الدرس في شرح الشمائل المحمدية 55، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول المقطع حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، مع مناقشة أقوال العلماء في المراد بالنواجذ وترجيح أنها الأنياب. يستدل بالحديث على جواز الضحك بشرط عدم تجاوز الحد المعتاد، ويفسر قول الرجل "أتسخر بي" بأنه مقابلة لغدره بعهده مع الله.
يستعرض المقطع ثلاثة أقوال لأهل العلم في تفسير قول الرجل الذي أدخل الجنة: المجازاة، والنفي للتعظيم، والدهشة والفرح. ثم ينتقل المقطع لذكر حديث علي رضي الله عنه عند ركوب الدابة وقراءته آية التسخير مع التكبير والتحميد.
يشرح المقطع حديث علي رضي الله عنه الذي ضحك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن ضحك النبي كان لتعجب الله من عبده المستغفر عالماً بأنه لا يغفر الذنوب إلا هو. يوضح كلام ابن عثيمين في إثبات صفة العجب لله على وجه يليق بجلاله، مبيناً نوعيه وأن النوع الثاني ثابت لكمال علمه وحكمته.
يذكر الترمذي سلسلة رواة حديث تبدأ بمحمد بن بشار وتنتهي بعامر بن سعد، مع توثيق بعض الرواة كالأنصاري وابن عون. يشير المقطع إلى حال محمد بن محمد الأسود بأنه مستور الحال في الرواية.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجموعة من الأحاديث، وكان آخرها حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا: رجل يخرج منها زحفاً، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: يا رب، قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنَ، فيتمنى، فيقال له: فإن لك الذي تمنيت وعشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟» قال: «يا ابن مسعود، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه». هذا الحديث فيه إثبات ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ضحك حتى بدت النواجد. فما المراد بالنواجد في هذا الحديث؟ المعروف أن النواجد من الأسنان هي الضواحك التي تبدو عند الضحك، وهي أقصى الأضراس. لكن في هذا الحديث غير ذلك، كما أشار إليه النووي رحمه الله تعالى. يقول: قال أبو العباس ثعلب، وجماهير العلماء من أهل اللغة، وثعلب إمام من أئمة النحو واللغة، قال: وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: المراد بالنواجد هنا الأنياب. المراد بالنواجد هنا الأنياب، وكل إنسان فيه أربعة أنياب: اثنان من أعلى، واثنان من أسفل. فالمراد، يقول النووي نقلاً عن جماهير أهل اللغة، أن النواجد المراد بها في هذا الحديث لما ضحك عليه الصلاة والسلام هي الأنياب، لما ضحك وبدت أنيابه. وقال: وقيل المراد هنا الضواحك، والمراد بالضواحك هي التي تبدو عند الضحك، وهي مقدمة هذه الأسنان عندما يضحك الإنسان. وقيل: المراد بها الأضراس، والأضراس نسميها المطاحن، يعني التي تطحن الطعام، وهي الأسنان الداخلية. وقال: وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجد في اللغة، المراد بالنواجد إذا أطلقت في اللغة هي الأضراس، وهي التي تكون في الخلف، وهذه لا تظهر إلا عند المبالغة في الضحك. لكن هنا نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضحك بدت نواجذه، فيقول: المراد بها الأنياب. وقال: ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه. وقال: وفي هذا جواز الضحك، وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن، ولا بمسقط للمرؤة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال، والله أعلم. إذن هذا دليل في هذا الحديث على جواز الضحك، وأن الضحك لا يسقط المرؤة، بحيث لا يتجاوز الحد المعتاد به عند أمثاله. والنبي عليه الصلاة والسلام، كما تقدم في الأحاديث، أن أكثر ضحكه كان تبسماً، وهذا من باب اللطف والبشاشة، أو إظهار الفرح والسرور، أو كذلك عند التعجب من شيء مما يكون من شأنه التعجب. لكن في هذا الحديث هذا الرجل يقول لله سبحانه وتعالى: «أتسخر بي؟» وهذه لغة فصيحة من لغة العرب، يقال: سخر به، وسخر منه، سخرت بي، وأيضاً: سخرت مني، المعنى واحد، يقال هذا ويقال هذا. لماذا قال هذا الرجل لله سبحانه وتعالى: «أتسخر بي؟» ذكر النووي رحمه الله تعالى للعلماء فيه ثلاثة أقوال. يقول رحمه الله: وأما معنى «تسخر بي» هنا ففيه أقوال: أحدها: قاله المازيري، أنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه، لأنه عاهد الله مراراً أن لا يسأله غير ما سأل، ثم غدر، أي هذا الرجل، فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية، أي كأنه من باب المقابلة: هو لما عاهد وغدر، هذا الرجل وهو يقول: لا أسأل غيرها، ثم سأل بعد ذلك، كأنه كان منه استهزاء وسخرية، كأنه محط استهزاء وسخرية، وهو لا يريد الاستهزاء والسخرية، لكن عومل بالمقابلة بما فعل هو من فعله، فعومل بهذا، ولهذا قال: «أتسخر بي وأنت الملك؟» قال: فجاء الجزاء على السخرية سخرية، فقال: «أتسخر بي؟» أي: تعاطيني بالأطماع. هذا قول، وهذا القول الأول في قول الرجل: «أتسخر بي؟» يقول لله سبحانه وتعالى: «أتسخر بي؟» إذن هذا القول الأول هو من باب المقابلة، وهذا أيضاً كقول الله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾، هذا من باب المقابلة أيضاً، وسيذكر هذا الحافظ عن بعض العلماء كما سيأتي إن شاء الله بيانه في الفتح. والقول الثاني: قاله أبو بكر الصوفي، أن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على الله تعالى، كأنه قال: أعلم أنك لا تهزأ بي لأنك رب العالمين، وما أعطيتني من جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق، ولكن العجب أنك أعطيتني هذا وأنا غير أهل له. قال: والهمزة في «أتسخر بي» همزة نفي. فهذا القول الثاني يقول: من الصوفي أبو بكر الصوفي، يقول: لا، معنى هذا الكلام «أتسخر بي؟» الهمزة هنا للنفي، أي: أنت لا تسخر بي يا رب العالمين لأنك أنت الملك، وأنت أعطيتني هذا العطاء الجزيل وأنا غير مستحق له. هذا هو القول الثاني. وأما القول الثالث: فهو ما قاله القاضي عياض، أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو غير ضابط لما قاله، لما ناله من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله، فلم يضبط لسانه دهشاً وفرحاً، فقال وهو لا يعتقد حقيقة معناه، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الآخر، يعني الذي تاب وقد ظله راحلته ثم وجدها، قال: «أنت عبدي وأنا ربك»، والله أعلم. هذا قول القاضي عياض هو القول الثالث، وهو أن هذا الرجل لما قال هذا الكلام يقول لله: «أتسخر بي وأنت الملك؟» أنه كان من غير شعور، ما يقصد هذا، مثل ذلك الرجل الفرحان المشرور الذي بلغ منه الفرح والسرور مبلغه لما وجد راحلته، وكان قد أشرف على الهلاك، خرجت منه تلك الكلمة وهو لا يقصد معناها، قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». هل كان هذا الرجل يقصد هذه الكلمة؟ الجواب: لا، لكن النبي قال: «أخطأ من شدة الفرح». وهذا الرجل من شدة الفرح أنه رأى الجنة أمامه وأدخل الجنة بعد العذاب، ثم قيل له: لك ما تمنيت وعشرة أضعاف، فالرجل من شدة الفرح والسرور يقول: «أتسخر بي وأنت الملك؟» يعني: ما يريد حقيقة هذه الكلمة، وإنما خرجت منه كما قال عياض رحمه الله تعالى من غير عادته، وصدر منه وهو غير ضابط لذلك الكلام. يقول الحافظ رحمه الله تعالى: قال القرطبي في المفهم: أكثر العلماء في تأويله، وأشبه ما قيل فيه أنه استخفه الفرح، أي هذا مقارب لقول عياض، أنه استخفه الفرح وأدهشه فقال ذلك. هذا قول. وقيل: قال ذلك لكونه خاف أن يجازى على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات وارتكاب المعاصي كفعل الساخرين، فكأنه قال: «أتجازيني على ما كان مني؟» فهو كقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾، وكقوله: ﴿وَاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، أن ينزل لهم جزاء سخريتهم، ينزل بهم جزاء سخريتهم واستهزائهم. انتهى كلام القرطبي الذي نقله الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح. فإذن هذا معنى قول الرجل: «أتسخر بي وأنت الملك؟» فيه ثلاثة أقوال لأهل العلم، ذكرها النووي رحمه الله تعالى بتفصيلها في شرحه لمسلم. قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو الأحوص، وهو سلام بن سليم، ثقة متقن، قال: عن أبي إسحاق، واسمه عمرو بن عبد الله السبيعي، وهو ثقة مكثر عابد، إلا أنه دلس في آخره، وقيل أنه اختلط في آخره، قال: عن علي بن ربيع، وعلي بن