التعليق على منظومة الزمزمي  14

التعليق على منظومة الزمزمي 14

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نزول القرآن في الليل والنهار وتوضيح الآيات النازلة في الليل

يتحدث الناظم عن نزول القرآن في الليل والنهار، ويذكر أن غالب القرآن نزل في النهار بينما نزل بعض الآيات في الليل. كما يناقش بعض الإشكالات المتعلقة بآيات نزلت ليلاً مثل آية تحويل القبلة وآية الحجاب.

تنوع نزول القرآن في أوقات وأحوال مختلفة

تناول المؤلف نزول القرآن في أوقات مختلفة مثل الليل والنهار والصيف والشتاء، واستشهد بآيات وأحاديث تبين ذلك. كما أشار إلى أن سورة الحج اجتمعت فيها أنواع مختلفة من النزول.

فضل سورة الفاتحة وتنوع مضامينها

ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن سورة الفاتحة اجتمعت فيها أنواع مختلفة من الآيات، مثل المكي والمدني، الليلي والنهاري، السفري والحضري، والصيفي والشتائي، مما يدل على فضل هذه السورة العظيمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام الناظم رحمه الله تعالى: قال الخامس والسادس الليل والنهار. لا زال المؤلف رحمه الله تعالى -أو قل لا زال الناظم- في العقد الأول من العقود التي قسم بها هذا النظم المتعلق بعلوم القرآن، وجعل العقد الأول يتعلق بأمر النزول: ما يتعلق بوقته، ما يتعلق بكيفيته، ما يتعلق بسببه، إلى آخره مما يتعلق بنزول القرآن، وجعل ذلك على أنواع. فذكر النوع الأول من هذه العقود ما يتعلق إنزال القرآن من حيث كونه مكيًا أو مدنيًا، ثم ما يكون من حيث كونه حضريًا أو سفريًا. ثم في هذا العقد الخامس والسادس ما يتعلق بالليل والنهار. وذكرنا إخواني في الله أن هذا المبحث يهمنا في المبحث الأول: المكي والمدني، هذا المهم؛ لأنه تنبني عليه أحكام، تنبني عليه أحكام، ومنها ما يتعلق بالناسخ والمنسوخ؛ ما يتأتى معرفة الناسخ والمنسوخ إلا بمعرفة المكي من المدني. هذا الذي يذكر فيه، أما ما سيأتي وما مضى ذكره فإن هذا إنما من باب المعرفة، وهو لا يؤثر في الأحكام الشرعية بشيء يذكر، لكن من باب المعرفة أن تعرف أن هذه الآية نزلت في هذا الوقت، وتلك الآية نزلت في ذاك الوقت فقط من باب المعرفة. أما الحكم الشرعي فالذي يتعلق به القسم الأول: المكي والمدني. لو كان الإخوان في الكلام حول المكي والمدني، وعلمنا أن من حيث العدد المكي أكثر، المكي أكثر بكثير من المدني؛ فالمدني تسع وعشرون سورة على رأي المؤلف رحمه الله تعالى، والباقي كله مكي. وأما ما يتعلق بالحضر والسفر: أيهما الأكثر؟ كما مضى ذكره الأكثر الحضري؛ لماذا الأكثر؟ لأنه الأصل؛ لأن الإنسان الحضري -ما هو الحضري؟ هو محل الإقامة- فالإنسان من طبيعته الاستقرار في محل إقامته، وأما السفر يكون طارئًا عليه، فتجد أن الآيات والسور التي أنزلت على رسوله في سفر قليلة بمقارنتها بما أنزل عليه وهو في محل إقامته عليه الصلاة والسلام. