التعليق على الجواب الكافي 27

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في خوف الصحابة والتابعين

يتحدث عن خوفهم من إحباط أعمالهم وعدم قبولها، ويبرز أهمية التواضع وعدم الأمن من مكر الله. كانوا يخافون النفاق على أنفسهم ولم يتكلوا على فضائلهم.

مظاهر خوف الصحابة من النفاق

كانوا يحثون الناس على العمل الصالح وروى الإمام البخاري آثارًا تبين خوفهم من النفاق، ولم يتكلوا على مكانتهم عند الله.

وجوب الخوف من النفاق العظيم

ينبغي للمؤمن أن يخاف من الوقوع في النفاق العظيم الذي يحبط عمله، وكان أهل الإيمان يخافون على أنفسهم من الذهاب بالحسنات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قرأنا في الدرس الذي مضى في الجواب الكافي من القائل «أحمه الله» ما ذكره عن صحابة رضي الله عنهم من شدة خوفهم رضي الله عنهم من لقاء الله عز وجل، شدة خوفهم من الخاتمة وغيرها مما ذكره عن الصحابة رضي الله عنهم، كانوا يخافون مع حسن العمل، وعما المتأخرون جمعوا بين الرجاء وسوء العمل. قال ثم ذكر رحمه الله بعدما ذكر عن الصحابة هذا الخوف، قال: وقال البخاري في صحيحه «باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر»، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، لا يشعر بإحباط عمله كما قال الله عز وجل ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، أنا يظن أن عنده حسنات وعنده ثواب، ثم يجد أن هذا لم يكن ولا شيء معه، فلهذا يخاف المؤمن أن يحبط عمله كما قال الله عز وجل ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال: وقال إبراهيم التيمي: «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا». وإبراهيم التيمي إبراهيم يزيد التيمي رحمه الله من تيم الرباب، وهم قبائل من قبائل الحجاز، وكان رحمه الله من التابعين، وابوه أيضا تابعي كبير. فكان يقول رحمه الله: «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا»، ومكذبا بكسر الذال على رواية جمهور المحدثين، وإلا فبعضهم رواه بفتح الذال «مكذبا». وإذا كان بفتح الذال «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا» أي أن من عرض أو من سمع قولي ثم أعرضه على عملي سيحكم علي أني مكذب أو أني كذبت، لأن قولي يخالف عملي. وقد كان إبراهيم من الوعاض، من وعاض أهل الكوفة، وقيل أنه مات في سجن الحجاج، وقيل أنه قتل، وهو ما كان يريده، إنما كان يريد إبراهيم بن يزيد النقعي، فغلط بعض الحراس وجاء بإبراهيم بن يزيد التيمي، فلما علم أنهم أرادوا إبراهيم بن يزيد النقعي لم يتكلم، لم يبرئ نفسه، ولم يقل أني لست هو، وإنما سكت، قال: «خشيت أن يتعذى مسلم بسببه»، فصبر في السجن حتى مات رحمه الله. فقال إبراهيم التيمي رحمه الله: قد كان من أهل العلم العاملين «ما عرضت قولي على عملي» لأنه كان يعظ الناس ويحدثهم، فيقول: أن الذي يعرض قولي على عملي يجدني أني كذا، هذا بالفتح، لكن بالكسر وهو المشهور وهو العليق بالمعنى «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا» أي أني أقول شيئا وأعمل خلاف ما أقول، فهذا أخشى أن أكون مكذبا في يوم القيامة، أي أني ليس عندي ذلك اليقين الذي عنده أهل الإيمان. وهذا من باب التواضع وكسر النفس، ومعنى حتى لا يحصل منها عجب، وهذا كان كثيرا عند السلف رحمه الله. وأيضا هو عدم الأمن من مكر الله جل وعلا، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، فلهذا كان أهل الإيمان يخافون على أنفسهم، ما أحد فيهم يقول أن إيمانه كإيمان جبريل، أيضا ما كان أحد منهم يزكي نفسه، حتى الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشرهم بالجنة، قد سمعنا ما كانوا يقولون من شدة خوفهم، حتى كان عمر رضي الله عنه يقول: «وددت أنه لا لي ولا علي»، ليس لي حسنات ولا علي سيئات، أذهب إلى الآخرة صافيا حتى لا توزن حسناتي بسيئاتي، وهو عمر رضي الله عنه الذي قد بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، لكن كان الخوف في قلوبهم، لم يتكلوا على ذلك الأمر، لم يتكلوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم بشرهم بالجنة فقعسوا عن العمل، بل كانوا يحثون الناس على العمل. وإنما ذلك لأنهم كان اليقين في قلوبهم. وقال ابن أبي مليكة، هو عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة المكي، قاضي بن الزبير، قال رحمه الله: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل من أدركهم عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أختها أسماء الذين كانوا في مكة، وأدرك أيضا جماعة من الصحابة، أبو هريرة، وجابر، وجماعة من صغار الصحابة، رقبة بن الحارث، كان عندهم في مكة». قال ابن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه»، كان عندهم خوف أن يقعوا في النفاق، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل، أي إيمان مستقر، إيمان راسخ لا يتزعزع ولا يدخله النفاق، لا أحد يقول هذا. فسر أنه لا يقول: «ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل» مثل قول المرجئة الذين يقولون أن إيمانهم كإيمان جبريل، لا يريد أن يرد على المرجئة، ولأن هذا الباب عقده الإمام البخاري في كتاب