ربيع ثقة، قال: شهدت علياً رضي الله عنه أوتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، ثم قال: الحمد لله ثلاثاً، أي: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله بعد الآية، والله أكبر ثلاثاً، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك. فقلت: من أي شيء ضحك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، ثم ضحك. وهذا من باب تطبيق ذلك الذي حفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وسمعه، ففعل علي مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن يعلم التابعي من أي شيء ضحك، ولهذا سأل. وعلي رضي الله عنه لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام ضحك أيضاً سأل عن ذلك، قال: فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: «إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب أحد غيري. إن ربك ليعجب من عبده إذا قال العبد ذلك: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر أحد الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى». وهذا الحديث صحيح، قد صححه العلامة الألباني رحمه الله برقم 198 في مختصر الشمائل. هذا الحديث فيه إثبات الضحك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقدم أسباب الضحك: منها الاستغراب والتعجب، سبب من أسباب الضحك، ومنها كذلك الفرح والسرور، سبب من أسباب الضحك، ومنها كذلك الغضب كما ذكره ابن القيم رحمه الله في الزاد. لكن هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن ربك ليعجب»، ففيه إثبات صفة العجب لله سبحانه وتعالى، صفة تليق به، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وليس هذا كعجب المخلوق. لأن العجب كما ذكر أهل العلم على قسمين، يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: العجب هو استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين: يعني الشخص لما يعجب يكون ذلك لسببين. الأول: خفاء الأسباب على هذا المستغرب للشيء المتعجب منه، بحيث يأتيه بغتةً بدون توقع، وهذا مستحيل على الله تعالى، يعني هذا القسم الأول أو السبب الأول عندما يختفي السبب على الإنسان المستغرب فإنه بعد ذلك إذا ظهر له السبب بطل العجب، لكن هذا مستحيل على الله سبحانه وتعالى لأن الله عز وجل يعلم كل شيء، يقول: لأن الله بكل شيء عليم، فلهذا كان هذا النوع الأول مستحيل على الله سبحانه وتعالى، وهو خفاء الأسباب، يعني عندما يختفي السبب المتعجب منه فيستغرب هذا الإنسان، فتأتي صفة العجب والتعجب، قال: لأن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والثاني: مما يكون منه العجب، قال: أن يكون السبب فيه خروج هذا الشيء عن نظائره، يعني هذا الشيء خرج عن أمثاله وأشباهه وعن نظائره، وعما ينبغي أن يكون عليه، بدون قصور من المتعجب، يعني ذلك المتعجب هو الذي أحدث ذلك الشيء، وبدون قصور منه بل لكمال علمه، قال: وبدون قصور من المتعجب بحيث يعمل عملاً مستغرباً لا ينبغي أن يقع من مثله، وهذا ثابت لله عز وجل لأنه ليس عن نقص في المتعجب، ولكنه عجب بالنظر إلى حال المتعجب منه. انتهى كلام العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما في شرح الواسطية في إثبات صفة العجب لله سبحانه وتعالى، وأن هذه الصفة ثابتة تليق بجلاله جل وعلا من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل. فلذا ذكر هنا في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام ضحك من قول هذا العبد الذي قال: «سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي»، وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى، ولهذا تعجب من ذلك المقال، فقال: «إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر أحد الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى». ففي هذا الحديث إثبات الضحك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبقي آخر حديث في هذا الباب، وهو حديث سعد، نقرأه مع ضعفه. قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، وهو ثقة، قال: حدثنا ابن عون، وهو ثقة ثبت، فأغل عن محمد بن محمد الأسود، وهو مستور، عن عامر بن سعد، ابن الص