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامس والسادس الليل والنهار. الليل والنهار كذلك هذا يتعلق بنزول القرآن؛ الليل نسبة إلى الليل إشارة إلى أن هناك من القرآن ما نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام في فترة الليل، والنهار من النهار فيه بيان وإشارة إلى أن هناك من القرآن ما نزل على رسول الله في فترة النهار. ولا مساواة بين البابين؛ فكون هناك شيء نزل من القرآن في الليل، إلا أن هذا قليل، إلا أن هذا قليل مقابل ما نزل على نبينا في فترة النهار، في فترة الصباح. ووجه ذلك إخواني في الله: لأن غالب القرآن إنما نزل على رسول الله في النهار؛ واليقظة محلها في النهار، وهو الأصل، فلهذا تجد أن النهار كثير، وأما الليل فدون ذلك. ولهذا بدأ المؤلف بذكر الليل؛ بذكر الليل؛ لأن النهار لا يمكن تعداده في مثل هذا النظم. قال رحمه الله تعالى: وَسُورَةُ الْفَتْحِ أَتَتْ فِي اللَّيْلِ وَآيَةُ الْقِبْلَةِ أَيْ فَوَلِّ. قولُ: وَسُورَةُ الْفَتْحِ، أي من السور التي نزلت على رسول الله، متى؟ قال: أتت في الليل. أتت بمعنى أنزلت، متى أنزلت سورة الفتح؟ أنزلت على رسول الله في الليل. بقي هل السورة بكمالها وتمامها؟ كما هو الظاهر من تعبير الناظم، أم أن شيئًا منها؟ الصحيح والظاهر أن الأدلة تدل على أن شيئًا من سورة الفتح هو الذي نزل على رسول الله في فترة الليل؛ فليس السورة بكمالها وتمامها أنزلت مساءً وليلاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ويدل على ذلك ما جاء في البخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «لقد أنزلت علي الليلة آية -أو لقد أنزلت علي الليلة سورة- أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، لقد أنزلت علي الليلة سورة أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ قول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾». فاستأنث بهذا بعض العلماء إلى أن سورة الفتح إنما الأوائل منها -الأوائل منها- هذا الذي كان نزوله على رسول الله في فترة المساء، في فترة الليل. قال: «وسورة الفتح أتت في الليل وآية القبلة أي فولِ». وآية القبلة العاطفة لما سبق، أي مما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً آية القبلة. وما هي آية القبلة؟ قال: أي فولِ. وعنى بذلك رحمه الله تعالى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وأراد بذلك الإشارة إلى مسألة تحويل القبلة؛ مسألة تحويل القبلة. فإن هذه الآية على رأي المؤلف رحمه الله تعالى أنها نزلت ليلاً. ويدل على رأي المؤلف رحمه الله تعالى ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «أن بينما الناس كانوا يصلون بقباء في صلاة الصبح -يصلي بقباء صلاة الصبح- إذ أتاهم آتٍ -أي رجل من الخارج- فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآنًا، إن الله أمره بأن يصلي إلى الكعبة، فاستداروا». فالشاهد من هذا الحديث ماذا؟ قول هذا الآتي: «إن النبي قد أنزل عليه الليلة». وكما في حديث عمر الذي سبق: قال عليه الصلاة والسلام: «لقد أنزل عليه الليلة». فقول «الليلة» دلالة على أن هذه الآيات نزلت في فترة الليل، وهذا هو الشاهد. فحديث ابن عمر الذي في الصحيحين فيه: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أنزل عليه الليل قرآنًا يأمره فيه ربه بماذا؟ بالتحول. وهنا مسألة لكن نشر إليها إشارة: هو إشكال واقع وحاصل بين العلماء في هذه المسألة، وهو أن المتبادر للذهن -وهذا الأصل- أنه إذا كان أهل قباء صلوا الصبح على الأصل إلى بيت المقدس، فجاءهم الآتي وأخبرهم بأن القبلة قد تحولت، ما هو المفهوم برسول الله؟ ماذا؟ نزلت عليه الآيات بالتحويل؟ لا شك لهذا؛ الدليل الشرعي، وأيضًا العقل؛ لأنه ما يمكن أن يتأتى أن ينزل على رسوله قرآنًا بالتحول في النهار، ثم يترك أهل قباء بغير خبر. فبما أن النبي أرسل لهؤلاء في صلاة الصبح، إذن النبي -نعني مثلهم- صلى الصبح. مع إرسال الرسول لأهل قباء يخبرهم بأن القبلة قد تحولت. الإشكال: ما وقع في بعض الروايات الصحيحة: أن النبي صيلى بالناس صلاة العصر إلى الكعبة -إلى المسجد الحرام- كان يصلي ول وجهه إلى هذه الناحية في صلاة العصر. إذا قلنا هذا في صلاة العصر، إذن ما معناه؟ معناه أن آيات تحويل القبلة ما نزلت ليلاً، وإنما نزلت على رسوله قبل صلاة العصر؛ بدليل أنه صلى العصر إلى الكعبة. ما صلى إلى بيت المقدس. وهنا وقع الإشكال. وقع الإشكال بين علماء: كيف الجمع بين هذا وبين ذاك؟ فبعض العلماء انتصر لحديث البراء بن عازب، وأنه هو الأصل، وأن النبي ما يمكنه أن يصلي العصر، ثم يترك الجماعة بغير خبر، يتركهم العصر يصلون إلى غير القبلة، المغرب إلى غير القبلة، العشاء من غير القبلة، ثم يخبرهم الفجر. قال: ما يتأتى هذا كما فعل. بلقيني رحمه الله تعالى رجح حديث البراء، ونقل أن الحديث الصحيح الموافق للشرع والعقل والنقل. وبعض العلماء -كقاعدة- إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، أراد أن يجمع بين حديث ابن عمر والذي فيه أن النبي صلى العصر إلى المسجد الحرام، وبين حديث البراء: بأن أهل قباء صلوا الصبح، وفي أثناء صلاة الصبح صلوا إلى المسجد الحرام. منهم من عمل بهذا وبهذا، ووجه الجمع: منهم من قال: أن النبي أصلا صلى العصر إلى المسجد الحرام، ثم خبر التحول انتشر إلى داخل المدينة بعد ذلك، ثم انتشر فجرًا إلى أهل قباء. ذكر هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، لكن في نوع تكلف في هذا الجمع. ومنهم من قال: أن الحديث يخرج مخرج المجاز؛ قول القائل لأهل قباء: «إن الليلة أنزل على النبي قرآنًا». قال: «الليلة» إنما أراد به إطلاق هذا اللقب على شيء من الأيام، أي في الفترة النهائية. المهم ذكر علماء أدلة حاولوا بها أن يجمعوا بين الحديث المروية في هذا الباب. خلاصتها: هل هذه الآية: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هل نزلت ليلاً حتى نجعلها في هذا المقام؟ أم أنها نزلت نهارًا فلا يتأتى ذكرها في هذا المقام؟ مسألة خلافية، وليس عندي إجماع في هذا الباب، وإنما مسألة خلاف. فهذا يرجع في مضانه. قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال: «وقوله: يا أيها النبي قل لأزواجك... والختم سهل، أعني التي فيها البنات لا التي خصت به أزواجه فأثبتي». قوله رحمه الله تعالى: أي قول الله جل في علاه مما يلحق بماذا؟ بالليل. قال: «وقوله: يا أيها النبي قل...» هذه الآية نزلت على نبينا ليلاً، مساءً، تمامها. قال: «بعد لأزواجك»، بمعنى: هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ هذه الآية يقول مؤلف رحمه الله تعالى أنها نزلت ليلاً. فقال: «وقوله: يا أيها النبي قل بعد لأزواجك والختم سهل». قوله: «بعد لأزواجك»، أي: كم الآية؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكِ﴾ هذه الآية نزلت على رسول الله ليلاً؛ بدليل واو العاطفة؛ أي هذا يلحق بما قد مضى. قوله: «بعد لأزواجك والختم سهل»، أي: الختم -خاتمة الآية- أمرها سهل؛ أنت بدرايتك ستعرف ما هي خاتمة الآية. لكن الإشكال واقع: لماذا؟ الإشكال واقع؛ لأنه عندي بهذه اللفظة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكِ﴾ عندي آية، وعندي آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ. إذن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكِ﴾ هذه آية، وفي آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكِ﴾ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ. فهذه الآية كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكِ﴾. فالمؤلف هنا ماذا قال؟ قال: «وقوله: يا أيها النبي قل بعد لأزواجك». إذن عندي آية وعندي آية ثانية، فما الذي عني بها المؤلف رحمه الله تعالى؟ قال هنا استدرك: قال: «أعني التي فيها البنات لا التي خصت به أزواجه فأثبتي». إذن أزاح اللبس عن هاتين الآيتين، وأنه أراد واحدًا منهن. ما الذي أراد منها؟ قال: «أعني التي فيها البنات»، أي قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ هذا الذي أرادها المؤلف رحمه الله تعالى. ما أراد الثانية. ولهذا ماذا قال؟ قال: «أعني التي فيها البنات لا التي خصت به أزواجه فأثبتي»، أي: لست أقصد -ولست أعني- الآية التي فيها ذكر الأزواج فقط: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكِ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ هذه آية. إنما جاء بها ذكر الأزواج فقط. قال: «هذا لا أعنيها، وإنما أعني الآية التي فيها ذكر البنات». إذن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ. هذه الآية نعم هي المعنية، وهي التي نزلت ليلاً، نزلت ليلاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ودليل على ذلك ما جاء في البخاري في أمر سودة رضي الله تعالى عنها: «أنها خرجت ذات ليلة لقضاء حاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى». فلما رآها عمر رضي الله تعالى عنه وعلم أنها سودة خرجت، وكان عمر ما يود أن تخرج زوجات الرسول فيراها الناس، فقال: «يا سودة، والله قد عرفناك، ما تخفين علينا، ما تخفين علينا». فرجعت. فرجعت عندما قال عمر ما قال: «إنك والله لا تخفين علينا»، فذهبت. وكان النبي تعشى، فأخبرته الخبر: بأنها خرجت لحاجتها، وأن عمر قال ما قال. فحينها نزل على نبينا: «إن الله قد أذن لكم في الخروج لحاجتكم»، ثم أنزل ربنا عز وجل آية الحجاب. أنزل ربنا عز وجل آية الحجاب. فالشاهد: أن هذه اللفظة استفاد منها العلماء: أن هذه الآية نزلت ليلاً؛ بدليل أنه يتعشى. والدليل الآخر: أن خروج زوجات الرسول -وكان نساء الصحابة- هذا من هديهن: أنهن إذا خرجن لقضاء الحاجة كن يخرجن ليلاً. هذه عادة يخرجن ليلاً، وهذا كان مما رخص لهم -مما رخص لهم-. فهذا قوله: قال: «وقوله: يا أيها النبي قل بعد لأزواجك والختم سهل، أعني التي فيها البنات لا التي خصت به أزواجه فأثبتي»، أي: أثبت هذه المسألة، واجعلها مما يكون من حكم ما نزل عن النبي ليلاً. قال: «وآية الثلاثة الذين أي خلفوا بتوبة يقينا كذلك». واو العطف على ما سبق، مما يلحق بالنزول الليل -مما نزل عن نبينا ليلاً- قال: «وآية الثلاثة الذين أي خلفوا». وقصة الثلاثة الذين خلفوا، وجاء ذكرهم في سورة التوبة، وهم الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع رضي الله تعالى عنهم؛ عندما تخلفوا، وكان لهم أعذار صارحوا بها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتأخرت نزول الآيات في حقهم لحكم أرادها الله عز وجل، ثم تاب الله