الدرس في شرح العقيدة التدمرية 39، ألقاها
يناقش انتقاد شيخ الإسلام لتقسيم المتقابلات إلى أربعة أقسام ويبين عدم دقة هذا التقسيم. يقدم أمثلة على تقابل الوجوب والإمكان والعلم والجهل.
يشرح الرد على معترض يرى أن السلب والإيجاب لا يدخل فيه العدم والملكة، ويبين تفاصيل هذا التقسيم. يوضح أن الممكنات التي تقبل الوجود والعدم تكون من قسم العدم والملكة.
يشرح مفهوم التقابل بين الأضداد وكيف أن إثبات أحد الوصفين يستلزم نفي الآخر. يبين أن هذا التقابل يحقق المقصود من فهم المفاهيم المتناقضة مثل الوجود والعدم والعلم والجهل.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والرد عليه من وجوه، الوجه الأول أن هذا التقسيم غير حاصر، فإنه يقال للموجود إما أن يكون واجبًا بنفسه وإما أن يكون ممكنًا بنفسه، وهذان الوجوب والإمكان لا يجتمعان بشيء واحد. قال المحقق: والرد عليه من وجوه، الوجه الأول أن هذا التقسيم غير حاصر، فإنه يقال للموجود إما أن يكون واجبًا بنفسه وإما أن يكون ممكنًا بنفسه، وهذان الوجوب والإمكان لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجبًا بنفسه وممكنًا بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قبل أن ندخل في الجواب على ما ذكر، نلخص ما تقدم، وهو أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن العقل الصحيح لا ينافي النقل الصريح، بل يوافقه، وضرب لهذا مثالًا بقاعدة وهي أن انتفاء أحد النقيضين يستلزم إثبات الآخر، فنفي النقص عن الله جل وعلا يستلزم إثبات الكمال، فنفي النقص عن الله عز وجل - نفي الموت، نفي العجز، نفي الجهل - يستلزم إثبات العلم والقدرة والحياة، وهذا الطريق طريق عقلي. فانتقد عليه أو قول انتقد المتأخرون هذا الطريق بالتقسيم في المتقابلات، وأن المتقابلات إما أن يكون التقابل فيهم تقابل النقيضين، وإما أن يكون تقابل الضدين، وإما أن يكون تقابل المتضايفين، وإما أن يكون تقابل العدم والملكة. وكانت خلاصة ذلك أن ما ذكره شيخ الإسلام ليس داخلًا في شيء من ذلك، إذ يصح أن يقال في الشيء أنه ليس بأعمى ولا يلزم أن يكون بصيرًا، وكذلك ليس بأصم ولا يلزم أن يكون سميعًا، إلى غير ذلك. فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن هذه الشبهة بأجوبة، والكلام كما سمعتم وتقدم معنا فيه سقط، فقال المحقق تتميمًا للفائدة وتكميلًا للكلام حتى ينتظم. قال: والرد عليهم من وجه، الوجه الأول أن هذا التقسيم غير حاصر، التقسيم إلى أربعة أقسام أن المتقابلات إلى أربعة أقسام، يقول هذا التقسيم ليس بحاصر، ما معنى ليس بحاصر؟ أي ليس بمحصور فيما ذكر، ليس محصورًا فيما ذكر، بل قد يكون هناك متقابلات وليس من هذه الأشياء المذكورة. قال: فإنه يقال للموجود إما أن يكون واجبًا بنفسه وإما أن يكون ممكنًا بنفسه، وهذا الوجوب والإمكان لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، هل يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة؟ معنى هذا أن يكون الشيء واجبًا بنفسه وممكنًا بنفسه، هذا غير ممكن. قال: ولا يصح اجتماعهما في الصدق كما ذكرنا، ممكن بذاته واجب بغيره، هل تكون الشيء الواحد في آن واحد واجبًا وممكنًا؟ هذا غير ممكن. قال: ولا في الكذب، أي في السلب، أن يقال لا واجب ولا ممكن، قال: إذ كون الموجود واجبًا بنفسه وممكنًا بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان. إذن هذا قسم ليس داخلًا في الأقسام الأربعة، هذا قسم ليس داخلًا في الأقسام الأربعة، لماذا؟ لأنهم جعلوا القسم الذي هو تقابل النقيضين جعلوه تقابل سلب وإيجاب، والوجوب والإمكان هل هو تقابل سلب وإيجاب؟ الجواب: ليس تقابل سلب وإيجاب. إذن هناك قسم لم يذكر في الأقسام المذكورة، وهذا كما يقال قدح في هذا التقسيم، يسمى هذا قادحًا في التقسيم الرباعي، إذ أنه قد وجد هناك متقابلات وليست داخلة في الأقسام الأربعة. إذن الأقسام الأربعة ليست حصرية لجميع المتقابلات، هذا ناقض لهذا التقسيم، هذا أول شيء، يستطيع شيخ الإسلام أن يتوقف هنا ويقول انتهينا منكم، قد قدحنا دليلكم. قال: فإذا جعلتم هذا التقسيم أي تقابل الوجوب والإمكان، وهما النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، يقول: فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإذا جعلتم هذا التقسيم من قبيل تقابل النقيضين وتقابل سلب وإيجاب. فيقول: وهم النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، قال: فهذان لا يجتمع، وليس هما السلب والإيجاب، لا يجتمعان ولا يرتفعان. وكذلك ليس هما سلب وإيجاب، والضابط عندكم في النقيضين أن تقابلهما تقابل ماذا؟ سلب وإيجاب، إذن وجد نوعًا هو من النقيضين وليس من السلب والإيجاب. ثم قال: فلا يصح حصر النقيضين الذين لا يجتمعان ولا يرتفعان في السلب والإيجاب، هذه نتيجة، إذن النقيضان ليس محصورين في السلب والإيجاب، بل قد يكونان نقيضين وليس في سلب ولا إيجاب، مثل الوجوب والإمكان. وتقابلهما هل هو تقابل سلب وإيجاب؟ الجواب: ليس تقابل سلب وإيجاب. إذن هذا ناقض للتقسيم وناقض أيضًا لضابط النقيضين الذي يصطلحون عليه، وحينئذ فقد ثبت وصفان لا يجتمعان ولا يرتفعان وهو خارج عن الأقسام الأربعة. وعلى هذا فمن جعل الموت معنى وجوديًا فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب. الآن بعد أن خرج بهذا أنه ثم متقابلات وليس الداخل في الأقسام الأربعة، يقول: على هذا فمن جعل الموت معنا وجوديًا - جعل الموت معنا وجودي أي أن الموت موجود - والوجود إما أن يكون واجبًا وإما أن يكون ممكنًا. قال: فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب، من باب تقابل موجود، هل هو واجب أو ممكن؟ ثم اضطرد أو اضطرد هذه القاعدة، فقال: وكذلك العلم والجهل والصمم والبكم ونحو ذلك، أي يقول: كذلك العلم إذا جعل العلم معنى وجوديًا، وكذلك الجهل والصمم والبكم إلى غير ذلك إذا جعلها معاني وجودية. فيقول: إما العلم موجود في حق الله جل وعلا وإما ماذا؟ وإما أن يكون ممكنًا، العلم إما موجود وإما ماذا؟ ممكن، الجهل إما ممكن وإما ماذا؟ وإما معدوم. فإذا جعلناها قلنا: العلم إما موجود وإما ممكن في حق الله جل وعلا، في حق الله جل وعلا العلم إما واجب وإما ممكن، فما هو التقسيم على هذا؟ التقسيم يكون إذا جعلناه ممكن أي ليس بواجب، وإذا جعلناه واجب فهو ليس بممكن. لأن الممكن هو ما يمكن وجوده وعدمه، والواجب هو ما لا يمكن عدمه، إذن العلم في حق الله جل وعلا يقال: إما ممكن وإما واجب. فإذا قلنا ممكن على سبيل الفرض، معنى الممكن أنه يمكن عدمه، وليس في الوجود واجب إلا واحد، إذن قولنا يمكن عدمه هل هو متصور أم لا؟ ليس متصور، لماذا؟ لأننا إما أن نقول إما موجود وإما معدوم. إما أن نقول ممكن فيما كان ممكنًا، وممتنع فيما كان ممتنعًا، وواجب فيما كان واجبًا، إذا بهذه الطريقة نستطيع إثبات العلم لله جل وعلا في طريقة ما تقابل الوجود، هل هو ممكن أم واجب؟ أيضًا في الجهل إذا قيل: جهل، هل هو في حق الله جل وعلا ممكن أم واجب؟ لا ذاك ولا ذاك، لماذا؟ لأن الجهل نقص، يتنزه الله جل وعلا عنه، ونفي هذا النقص يثبت ضده، لأن ضد العدم الوجود. فهذا ما يريد أن يقرره شيخ الإسلام أن يقرره تحت هذه القاعدة، وأيضًا في نفس الوقت يقدح في التقسيم الرباعي في المتقابلات. الوجه الثاني: قال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين، وإنما هو نوع منه. خلاصة هذا التقسيم أن يقال: أن المتقابلات على قولكم ينبغي أن تكون على قسمين، وكل قسم يتضمن قسمين، فالقسم الأول التداخل في السلب والإيجاب، يدخل فيه النقيضان ويدخل فيه تقابل العدم والملكة. وقسم السائل تقابل المتضايفين أو تقابل المتضادين، فإن يدخل فيه المتضادين، وكذلك المتضايفين، قد يقول قائل: لماذا؟ الجواب: لأن التقابل في السلب والإيجاب تقابل سلب وإيجاب وهو التقابل النقيضي، والعدم والملكة أيضًا تقابل سلب وإيجاب. إذن يجمع القسمين قسم واحد وهو السلب والإيجاب، الثاني كلا المعنيين وجوديين، الملاء المتضايفان - الأبوة والبنوة - معاني وجودية، الملاء أيضًا كذلك يقول في المتضادين معاني وجودية. يقال في الشيء مثلًا: أبيض، لا يجتمع الأبيض والأسود متضادي الأبيض والأسود، لكن قد يرتفع عن السلب، إذن المعنى في المتضادين الإيجاب الوجودي، وفي المتضايفين وجودي، إذن يجمعهما المعنى الوجودي. كما أنه يجمع الأولين الذين هما النقيضين والعدم والملكة يجمعهما السلب والإيجاب، فخلاصة كما قال الشيخ رحمه الله: أن يقال هذا التقسيم يتداخل بعضه في بعض. قال: فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، والسلب والإيجاب هو من تقابل النقيضين، قال: وغايته أنه نوع منه، أنه نوع من تقابل السلب والإيجاب، أي نوع خاص. قال: والمتضايفان يدخلان في المتضادين، وإنما هو نوع منه، لماذا؟ لأنها هذان معنيان وجوديان، لأن هذان المعنيان وجوديان أو وجوديان. قال رحمه الله: فإن قال - أعني بالسلب والإيجاب ما لا يدخل فيه العدم والملكة - وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له، ولهذا جعل من خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه إلى الآخر. يعني إن قال المعترض: أعني بالسلب والإيجاب ما لا يدخل فيه العدم والملكة، لا يدخل فيه تقابل العدم والملكة، لماذا؟ قال: وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له، ما ليس بقابل له، لأن تقابل العدم والملكة وتقابل إيش؟ تقابل بين شيء يقبل أو ينزع عنه هذه القابلية. فيكون عدمًا، بخلاف المتناقضين، يقول: ولهذا جعل من خواص أي من خواص المتناقضين أنه لا استحالة لأحد طرفي إلى الآخر، لا يجتمعان ولا يرتفعان. يقول: بخلاف تقابل العدم والملكة، قد يكون في المحل الذي ليس بقابل لهما، إذن الخلاصة أنه يقول: أن النقيضين فيما لم يكن المحل قابلا لأحد الوصفين أو عدمه. بخلاف الملكة، فإن التقابل فيهما من هذا القبيل، إذن الملكة نوع ليس هو داخلًا في النقيضين، أن يبقي التقسيم على أن تقسيمه صحيح رباعي. قال رحمه الله: قيل له عن هذا جوابان، أحدهما أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين، أحدهما سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، والثاني سلب ما لا يمكن اتصافه به. يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قيل لهم أي يرد على هذا المعترض بجوابين، أحدهما أن غاية هذا أي المذكور الذي ذكرته أن السلب ينقسم إلى نوعين، السلب أي سلب الوصف ينقسم إلى نوعين. أحدهما سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، ما يمكن اتصاف الشيء به، الثاني أو قبل هذا سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، ما يمكن هو من قبيل تقابل إيش؟ تقابل العدم والملكة. قال: والثاني سلب ما لا يمكن اتصافه به، هذا من قبيل تقابل النقيضين، قال: ويقابل الأول إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب، والثاني إثبات ما يجب اتصافه به. فيكون المراد به سلب ممتنع وإثبات الواجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر، فإن هذا سلب ممتنع. قال: وعلى هذا التقدير فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم كقولنا المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك. يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وعلى هذا التقدير أي الذي قرره وحققه، يقول: فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، الممكنات التي تقبل الوجود والعدم، لأن الممكن ما هو؟ ضابطه يقبل الوجود والعدم. قال: كقولنا المثلث موجود أو معدوم، المثلث إما موجود وإما معدوم، قال: يكون من قسم العدم والملكة، أي على قولهم، لماذا؟ لأن المثلث قابل للوجود والعدم، المثلث قابل للوجود وقابل للعدم، إما أن يكون موجودًا وإما أن يكون معدومًا. فيكون عدمًا، هم تقابل ماذا؟ على قولهم تقابل عدم والملكة، إن كان موجودًا فهو ملكة، إن لم يكن موجودًا فهو عدم، يقول رحمه الله: وليس كذلك، أي ليس من تقابل العدم والملكة، فليس بصحيح أن يجعل من هذا القسم. قال: فإن ذلك القسم يخل فيه الموصوف الواحد عن أحد المتقابلين جميعًا، بينما هذا إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، واضح، إذا لم نقل موجود فهو معدوم، وإذا قلنا معدوم فهو ليس بموجود، إذا لا يصح أن يكون في تقابل العدم والملكة. لماذا؟ لأن تقابل العدم والملكة يصح انتفاء المتقابلين، فيصح أن يقال في الحجر مثلًا: ليس بأعمى ولا بصير، لا يصح أن يقال في الحجر ليس بأعمى ولا بصير، لماذا؟ لأنه خرج عن هذا التقرير. فإذا هذا التقسيم ليس داخلًا في تقابل العدم والملكة، قال: لأن ذلك القسم يخل فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعًا، قال: ولا يخل شيء من الممكنات عن الوجود والعدم. إذن التقابل فيهما تقابل نقيضين، بثبوت أحدهما انتفاء الآخر، أو العكس بانتفاء أحدهما ثبوت الآخر، واضح، إذا نقول: مثلث إما موجود وإما معدوم، فإذا أثبتنا وجوده نفينا عدمه، وإذا أثبتنا عدمه نفينا وجوده. إذن التقابل فيه تقابل نقيضين، أو قل على ما عبر به شيخ الإسلام تقابل وجود وعدم على فرض أنه قسم خامس في المتقابلات. قال: وأيضًا فإنه على هذا التقدير فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل إما أن يكون حيًا أو عليمًا أو سميعًا أو بصيرًا أو متكلمًا أو لا يكون، كان مثل قولنا إما أن يكون موجودًا وإما أن لا يكون. وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب، ما معنى تقابل السلب والإيجاب؟ أن يلزم من إثبات أحد الوصفين انتفاء الآخر، من إثبات الوجود انتفاء العدم، ومن إثبات العلم انتفاء الجهل، ومن إثبات القدرة انتفاء العجز، وهكذا. والعكس من نفي العجز والجهل والموت إثبات الحياة والعلم والقدرة، قال رحمه الله: فيكون الآخر مثله، وبهذا يحصل المقصود. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.