الإيمان، فالرد على المرجئة الذين يقولون أن الإيمان سواء لا يزيد ولا ينقص، فقال: «كلهم يخاف النفاق على نفسه»، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وهذه آثار صحيحة قد رواها الإمام محمد بن نصر في كتاب الإيمان، وكذلك رواها الإمام اللالكائي رحمه الله في شرح السنة، ورواها جماعة من السلف ممن ألفوا في الآثار، وهي آثار صحيحة. فقال: «كلهم يخاف النفاق على نفسه»، أنا ما يأمنون النفاق أنه يقع عليه، ولهذا جاء في البخاري أن حذيفة رضي الله عنه وقف على حلقة عبد الله بن مسعود، وقال: «لا تغتروا، فإنه قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم هم خير منكم»، أي من أهله ومن قريش، معنا من ناحية خير منهم في نسبهم، قال: «فكبهم الله عز وجل في النار»، أي ما كذبوا رسله. وكذلك أيضا قوم دخلهم النفاق، فحديفة رضي الله عنه كان ممن أسر له النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين، ولهذا رأى أن هناك ناس قد ذكروا من أولئك أن الناس يحسبونهم على خير، فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يخافون أن يقعوا في ذلك النفاق، ولو في نفاق العمل، فإنه أيضا من ذر النفاق، قالوا: «ينكر عن الحسن ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق»، وهذا اختصار من الحافظ، ومن الإمام البخاري للأثر عن الحسن. ولهذا يقول الإمام العراقي كما ذكر الحافظ عنه أن البخاري يحيان يذكر العثر بصيغة التضعيف لأجل أنه اختصر، لأنه اختصره أو جاء بمعنى، فيقول: «ويذكر عن الحسن»، مع أن هذا الأثر عن الحسن صحيح، قد ذكره البخاري نفسه في التاريخ، وذكره أيضا جماعة ممن ألفوا في آثار السلف، ذكره الإمام أحمد رحمه الله، كذلك ابن نصر وغيره. فذكر الحسن رحمه الله أن المؤمن يخاف أن يقع في النفاق، وأن المنافق لا يخاف، معنى «ما خافه» أي النفاق، وليس كما فسره بعض الشراح «ما خافه» أي الله، ما خاف الله إلا مؤمن، ولا أمن الله إلا منافق، ليس المراد هذا، وإنما كلام الحسن في النفاق «ما خافه» أي النفاق إلا مؤمن، ما خاف على نفسه أنه يقع في النفاق إلا مؤمن. ولهذا المؤمن يجتهد أن يبعد نفسه عن النفاق وعن أسبابه، يجتهد أن يبعد نفسه عن النفاق وعن أسبابه، وهذا يكون من خوفه أن يقع فيه. وأما من أمن نفسه من ذلك فإنه خطير عليه، لأنه يأتيه العجب، وبعد ذلك قد يقصده النفاق من حيث لا يشعر، ويحبط الله عز وجل عمله لأنه منافق. ولهذا قوله «باب خوف المؤمن أن يحبط عمله»، إن كان المراد كله فهو المنافق الذي يحبط عمله الكافر، وأما المؤمن لا يحبط عمله كله، إلا أن يكون ثواب الأعمال المراد به ثواب الأعمال، فتبقى الأعمال الأصلية معه أعمال، لكن ثوابها الذي وأجرها قد ذهب. لهذا عند أهل السنة عامة أن الأعمال أو أن مثلا أقصد الكفر هو الذي يحبط الأعمال، وما كان مثله من الكفر والنفاق، أما غير هذا لا يحبط العمل كله، ولا يذهب كله، وإنما قد يذهب أجره، وقد يذهب ما يقابله من الأعمال الحسنة، فتذهب الحسنات عليه. قالوا: كان عمر يستخلف يقول لحذيفة: «أنشدك الله هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، يعني في المنافقين، فيقول: «لا، ولا أزكي بعدك أحدا». وهذا عمر رضي الله عنه الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، يقول لحذيفة: وهذا أراد عمر أنه درسا لغيره، أنه لا يزكي نفسه أن يكون من هؤلاء، فقال حذيفة: «ولا أزكي بعدك أحدا». قال ابن القيم: فسمعت شيخنا رضي الله عنه يقول، أي ابن تيمية رحمه الله: «ليس مراده أني لا أبرئ غيرك من النفاق، بل المراد لا أفتح على نفسي هذا الباب»، فكل من سألني هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأزكي أنا أني سأغلق هذا الباب، لا أزكي أحدا بعدك أبدا، أنا أني سأغلق باب التزكية، لا أقول أنت منهم ولست منهم. قال: وقريبا هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذي سأله أن يدعو له أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال: «سبقك بها عكاشة». لأنه أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغلق هذا الباب، أما من قال أنه كان منافقا، جاء في رواية ضعيفة جدا من الموضوعات أنه قيل أنه من المنافقين، فليس صحيح، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغلق هذا الباب، لأن كل الصحابة رضي الله عنهم سيقولون هذا: ادع الله أن يكون منهم، فيقول: أنت منهم، وهكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قال الثاني: ادع الله أن يكون منهم، قال: «سبقك بها عكاشة». قال: ولم يرد أن عكاشة وحده حق بذلك، من عداه من الصحابة، ولكن لو دعا له لقام آخر وآخر، وانفتح الباب، قال: وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم، فكان الإمساك أولى، والله أعلم. فخلاصة ما يذكر أن المؤمن ينبغي عليه أن يخاف، يخاف أن يقع فيما يحبط عمله، أن يقع في النفاق العظيم، ولو كان نفاق العمل، فإنه أيضا يذهب بالحسنات، فلهذا كان أهل الإيمان يخافون على أنفسهم من هذا، وهم أهل التقوى وأهل الإخلاص وأهل العمل، فكيف بنا نحن الذين قد كان قد صارت تفريط فينا شيء ملازما لنا، فنسأل الله عز وجل العافية والسلامة. الحمد لله رب العالمين.