الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 130، ألقاها
الجهمية فرقة ضالة نشأت بدعتهم من الجعد بن درهم الذي أخذها من طالوت الساحر اليهودي، وقد قُتل الجعد على يد خالد بن عبد الله القسري لإنكاره صفات الله. نشأة هذه البدعة كانت نتيجة تأثر الجعد بأفكار يهودية.
جهم بن صفوان نشر مذهباً ضالاً يعرف بمقالة الجهمية، وقد قتله سالم بن أحوز لما سمع عنه من أقوال مخالفة للشرع. جهمية ينفون أسماء الله وصفاته، ووقعوا في تناقضات عند محاولة إثبات بعض الصفات.
الجهمية يقولون إن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، ويؤمنون بقدم العالم، وقد كفرهم جماعة من السلف لإنكارهم صفات الله وادعاءهم أن العالم قديم. هذه الآراء أدت إلى تكفيرهم من قبل بعض العلماء.
يناقش المقطع حكم الجهمية حيث يذكر أن بعض العلماء يكفرهم بسبب بدعتهم، بينما يرى آخرون أنهم متأولون. هناك اختلاف في الحكم عليهم بين التكفير واعتبارهم متأولين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى ما ذكره الحافظ أبو جعفر طحاوي رحمه الله في خاتمة كتابه "العقيدة الطحاوية"، وذكر في خاتمتها التبرء من بعض الفرق. وقد أخذنا من تلك الفرق المعتزلة، وكذلك بعدها قالوا: الجهمية. وإن كانت الجهمية أكبر من المعتزلة بدعة، الجهمية أكبر من بدعة المعتزلة من ناحية أيضًا قدمها، أي أنها أقدم، وكذلك أعظم. وأصلوا هذه المقالة أو هذه الفرقة أول ما ابتدعت لنفي أسماء الله وصفاته، لنفي أسماء الله وصفاته هذه أول بدعة أحدثوها. ويقال إن هذه الفرقة أول من قال بهذه البدعة هو الجعد بن درهم، وهذا الجعد بن درهم ذكر بعض أهل المقالات وأهل التاريخ أنه أخذ هذه المقالة من رجل يقال له طالوت، وهو ابن عم لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فمقالتهم أخذت من اليهود من دسائسهم. فالجعد بن درهم كان في عهد عبد الملك أو بشر بن مروان. ولما قال مقالته ذكر بعضها للتاريخ، وإن كان في بعض أسانيدها ضعف، إلا أن القصة قد اشتهرت عند أهل التاريخ. وهو أن الجعد بن درهم لما قال مقالته حبسه خالد بن عبد الله القسري، وكان على العراق، حبسه خالد بن عبد الله القسري. وهذه البدعة حدثت في الكوفة، لكن هذا الجعد لم يكن من أهل الكوفة، وإنما من غيرهم. ثم إن خالد بن عبد الله القسري أخذ هذا الجعد بن درهم وقتله، قتله يوم العيد تقربًا به، فقال خالد بن عبد الله: "أطب الناس يوم العيد". وقال: "ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا". فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، أي أنه نفى ذلك. ومعلوم أن مذهب الجهمية كما سيأتي نفي الأسماء والصفات جميعًا. فبعد ذلك أخذ هذه المقالة عن الجعد بن درهم الجهم بن صفوان السمرقندي الترمذي، ونسبت إليه هذه المقالة، نسبت إليه، فسميت هذه الفرقة بالجهمية؛ لأنه نافح عن هذا القول هو وزوجته، ليس وحده بل معه زوجته كانت معطلة جهمية، وكانت تأتي الكوفة. فهذا الرجل جاء بهذا المذهب الغريب ونشره بين الناس، وأخذوا جماعة منهم البشر المريسي وغيره. فلما سمع سالم الأحوز، وكان من أمراء بني العباس، سمع بهذا القول عاهد الله أنه إن لقي الجهم بن صفوان أنه يقتله. فخرج جهم بن صفوان مع الحارث بن سريج أحد الخوارج، فأمسك سالم بن أحوز بهم، وكان معهم الجهم بن صفوان، فأخذه، فقال له: "أنا قاتلك اليوم، وليس لأجل أنك خرجت مع الحارث بن سريج، أنت أهون من ذلك، ولكني سمعت عنك مقالة عاهدت الله عز وجل إن لقيتك أن أبقر بطنك، أن أقتلك". فقتله سالم بن أحوز رحمه الله، قتل هذا العنيد جهم بن صفوان الذي هو نسبت إليه بعد ذلك مقالة الجهمية. فأول من قالها هو الجعد بن درهم، لكن انتشرت على ألسنة هذا الجاهل الجهم بن صفوان، كان رجلًا جاهلًا لا علم له. حتى إنه ذكر الإمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" أن الجهم سئل عن المرأة لم يدخل بها طلقها الرجل، أن سأله سأله رجل ظنه أنه من أهل العلم، فقال له الرجل: تزوج امرأة ولم يدخل بها وطلقها، فهل عليها عدة؟ قال: نعم عليها عدة. فخالف كتاب الله بجهله، خالف كتاب الله بجهله. الله عز وجل قد ذكر هذه الآية في سورة الأحزاب، وذكر أنها ليس عليها عدة. فخالف هذا بجهله، ولو كان عالمًا لما فاته هذا الحكم. وكان أيضًا له مسائل ذكرها الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد" يفتي بغير القرآن والسنة، لبيان جهله. ومن ثم إن هؤلاء الجهمية انتشرت بعد ذلك، وصاروا لهم أفكارًا ومبادئ مشركة بين الناس. ومن أهمها وعظمها أنهم ينفون الأسماء والصفات أسماء الله عز وجل وصفاته، وكلها ينفونها. ولما احتج عليهم بعض المعتزلة أو بعض الأشاعرة قالوا: كيف تنفون الأسماء والصفات؟ فهل تؤمنون بالله؟ قالوا: نعم. قالوا: فهل الله موجود؟ قالوا: نعم. قالوا: إذا كان موجودًا فهو الصفة الوجود صفة، فكيف تنفون الصفات؟ تقولون إن الصفات هذه صفات المخلوقين، وهل الوجود صفة من الصفات المخلوقين؟ قالوا: لا. فأثبت بعضهم، أي بعض الجهمية أثبت صفة الوجود. وأما الفلاسفة منهم؛ لأن دخلوا في مذهبهم بعض الباطنية الفلاسفة، فقالوا: لا موجود ولا معدوم. وأيضًا لهم مقالات عظيمة أيضًا، فهم في القدر قدرية من غلاة القدرية، أخذوا ذلك على المعبد الجهني. فكان جهم قدريًا، وكذلك في الإيمان هم من أعظم المرجئة، فالإيمان يقولون إن الإيمان هو المعرفة بالله، ويردون معرفة القلب. معرفة القلب إذا عرف الله فهو مؤمن. وهم يقولون إذا عرف الله فهو مؤمن. لهذا قال لما ابن أبي العجف رحمه الله في "الطحاوية": قالوا هذا فيه التكفير لهؤلاء الجهمية يكفرون أنفسهم؛ لأنهم هم أجهل الناس بالله. قال: لأنهم هم أجهل الناس بالله، فهم يكفرون أنفسهم، وهم يريدون المعرفة معرفة القلب معنى. إذا عرف العبد ربه بقلبه مجرد المعرفة يعتبرونه مؤمنًا. وهذا مخالف بقول الله عز وجل: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا﴾. ذكر الله عز وجل أنهم عرفوا الله، أي هؤلاء فرعون وقومه، لكن جحدوا ذلك علوًا وظلمًا، فلم يجعل ذلك الله عز وجل إيمانًا له. لكن على قول جهم، فرعون مؤمن. وأيضًا لهم أيضًا أقوال من قولهم مثلًا بقدم العالم، فالجهمية من نشر هذا المذهب، وأن العالم قديم ليس له مخلوق، لا يعرف له مخلوق. وهذا أخذوه من الفلاسفة الذين يقولون بالعقل الفياض، وأخذوه من فلاسفة اليونان. ثم أخذها بعض ممن انتسب للإسلام كابن سينا والفارابي والرازي وغير من هؤلاء الذين يقولون إنهم أطباء للإسلام، وهم لا ينتسبون للإسلام بشيء. فابن سينا يؤمن بالعقل الفياض وقدم العالم، وهذا كفر بالله. معنى أن هذا العالم ليس له مخلوق، وجد ولم يعرف له خالق، معنى لم يعرف لهذا العالم خالق. وأما هؤلاء ابن سينا وغيره فيؤمنون بالعقل الفياض، يقولون إن العالم هذا كان عقلًا ففاض هذا العقل وأحدث هذا الكون، وأحدث هذا الكون. وهذا إلحاد، وهذا كفر بوجود الله جل وعلا، وأنه هو الخالق سبحانه وتعالى. ولهذا من أكثر ما قالوا أيضًا هذه المسألة أنهم يقولون بقدم العالم، ونسبها بعض الأشاعرة إلى شيخ الإسلام. وشيخ الإسلام بريء منها، وإنما بجهلهم لم يفرقوا بين قول شيخ الإسلام أنه يقول إن الحوادث لا أول لها، وبين قول قدم العالم. حوادث لا أول لها؛ لأن الله عز وجل فاعل لم يأت عليه يوم وهو لم يفعل سبحانه وتعالى، بل صفاته متعلقة بذاته سبحانه وتعالى، أو صفاته قائمة بذاته جل وعلا. وأما هؤلاء فجهلوا ذلك، فقالوا إن الشيخ الإسلام يقول بخدم العالم. كيف يقول وهو قد كفر من يقول بهذا القول؟ فهذه بعض هذه الأشياء التي عند هؤلاء الجهمية المعطلة. وقد كفرهم جماعة من السلف، كفرهم جماعة من السلف كابن المبارك ووكيع. وأيضًا جاءت رواية الإمام أحمد في تكفيرهم. وبعضهم يقول إنهم متأولون، لكن بدعتهم كانت عظيمة، فلهذا كان بعض السلف يكفرهم بذلك. فهذه فرقة الجهمية التي تبرأ أهل الإسلام منها، فنكتب هذا والله تعالى أعلم.