عز وجل عليهم. فالشاهد: أن آية توبة الثلاثة هؤلاء إنما نزلت ليلاً؛ لما جاء في الصحيح لكعب بن مالك: «أنها نزلت هذه الآية في الثلث الأخير من الليل». فأن هذه الآية: آية الثلاثة الذين خلفوا، إنما نزلت في الثلث الأخير من الليل. ومن هنا جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية مما يذكر في الليل والنهار. قال رحمه الله تعالى: «فهذه بعض لليلي على أن الكثير بالنهار نزل». قوله: «فهذه» إشارة إلى ما سبق -إلى هذه النماذج- ما ذكره من تحويل القبلة، ما ذكره من سورة الفتح -أوائل سورة الفتح- ما ذكره من آيات الحجاب والأمر بالحجاب، وهكذا ما يتعلق بقصة الثلاثة الذين خلفوا. هذه النماذج يقول مؤلف رحمه الله تعالى: «فهذه بعض لليلي على أن الكثير بالنهار نزل». لكن بالمقابل: الكثير من الآيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم متى؟ بالنهار؛ لأن النهار هو الأصل، النهار هو وقت المعاش، النهار هو وقت اليقظة الذي كان كثيرًا ما يتنزل القرآن على رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا ما يتعلق بقوله: «الخامس والسادس الليل والنهار». ثم قال رحمه الله تعالى: «السابع والثامن الصيف والشتاء». السابع والثامن كذلك من أنواع علوم القرآن المتعلقة بالنزول. في تحت هذا العقد، وتحت هذا البند: ما يتعلق بنزول القرآن صيفًا وشتاء. فقال: «السابع والثامن الصيف والشتاء». الصيف والشتاء. الصيف: أي ما نزل من القرآن على نبينا في فصل الصيف، والشتاء: بالمقابل هو الذي نزل على نبينا من القرآن في فصل الشتاء. قد يقول قائل: ولماذا الحصر للصيف والشتاء؟ ما عندنا الفصول كم؟ أربعة. أين الربيع؟ أين الخريف؟ لماذا ما ذكر؟ الرد: قال أهل العلم: هذا من أوجه الرد على من طالب بالتفصيل والاستفاضة. قالوا: «حسبنا أن نذكر الصيف والشتاء؛ لأن الخريف والربيع يتبع». فيذكر تعليلهم: يقول: «الصيف» ذكره يدخل في حقه الربيع؛ يدخل في حقه الربيع؛ لأن الصيف والربيع -يقولون- من نجوم ماذا؟ الشمالية -الجهة الشمالية-. وأما ذكر الشتاء فيدخل فيه الخريف؛ لأن هذه مطلعها من النجوم الجنوبية. ذكروا هكذا كتعليل فقط -تعليل أن هذا يدخل فيه هذا، وهذا يدخل فيه هذا- فاكتفينا بهذين: بالصيف والشتاء. فالصيف يدخل فيه الربيع، والشتاء يدخل فيه الخريف. هذا علّة. ولكن الصحيح الذي جعل علماء إنما يركزون على هذين الفصلين: لورود هذا بالأحاديث؛ لأن جاء ذلك في الأحاديث: ذكر الشتاء وذكر الصيف. هذا الذي عندنا. فذكر ما عندنا أحاديث فيها ربيع أو آيات فيها خريف؟ فما وجدوا شيء من هذا الباب. فما في ذكر شيء؛ ليسوا موجودين أصلا. إذا نعلم السر في اختصاص العلماء من علوم القرآن بالصيف والشتاء: لوجود النصوص الدالة على ذلك. قال رحمه الله تعالى: «السابع والثامن الصيف والشتاء». قال: «صيفية كآية الكلالة أقول صيفية كآية الكلالة، والشتاء كالعشر في عائشتي». قول رحمه الله تعالى: «صيفية»، وهو ما نزل صيفًا. كآية الكلالة. كآية الكلالة: الكلالة هو من لا والد له ولا ولد -من لا والد له ولا ولد-. فهذه آية الكلالة مما نزل على نبينا صيفًا. دليل ما جاء في الصحيح في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وذكر: «أنه كان كثيرًا ما كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو قال: ما راجعت رسول الله- بمثل مراجعتي في