الدرس في شرح العقيدة التدمرية 7، ألقاها
يشرح المقطع التفريق بين واجب الوجود وممكن الوجود، حيث يبين أن العقلاء يقرون بأن المحدث إما أن يكون واجبًا قائمًا بنفسه أو محدثًا مفتقرًا إلى غيره. ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجودهما متشابهًا.
يشرح شيخ الإسلام أن الخالق والمخلوق يتفقان في الأسماء العامة مثل الوجود والحياة دون أن يعني ذلك تماثلا بينهما. فعند الإضافة والتخصيص يتبين التباين بينهما، ويُوضح ذلك من خلال أمثلة من القرآن الكريم.
يشرح المقطع كيفية فهم الأسماء والصفات عند إطلاقها وتخصيصها، مبينا أن إطلاق الأسماء على الله والمخلوقات له ثلاثة اعتبارات. الاتفاق في اللفظ والمعنى العام لا يلزم منه المماثلة بين الخالق والمخلوق.
المقطع يتضمن ذكر الله تعالى وتسبيحه والاستغفار منه، ويشير إلى توبة العبد ورجوعه إلى الله. يشكل ختامًا روحانيًا للدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: أعد من قولي وذلك أنه قد علم بضرورة العقل. قال: وذلك أنه قد علم علما بضرورة العقل قد علم عندكم علما. قال: فضل أنه لا بد من موجد قديم غني عما سواه، إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات. والحادث ممكن، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع. وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدث، والممكن لا بد له من واجب، كما قال تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾. فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق، ولا هم الخالقون لأنفسهم، تعين أن لهم خالقا خلقهم. وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، يقبل الوجود والعدم. فقوله رحمه الله تعالى: وذلك أنه قد علم، ما تقدم الكلام عليه. وقوله رحمه الله تعالى: وإذا كان من المعلوم بالضرورة، إذا كان من المعلوم بالضرورة، أي بالضرورة التي لا تندفع بالاحتمالات، أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم. فكل العقلاء، فضلا عن أهل الأديان، يقرون بهذا، أن المحدث إما أن يكون واجبا قائما بنفسه غنيا عما سواه، وإما أن يكون محدثا مفتقرا إلى غيره. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: هذا معلوم بالضرورة، معلوم بالضرورة التفريق بين واجب الوجود وممكن الوجود. قال: فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا. فالوجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد، ولا في غيره. فلا يقول عاقل: إذا قيل إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود، إن هذا مثل هذا. الاتفاق بينهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا، ومسمى الاسم المطلق. وإذا قيل: هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه، لا يشرك فيه شيء غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. قوله رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر أن العقلاء، أو أنه معلوم بالضرورة بضرورة العقل، أن المحدث منه ما هو واجب، ومنه ما هو محدث، منه ما هو واجب، ومنه ما هو ممكن. انتقل رحمه الله تعالى إلى تقرير أمر آخر، فقال: فمعلوم أن هذا موجود، أي الواجب واجب الوجود موجود. وأن هذا موجود، أي وممكن الوجود ممكن موجود. قال رحمه الله: ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: لا يلزم إذا اتفقا في مسمى الوجود، أي في اسم الوجود، لا يلزم من هذا أن يتماثل. وقول رحمه الله تعالى: لا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود، أي أن هذا يقال فيه بأنه موجود، وهذا يقال فيه بأنه موجود، الاتفاق في هذين اللفظين لا يلزم منه المماثلة بينهما. وهذا تقرير من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لأمر سيأتي كذلك بيانه، وهو أن الاتفاق في اللفظ لا يلزم منه التماثل بين المسميات. قال: ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، وهذا على ما تقدم في التفريق في أن الموجود إما أن يكون واجب الوجود، وإما أن يكون ممكن الوجود. فيظهر أن هذا يستحيل أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، لماذا يستحيل؟ لأن هذا واجب الوجود، وهذا ممكن الوجود. وإذا قلنا بالتماثل، لازم أن يكون واجب الوجود هو ممكن الوجود، وهذا ممتنع واضح. قال: بل وجود هذا يخصه، أي وجود الخالق سبحانه وتعالى يخصه. قال: ووجود هذا يخصه، أي ووجود المخلوق يخصه. فالخالق سبحانه وتعالى وجوده واجب، قديم، أزلي، أبدي، عما سواه. وأما المخلوق فوجوده ممكن، فوجود الخالق سبحانه وتعالى يليق به، ووجود المخلوق يليق به. قال رحمه الله: واتفاقهما في مسمى عام، ما هو المسمى العام؟ المسمى العام هو الذي لا يقيد بقيد، ولا يضاف إلى معين، بل هو اسم عام مطلق. وهو ما يعبر عنه علماء المنطق بالمطلق الكلي، أو بالعام الكلي. وهذا لا يتصور إلا في الذهن، لأنه ليس مقيدا بوصف ما يميزه ويخصه، بل هو مطلق. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: واتفاقهما في اسم عام، الآن اتفاق بين واجب الوجود وممكن الوجود في اسم عام، ما هو الاسم العام؟ في الوجود. فالاتفاق الذي بين الخالق والمخلوق، عند التجريد من الإضافة والتخصيص، الذهن يتصور وجودا مطلقا. إذا قيل لإنسان: ما معنى الوجود؟ أو ما معنى الموجود؟ يتصور الذهن هذا المعنى. لكن هل يتصوره مقيدا أو مطلقا؟ مطلق. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم، عند الإضافة والتقييد والتخصيص. أي عند ما يكون مقيدا، فإنه يكون مقيدا، إذا قيل: وجود الله جل وعلا، تصور وجودا يليق بالله جل وعلا. وإذا قيل: وجود المخلوق، تصور وجودا يليق بذلك المخلوق. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم، عند الإضافة والتقييد والتخصيص. وعند الإضافة لا يفهم منه تماثلا، بل يفهم منه تباينا. قال رحمه الله: ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه، لا يشرك فيها غيره. وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء، إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص. قيل: الحياة أو الحي، ما قلنا: الحي الله الحي، أو قلنا: المخلوق الحي، لكن قلنا: الحي، أو الحياة، أو السمع، أو البصر، أو العلم، أو ما شابه ذلك. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: توافق تلك الأسماء، إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص. ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسمى هما، واتحاد عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص. قال: وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء، إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص. ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسمى هما، واتحاد عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص. أما الاتفاق فهو موجود، الاتفاق هو موجود، أما التماثل فليس بموجود، أين؟ في الذهن، فضلا عن أن يكون موجودا خارج الذهن. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، وهذا من باب أولى. والخلاصة: أنه كما ذكرنا، أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يريد أن يقرر: أن الله جل وعلا لما سمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات، وسمى المخلوق بأسماء، ووصفه بصفات. لا يلزم من توافق الأسماء تماثلهما ذهنا، ولا تماثلهما من باب أولى في خارج الذهن. قال رحمه الله: فقد سمى الله نفسه حيا، فقال الله: ﴿لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. فسمى بعض عباده حيا، فقال: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾. وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله: الحي، اسم لله مختص به. وقوله: ﴿يخرج الحي من الميت﴾، اسم للحي المخلوق مختص به. وإنما يتفقان إذا أطلق وجرد عن التخصيص، أي: الحي إذا جرد عن التخصيص والإضافة، قيل: الحي، تصور الذهن معنى الحي. لكن تصوره مطلقا، كليا، لا يفيد المماثلة، لأنه لو أفاد المماثلة، للزم أن يكون خارج الذهن. ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين. وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق. فعلى هذا: كما ذكر أن إطلاق مثلا: إطلاق الألفاظ، أي الأسماء أو الصفات التي سمى الله جل وعلا بها نفسه، وسمى بها مخلوقاته، تكون على هذه الحالة. لها ثلاثة اعتبارات: الأسماء تكون لها ثلاثة اعتبارات. أولا: باعتبار تجريدها عن الإضافة والتخصيص، فهي مطلقة كلية، فهي بهذا الاعتبار مشتركة. وكونها مشتركة لا يلزم منها أن تكون متماثلة. ثانيا: بعد الإضافة والتخصيص، إن أضيفت إلى الله جل وعلا، كانت لائقة بالله جل وعلا. والثالث: إن أضيفت إلى المخلوق، كانت لائقة بذلك المخلوق. فإذا نظرنا إلى مثال ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما مر معنا في أول الدرس: الوجود أو الموجود. وجود الإنسان المخلوق ممكن، ووجود الخالق سبحانه وتعالى واجب. فإذا قلنا: وجود الله، فهو وجود يليق بالله جل وعلا، وجود واجب. وإذا قلنا: وجود المخلوق، فهو وجود يليق بالمخلوق، لأنه وجود ممكن. نضرب مثالا بصفة أخرى: صفة العلم. إذا قلنا: علم الله جل وعلا، كان علما لائقا بالله جل وعلا، لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان. وإذا قلنا: علم المخلوق، كان علما لائقا بالمخلوق، سبق بجهل، ولحقه نسيان. مثال ثالث: إذا قلنا في الحياة، إذا أضفنا الحياة إلى الله، قلنا: حياة الله جل وعلا، حياة الله جل وعلا لائقة بالله جل وعلا. لم تسبق بعدم، ولا يلحقها فناء، بل هي حياة كاملة من جميع الوجوه، أزلية، أبدية. فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء. وإذا قلنا: حياة المخلوق، كانت حياة لائقة بالمخلوق، لأنها قد سبقت بعدم. قال الله جل وعلا: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾. وتلحق بفناء، قال الله جل وعلا: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. قوله رحمه الله: ولا بد من هذا، أي مما تقدم من أن الاتفاق في اللغة، والاتفاق في المعنى العام الكلي، لا يلزم منه المماثلة في الذهن، فضلا عن المماثلة خارج الذهن، بعد الإضافة والتخصيص. لذا قال رحمه الله: ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، كما مثلنا وذكرنا في الحياة، في العلم، إلى غيرها من الأسماء. قال: يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، بالمواطأة والاتفاق. ومعنى المواطأة: وهي ما يسمونها بالألفاظ المتواطئة، هي التي تدل على أعيان متعددة بمعنى واحد. كجلالة اسم الإنسان، على زيد، وعامر، ومحمد، وفلان، إلى غير ذلك. الإنسان يشمل هؤلاء كلهم. قوله رحمه الله تعالى: دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، الاتفاق هاهنا بمعنى المواطأة أيضا. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يريد أن يقرر: ولا بد من هذا في جميع أسماء وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق. الاسم باعتباره كليا مطلقا، وما دل عليه بالإضافة والتخصيص، أي بعد الإضافة والتخصيص، له معنى يخصه. فيقول: وما دل عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى. بعد الإضافة، تكون أسماء الخالق وصفاته لائقة به، من جميع الوجوه. وتكون الصفات المضافة إلى المخلوق لائقة به، من جميع الوجوه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.