الدرس في التعليق على رسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع النواقض الثمانية التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته، مبيناً الخلاف الفقهي في مس المرأة ومس الفرج وراجح الوضوء احتياطاً عند مس الفرج. كما يوضح أن هذه النواقض تشمل الخارج من السبيلين، الخارج النجس، زوال العقل، وأكل لحم الجزور.
يتناول المقطع الشرطين الخامس والسادس لصحة الصلاة وهما إزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان، وسترة العورة مع الأدلة من القرآن والسنة. كما يشير إلى أحكام الوضوء من أكل لحم الإبل، غسل الميت، وحكم الردة ومبطلاتها.
يشرح المقطع حدود العورة للرجل من السرة إلى الركبة، وللمرأة الحرة جميع البدن إلا الوجه مع استحباب ستر الوجه والقدمين عند وجود أجانب، وللأمة اختلاف العلماء والأحوط سترها كالحرة. يؤكد أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة مستنداً إلى آية الزينة والأحاديث النبوية.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. تُعد هذه الفقرة ختاماً للدروس وتذكيراً بفضل الدعاء والثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرّة معنا ضمن رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجد، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، المسومة بـ «شروط الصلاة وأركانها وواجباتها». مرّ معنا الكلام حول أحد شروط هذه الصلاة، ألا وهو رفع الحدث. وتكلم رحمه الله تعالى حول أهمية الطهارة في الصلاة، وأنها شرط من شروطها، وذكر رحمه الله تعالى أن للوضوء شروطاً عشرة، وذكرها رحمه الله تعالى: من الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها بألا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية ماء وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه. وسبق معنا الكلام والتعليق على هذه الشروط العشرة التي هي شروط للوضوء. وذكر رحمه الله تعالى كذلك أيضاً للوضوء ستة فروض: من غسل الوجه، قال: «ومنها المضمضة والاستنشاق»، قال: «وحده طولاً من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضاً إلى فروع الأذنين»، قال: «وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس، ومنها الأذنان، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة». ثم ذكر دليل هذه الفروض. وذكر رحمه الله تعالى أن التسمية تعتبر واجباً من واجبات الوضوء، واجباً من واجبات الوضوء. وهذه يا إخوان مباحث هامة وعظيمة يجب على المسلم أن يتعرف عليها. ثم ذكر رحمه الله تعالى من هذه الأحكام المتعلقة بهذا الشرط، ألا وهو رفع الحدث، الوضوء. قال: «ونواقضه ثمانية»، أي نواقض الوضوء التي متى ما حصل واحد منها كان الوضوء باطلاً وغير صحيح. قال: «ونواقضه ثمانية: الخارج من السبيلين». والسبيلان هما مخرج البول والغائط، هما مخرج البول والغائط. قال: «والخارج الفاحش النجس من الجسم». قال: «وزوال العقل»، أي ذهابه إما بإغماء أو بسكر أو غيرها، فإذا زال العقل انتقض الوضوء لأن الشخص لا يدري، فلعله يخرج منه شيء وهو لا يشعر أو لا يعلم. قال: «ومس المرأة بشهوة». وأما مس المرأة بشهوة، فإذا أراد به الجماع فنعم هو مبطل للوضوء، بل ويعتبر حدثاً أكبر يجب الاغتسال لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أي جامعتموهن. وأما مجرد المماسة باليد فالصحيح أنها لا تنقض الوضوء، لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يصلي وعائشة أمامه معترضة كاعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يسجد غمزها فترفع رجليها فيسجد، فإذا قام مدت رجليها، رضي الله تعالى عنها. وكان عليه الصلاة والسلام يقبل ويخرج إلى الصلاة، وهكذا غيرها. قال: «ومس الفرج باليد، قبلاً كان أو دبراً». والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من مس فرجه فليتوضأ». من مس الفرج. وهذه من المسائل الخلافية، فمن أهل العلم من ذهب إلى أنه ناقض، وأنه ناقض، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بالوضوء من مس الفرج. ومنهم من استدل بحديث «فإنما هو بضعة منك»، وذهب إلى أنه لا ينقض. وتوسط بعضهم فقال: إن مسه بشهوة انتقض، وإذا مسه بغير شهوة فلا ينتقض. وبعضهم ذهب إلى استحباب الوضوء من مس الفرج. والأحوط يا إخوان أن من مس ذكره أن يتوضأ. قال: «وأكل لحم الجزور». أكل لحم الجزور، والمراد بالجزور أي الإبل. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من أكل الغنم، قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ». ولما سئل عن الوضوء من أكل الإبل، قال: «توضأ». فأمر بالوضوء من أكل لحم الجزور، يعني الإبل. قال: «وتغسيل الميت». وتغسيل الميت، وصحيح في تغسيل الميت أنه لا يجب الوضوء وإنما يستحب، إلا إذا وقعت يد المغسل على فرج الميت. قال: «والردة عن الإسلام». والردة عن الإسلام، أعاذنا الله من ذلك. والردة يا إخوان أن يترك الإنسان الإسلام ويخرج إلى الكفر والشرك، كأن يتخذ اليهودية أو النصرانية أو غيرها من الملل والنحل الكافرة ديناً بدلاً من الإسلام. هذا محبط ومبطل لجميع الأعمال، جميع الأعمال، ومنها الوضوء. هكذا أيضاً ما إذا وقع في سب الرب أو سب الدين أو سب الإسلام، أو تنقص النبي صلى الله عليه وسلم، أو استهزأ بشيء من شعائر الدين، فهذه ردة عن الإسلام تبطل الوضوء، بل وتبطل جميع الأعمال التي يعملها هذا الإنسان. قال رحمه الله تعالى: «الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث: من البدن والثوب والبقعة». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾». وثيابك فطهر. فإزالة النجاسة هو يعتبر طهارة. فالطهارة يا إخوان إما رفع للحدث وإما إزالة للنجس. فإزالة النجاسة من البدن، من البدن، وهكذا أيضاً من الثياب، وهكذا أيضاً من البقعة والمكان الذي سيصلي فيه، شرط عند أكثر أهل العلم. وذهب بعض العلماء إلى أنها تعتبر واجباً، ومعنى واجباً أي إذا صلى على حالته صحت صلاته مع الإثم، يأثم على أنه صلى مع وجود هذه النجاسة، مع وجود هذه النجاسة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على إزالة النجاسة، فكان عليه الصلاة والسلام لربما بال على ثوبه أو على بدنه بعض الصبيان، بعض الصبيان، فكان يدعو بالماء فيتبعه إياه، يعني ينضح المكان بالماء أو الثوب بالماء أو البدن بالماء. لما بال ذلكم الأعرابي في ناحية من المسجد دعا بذنوب من ماء، فصب على بول الأعرابي، صب على بول الأعرابي. قال رحمه الله تعالى: وهكذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوماً في نعلين، فبينما هو في الصلاة إذ شاهده الصحابة يخلع النعلين، فخلع الصحابة نعالهم. فلما انصرف سألهم: «ما لكم خلعتم نعالكم؟» قالوا: رأيناك خلعتهما فخلعنا نعالنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «أما إنه أتاني جبريل فأخبرني أن بهما قذراً أو أذى». قال: «فإذا جاء أحدكم المسجد فلينظر في نعلَيه، فإن وجد بهما أذى أو قذراً فليمسحهما»، يعني بالأرض، «وليصل فيهما»، وليصل فيهما. قال: «الشرط السادس: ستر العورة». قال: «أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو يقدر»، وهو يقدر. إذن ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة بإجماع العلماء، بإجماع العلماء. وربنا عز وجل يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. استدل بها العلماء بماذا على وجوب ستر العورة، على وجوب ستر العورة. وجاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس، قال ابن عباس: «كانت المرأة أي في الجاهلية تطوف بالبيت وهي عريانة». انظروا يا إخوان إلى أين بلغت سذاجة الجاهلية وأعرافها. قال: «كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافاً؟ من يعيرني تطوافاً؟» أي ثوباً أستر به وألبسه في طوافي، وألبسه في طوافي. فنزلت بعد ذلك هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. إنه لا يحب المسرفين. ولهذا ذكروا أن المرأة كانت تطوف، إذا طافت وهي عريانة، فتضع يديها على فرجها وتقول أثناء طوافها: «اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله». قال رحمه الله تعالى: «قال: وحد عورة الرجل من السرة إلى الركبة». من السرة إلى الركبة، هذه عورة الرجل. إلا أنه ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه كذلك أن يستر المنكبين. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء». وجعله بعضهم من باب الاستحباب، من باب الاستحباب. قال: «والأمة كذلك». الأمة يعني المملوكة، كذلك أي من السرة إلى الركبة. قال: «والحرة كلها عورة إلا وجهها». إلا وجهها. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». استشرفها الشيطان. هكذا كان يقول، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. والمرأة عورة، وقد اتفق العلماء على ذلك، وأنها يجوز لها أن تكشف الوجه، لكن بشرط أن لا يكون هناك رجال أجانب، رجال أجانب. فإذا كان رجال أجانب كحال المرأة في الحرم مثلاً، فعليها أن تغطي جميع بدنها، جميع بدنها. والقدمان، والقدمان، اختلف العلماء في جواز كشفهما في الصلاة بالنسبة للمرأة، والأحوط يا إخوان أنها تخفي قدميها، ولا ولا ولا تكشف عن القدمين، ولا تكشف عن القدمين. وآه، ماذا... وذهب بعضهم إلى جواز كشفهما، أبو حنيفة ذهب إلى جواز كشف القدمين للمرأة إضافة إلى الوجه والكفين، وانتصر لهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. لكن خروجاً من الخلاف يا إخوان وعملاً بالأحوط، فإن المرأة لا تظهر إلا وجهها، إلا وجهها. وإذا كان هناك رجال أجانب فتخفي، أو ماذا، تغطي كذلك أيضاً وجهها. بالنسبة للأمة، أي المملوكة، فبعض العلماء ألحقها بالرجل، أن عورتها من السرة إلى الركبة. لماذا قالوا؟ لأن الأمة هذه مبتذلة، لا تُنظر إليها، وتباع وتشترى، وتشترى. ومن أهل العلم من جعل عورتها كعورة المرأة الحرة التي سبق الكلام عنها. وهذا يا إخوان هو الأحوط، أنها تتستر كالحرة، لعموم الأدلة الواردة في ستر العورة، وأن المرأة عورة سواء كانت حرة أو كانت أمة، أو كانت أمة. وكون المشتري الذي يريد أن يشتريها ينظر إليها ويستامها، فهذا لا يخرجها عن كونها تتستر في الصلاة، وتتستر عن الأجانب، لألا يفتتن بها أحد، ولا سيما إذا كانت بها وضاء، وفيها حسن وجمال، وفيها حسن وجمال. فإذا ستر العورة يعتبر شرطاً من شروط صحة الصلاة، شرطاً من شروط صحة الصلاة. ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى تتمة هذه الشروط التي هي للصلاة، مع الكلام حول ما يتعلق بأركان الصلاة، وهي أمور واجبة تقع في أثناء الصلاة، وإذا فقدت كانت الصلاة باطلة وغير صحيحة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأسأله عز وجل أن يتقبل صلاتنا وجميع أعمالنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.