أمر الكلالة، حتى إن نبينا في يوم من الأيام -ضعنا في صدر عمر- وقال: «يا عمر، يكفيك آية الكلالة»، قال: «يا عمر، يكفيك آية الصيف»، «يا عمر، يكفيك آية الصيف في آخر النساء». وعني بذلك قول الله عز وجل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. إذن فقول نبينا عليه الصلاة والسلام لعمر: «تكفيك آية الصيف»، فهذا استصريح من نبينا على أن هذه السورة -وهذه الآية آية الكلالة- إنما نزلت صيفًا على رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهل هذه فقط؟ تجد من تتبع إلى الكتب علوم القرآن في هذا الباب: تجد أنهم كثيرًا ما يمثلون في باب الصيف بهذه الآية. فهل هذا فقط المثال الوحيد؟ لا. بعضهم يذكر أمثلة؛ لأن بعضهم يرى أنه يمكن هذه الآية الوحيدة التي جاءت مصرحًا بأنها بالصيف. لكن بعض العلماء ألحق: ما كان في غزوة تبوك؛ في غزوة تبوك. وما جاء في غالب سورة التوبة: غالب سورة التوبة فيها ذكر ما يتعلق بغزوة تبوك. وغزوة تبوك إنما كانت في الصيف. وقالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ إذن كانت هذه الغزوة في الحر. فغالب ما نزل في غزوة تبوك، ومسجل ومسطر في سورة التوبة: دل على أن هذا يكون يلحق بماذا؟ بالصيف. يلحق مما نزل على نبينا بالصيف. قال: «صيفية كآية الكلالة، والشتاء كالعشر في عائشتي». والشتاء: أي الذي نزل في الشتاء. مثاله: قال: «كالعشر في عائشتي». قصد العشر الآيات العشر التي في سورة النور؛ الآيات العشر التي وجدت في سورة النور، والتي فيها براءة لعائشة رضي الله تعالى عنها مما قيل فيها في حادثة الإفك. فهذه نزلت شتاء. نزلت شتاء. واستدل العلماء من استدل: بأن هذه الآيات العشر نزلت براءة لعائشة كانت في الشتاء؛ مما جاء في الصحيح أيضًا: «أن عائشة وصفت أن النبي لما كان في بيتها، وعندما نزل عليه الوحي -قال- وأخذ منه ما كان يأخذه -أي من الوحي- فأصابه العرق عليه الصلاة والسلام، فتحدر منه العرق كالجمان». قال: «في يوم شاتٍ»، أي في يوم ماذا؟ في شتاء. في شتاء. فاستفاد العلماء على أن هذه اللفظة: يستفاد منها على أنه نزل عليه هذا الوحي في فصل الشتاء. فهذا الذي عناه المؤلف رحمه الله تعالى: «والشتاء كالعشر في عائشتي». إذن: الصيف كآية الكلالة -هذا من باب التمثيل- والشتاء كما جاء في براءة عائشة؛ فإن هذه الآيات نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام في فصل الشتاء. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بالخامس والسادس والسابع والثامن: الليل والنهار، والصيف والشتاء. بقي كذلك الفراشي: وهو الذي نزل على فراشه عليه الصلاة والسلام. ومما يذكر من باب الفائدة: فبعض السور القرآن إخواني في الله اجتمعت على هذه الأنواع التي سمعتموها. هناك سورة من سور القرآن فيها من القرآن مكي ومدني، فيها حضري وسفري، فيها ليلي ونهاري، فيها شتائي وصيفي. أتدروا ما هي السورة؟ هذه سورة الحج. سورة الحج. وقد ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى»: يذكر -وكان يعدد رحمه الله تعالى في فضل هذه السورة- فذكر أنها اجتمعت على هذه الأنواع جميعًا: فيها مكي مدني، ليلي نهاري، سفري وحضري، وفيها صيفي وشتائي، فيها صيفي وشتائي. إذن تحتاج عبلا أن تبحث على هذه المضامين الموجودة في هذه السورة العظيمة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.