك. ومن فضائل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وأرضاه- أنه كان شجاعا -رضي الله تعالى عنه-. نام على فراش رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. أراد المشركون قتل رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فنام علي بن أبي طالب على فراش رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وهذا يدل على شجاعة عظيمة وتضحية وفداء عظيم لرسول الله -عليه الصلاة والسلام-، مما يدل على عظيم محبته -رضي الله تعالى عنه- لرسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وكان كذلك شجاعا في الحرب، في غزوة خيبر. كان من اليهود وكان من المشركين مرحب، هذا مرحب موصوف بالشجاعة، شجاع عظيم في الحرب، حتى أنه إذا أقبلت الحرب قال: قد علمت خيبر قد علمت خيبر بأني مرحب شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب. هكذا كان يقول. فقال علي بن أبي طالب: أنا الذي سمتني أم حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة. أوفيهم بالصاع كيل السندرة. فبارز مرحبا فقتله. فكان شجاعا -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. ومن فضائل -رضي الله تعالى عنه- ما جاء في صحيح مسلم -رحمه الله- من حديث علي بن أبي طالب أنه قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». فلا يحب عليا إلا مؤمن، ولا يبغض عليا إلا منافق. هكذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-. وكتبت عنه -عليه الصلاة والسلام- في فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما جاء في الصحيحين: أنه -عليه الصلاة والسلام- أرسلت إليه ابنته فاطمة أن يرسل إليها خادما. فجاء رسول الله -عليه الصلاة والسلام- إلى بيت علي، وقد أخذ مضجعهما لينام، فجلس رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بينهما، حتى قال علي: قد أحسست برد رجليه -يعني برد رجلي رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وهذه تدل على مكانت علي عند النبي -عليه الصلاة والسلام-. ومرة جاء ولم يجده، كذلك كما في الصحيح، قد حصل بينه شجار وبين زوجته فاطمة، وخرج إلى المسجد. فجاء النبي -عليه الصلاة والسلام- وسأل عنه، فقيل: هو في المسجد. فجاء فوجده في المسجد، وقد اتخذ مضجعا في المسجد، وكان عليه التراب، حتى قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: «قم أبا التراب، قم أبا التراب». فكانت كنية علي -رضي الله تعالى عنه- أبو تراب. وكان يفتخر بها، حتى كان بعض الناس ربما يسخر من هذه الكنية التي لعلي. لما سمع بعض الناس يقول لعلي: يا أبا تراب، صار يضحك. فقال له: ذلك لتضعك، تعلم من كناه بهذا رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فهو الذي جعله هذه الكنية أبو تراب. وكذلك من فضائل علي -رضي الله تعالى عنه- أنه يكون مع النبي -عليه الصلاة والسلام- يوم القيامة. فقد جاء في أحاديث أن النبي -عليه السلام- جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «نحن معا يوم القيامة، نحن معا يوم القيامة في مكان واحد». في مكان واحد. وهذا فيه فضيلة علي -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. والفضائل كثيرة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وهو أبو الحسنين الحسن والحسين، سبطي رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وبقي ما يتعلق بهذا المبحث فيما يتعلق بآل البيت والصحابة عموما في ذكر فضائلهم في درسنا اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.