شرح قرة عيون الموحدين 11

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 11، ألقاها

مفهوم الإحسان والخشية في القرآن

يتناول هذا الفصل شرح معنى الإحسان والخشية في القرآن الكريم، حيث يُبين أن المؤمنين يجمعون بين الإحسان في أعمالهم والخشية من الله. يُفسر أيضًا معنى الإيمان بآيات الله الكونية والشرعية وكمال التوحيد بترك الشرك.

شرح حديث حسين بن عبد الرحمن وبيان معانيه

يفسر هذا الفصل حديث حسين بن عبد الرحمن ويبين معنى "البارحة" و"الليلة" ويتحدث عن حذر التابعين من الشرك. كما يتناول شرح حديث "لا رقية إلا من عين أو حمى" وبيان آراء العلماء حوله.

حديث عرض الأمم على النبي وبيان دلالاته

يشرح هذا الفصل حديث عرض الأمم على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ويبين معنى الرهط وأتباع الأنبياء. يشير إلى أن الناجين من الأمم قليلون وأن الأكثرية غلبت عليهم الطباع البشرية فعصوا الرسل وهلكوا.

فضل أمة محمد ودلالة الحديث على كثرتهم

يتناول هذا الفصل فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وكثرتهم وانتشارهم، مستدلاً بحديث عن النبي يذكر فيه أن أمة محمد تشكل سواداً عظيماً يدخل منهم سبعون ألفاً الجنة بغير حساب ولا عذاب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-، قولهم، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. قال العماد بن كثير -رحمه الله تعالى-: أي مع إحسانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: «المؤمن من جمع إحساناً وشفقاً، والمنافق من جمع إساءة وأمناً». وأثر الحسن المذكور رواه الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره بإسناد صحيح إليه. وقوله -رحمه الله-، قول عماد بن كثير مفسراً لهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى آخر الآية، يقول -رحمه الله-: أن حال أهل الإيمان الخلص أنهم يسابقون بالخيرات ويسارعون بالطاعات، ومع هذا هم مشفقون من ربهم جل وعلا أن لا يقبل منهم تلك الأعمال، خشية منهم أن يكون قد دخل فيها ما ليس لله رب العالمين جل وعلا، فيخشون أن تكون تلك الأعمال مردودة عليهم، فهم مشفقون. وهذا لكمال إيمانهم وتوحيدهم ومراقبتهم وإحسانهم لله رب العالمين جل وعلا في عبادتهم، فهم محسنون. يعلمنا أن الله جل وعلا يراهم، يعلمون أن الله جل وعلا يراهم ويراهم، فهم يعبدون الله جل وعلا وكأنهم يرونه، فقد حقق هؤلاء رتبة الإحسان التي هي أعلى مراتب هذا الدين. لذا يقول الحسن -رحمه الله-: «المؤمن من جمع إحساناً وشفقاً». وجاء في رواية: «وشفقة». فهو محسن بأعماله وما يصدر منه من أعمال. والإحسان على قسمين: إحسان فيما بينه وبين الخلق، وإحسان فيما بين العبد وبين ربه جل وعلا. فهم قد جمعوا هاتين الرتبتين، ومع هذا هم مشفقون من الله جل وعلا لكمال إيمانهم وتوحيدهم وإخلاصهم ومراقبتهم لله جل وعلا. والمنافق من جمع إساءة وأمناً. وهذا حال المنافق، يفعل السيئات ويصر عليها ولا يبالي، ولا يبالي بغضب الله جل وعلا عليه، ولا يبالي بمكر الله جل وعلا به؛ لأنه ساه عنه وفيه. بخلاف المؤمن، فإنه يقظ دائماً مع الله جل وعلا. وإن حصل منه شيء من الغفلة أو شيء من السهو، فإنه رجاع إلى الله جل وعلا أواب إليه. قال -رحمه الله تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، أي يؤمنون بآيات الله الكونية والشرعية. لقوله تعالى عن مريم: ﴿وَصدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، أي أيقنت أن ما كان فهو من قدر الله وقضائه، وما شرعه الله إن كان أمراً فهو ما يحبه الله ويرضاه، وإن كان نهيا فهو ما يكرهه ويأباه، وإن كان خبراً فهو حق. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾، أي لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأنه لا نظير له. انتهى أي كلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-. والكلام واضح بين، وهو أن قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يدخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الآيات الكونية والآيات الشرعية. فهم يؤمنون بآيات الله الكونية بأنها من الله، وأن الله جل وعلا هو الذي خلقها ودبرها وجعلها آيات، ويتدبرون كذلك. ويؤمنون كذلك بالآيات الشرعية المنزلة من عند الله رب العالمين جل وعلا، وأنها حق على حقيقتها، وأنها من الله، وأنها من كلام الله تكلم الله جل وعلا بها حقيقة. فهي إما أوامر فيأتمر بها العبد وهي حق، ويعلم أنها من الله، وإذا كانت من الله فهي محبوبة إليه جل وعلا. وإما أن تكون نواهي وهي كذلك من الله، وما دامت أنها نواهي من الله فهي مبغوضة إليه جل وعلا. وإما أن تكون إخبارات من الله جل وعلا، وما دامت أنها إخبارات من الله جل وعلا فهي حق وصدق لا مرية فيها ولا شك ولا اختلاف. هكذا يكون حال المؤمن مع آيات الله جل وعلا الشرعية والكونية. قال -رحمه الله تعالى-: «قلت: فترك الشرك يتضمن كمال التوحيد». فترك الشرك يتضمن كمال التوحيد؛ إذ لا توحيد إلا بترك الشرك، ولا يترك الشرك مطلقاً ويخلص العبادة لله جل وعلا إلا أهل التوحيد الخلص. لذا يقول: «فترك الشرك يتضمن كمال التوحيد». فالآية في قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ هي الشاهد من إيراد الشيخ -رحمه الله تعالى- لهذه الآية في هذا الباب. فهؤلاء لكمال توحيدهم لله رب العالمين جل وعلا وتحقيقهم للتوحيد، فهم لا يشركون بالله، لا يشركون بالله جل وعلا شيئاً من الشرك، لا الأكبر ولا الأصغر، لا الظاهر ولا الباطن، لا الجلي ولا الخفي. بل أعمالهم لله جل وعلا وحده لا شريك له. قال -رحمه الله-: «فترك الشرك يتضمن كمال التوحيد ومعرفته على الحقيقة». أي عرف التوحيد على حقيقته، فحققه التوحيد بهذا المعنى وبهذا الاعتبار. ومنه يظهر السبب الذي لأجله ساق الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- هذه الآية تحت هذا الباب. قال: «ومعرفته أي معرفة التوحيد على حقيقته ومحبته وقبوله والدعوة إليه» أي إلى التوحيد، هذا كله من تحقيق التوحيد. قال: «كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾». قال: «وتضمنت هذه الآية كمال التوحيد وتحقيقه». أي شاهد منه أن هذه الآية تضمنت كمال التوحيد وتحقيقه. وبالله التوفيق. وقوله -رحمه الله-: «هذه الآية تضمنت كمال التوحيد وتحقيقه»، وذلك بأن هؤلاء تركوا الشرك أصلاً ورأساً، الأكبر والأصغر، فحصل لهم أنهم حققوا التوحيد مطلقاً، وحققوا التوحيد على وجهه الذي يريده الله جل وعلا، فحققوا التوحيد الكامل. فلم يقعوا في الشرك الأكبر، بل بعدوا واجتنبوا الشرك الأصغر، فوقع منهم كمال التوحيد وتحقيقهم على الوجه المرضي لله رب العالمين جل وعلا. قوله -رحمه الله تعالى- عن حسين، عن حسين بن عبد الرحمن، هو الحارث من تابعي التابعين، عن الشعبي، قال: «كنت عند سعيد بن جبير، وهو الواب مولاهم الفقيه، عن ابن عباس وخلق». قال الذهبي -رحمه الله-: «ثقة إمام حجة». قتله الحجاج بن يوسف. «فما أمهله الله بعده». وسعيد بن جبير من أئمة الإسلام المعروفين المشهورين، وقصته مع الحجاج بن يوسف معلومة معروفة، وأنه قتله ظلماً وعدواناً، وأن سعيد بن جبير -رضي الله عنه وأرضاه- دعا الله جل وعلا ألا يمكن هذا الظالم من أحد بعده، فما مكث إلا ليال ومات بعد ذلك، فاستجاب الله جل وعلا لهذا الإمام الصالح دعوته. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟» قال: يعني كوكباً رجم به تلك الليلة. يقال: «البارحة» للليلة الماضية إذا زالت الشمس. وأما قبل الزوال فيقال: «الليلة». وهذا هو الفرق بين «الليلة» و«البارحة». يعني قبل زوال الشمس، قبل الظهر، إذا حكى إنسان ما حصل له في ليلة يقول: «مضى أو حصل لي الليلة كذا وكذا». أما إذا كان بعد الظهر، بعد الزوال، فيقول: «حصل لي البارحة». فالفرق بين «الليلة» و«البارحة»: أن «الليلة» تقال قبل الزوال، أي قبل الظهر، و«البارحة» بعد الزوال، أي بعد الظهر. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «فقلت: أنا». أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال سعيد بن جبير: «فقال: حسين بن عبد الرحمن، فقلت: أنا». أي أنا رأيته. ثم قلت: «أما إني لم أكن في صلاة». قال الشارح: «قال ذلك حذرا من الشرك؛ لأن لا يظن الحاضرون أنه قام من الليل للعبادة، فيكونوا قد ادعوا له ما لم يفعل». قال: «فما أشد حذر التابعين ومن قبلهم من الشرك، دقيقه وجليله». والحذر من أن يحمد بما لم يفعله. «فما أعز من سلم من الشرك» كما سيأتي. وهذا كما هو واضح صورة من صور السلف الصالح -رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى- كيف كانوا بعيدين كل البعد، حريصين كل الحرص على البعد من الشرك الأصغر، وما يقرب إليه من حب الثناء والمدح وما شابه ذلك. قوله: «ولكن حديث حدثناه الشعبي». يعني فيه أن حسين بن عبد الرحمن لما قال هذا، قال: «أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت». قال: «فما صنعت؟ قلت: ارتقيت». قال: «فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي». قوله: «قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: «لا رقية إلا من عين أو حمى». قال: «هذا الحديث قد روي مرفوعاً». هذا الحديث قد روي مرفوعاً. بمعنى أن ظاهر هذا الحديث بهذا اللفظ أنه موقوف على بريدة. فيقول الشارح -رحمه الله تعالى-: «الحديث روي مرفوعاً». والحديث يعني هذا الحديث وقع فيه اختلاف كبير باعتبار رفعه ووقفه، وكذلك باعتبار هل الرواي بريدة أم أنه من حديث عمران بن حصين أيضاً موقوفاً أو مرفوعاً، أم أنه من حديث أنس، أم أنه من حديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-. جاءت هذه الأوجه الأربعة. والعلماء -رحمهم الله تعالى- المتقدمون والمتأخرون يرجحون بعض الأوجه على بعض. فبعض الأئمة كالإمام أبي حاتم الرازي -رحمه الله تعالى- يرجح حديث بريدة. ومثل الإمام المزي من الأئمة المشهورين كذلك يرجح حديث عمران بن حصين. وبعضهم كالإمام الدارقطني -رحمه الله تعالى- يحكم عليه بالإضطراب. والحافظ بن حجر -رحمه الله تعالى- في الفتح يقول: «لا مانع من كون الحديث جاء على الوجهين»، أي عن عمران وعن بريدة. وقد تكلمنا على طرق الحديث بأوسع من ذلك في شرحنا لكتاب «فتح المجيد». رجع إليه من ابتغاه. والحاصل أن الحديث ثابت: «لا رقية إلا من عين أو حمى». وسيأتي الكلام عليه عند الكلام عن الرقية بإذن الله جل وعلا. أي الكلام على مباحث هذه المسألة. قال -رحمه الله تعالى-: «هذا الحديث قد روي مرفوعاً». والشعبي اسمه: «عامر بن شراحيل الحميري الشعبي الإمام». روى عن عمر وعلي وابن عباس، ولم يسمع منهم. وعن أبي هريرة وعائشة وجرير وابن عباس وخلق. قال الشعبي: «ما كتبت سوداء في بيضاء»، أي كل ما سمع حفظه، فحدث به من حفظه. وهذا يدلنا على أنه كان حافظاً كبيراً -رحمه الله تعالى- من حفاظ الإسلام ومن أئمتهم. توفي في سنة ثلاث ومئة. قال: «وبريدة هو ابن الحصيب ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي». أسلم قبل بدر، وعمل على اليمن في أيام النبي -صلى الله عليه وسلم-. صحابي مشهور. قوله: «لا رقية إلا من عين أو حمى». قال: «هذا والله أعلم في أول أمره، ثم رخص في الرقى إذا كانت بحق». والله أعلم. وسأتي الكلام على الرقية في الرقى الشرعية مطلقاً. أو كما يعني يقول العلماء -رحمهم الله تعالى-: إما أن تكون رقية شرعية، أي ثبتت بالشرع، وإما أن تكون رقية كونية قدرية قد ثبتت بالتجربة. وسأتي الكلام عليها بإذن الله جل وعلا. والأصل في ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً». وقد ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- للرقى ثلاثة شروط. وسأتي الكلام عليها بإذن الله جل وعلا في بابها. قوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع». فيه حسن الأدب مع العلم وأهله. سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى- لما سمع من حسين، وأنه عامل ما عامل بعلم، وأسند إلى من أخبره وعلمه ذلك العلم، فقاله سعيد بن جبير -رضي الله عنه ورحمه الله والغفر له-: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع». أي إلى ما علم، أحسن من عامل بما علم، فلم يتجاوز ذلك العلم الذي قد علمه. ثم قالت: «فيه حسن الأدب مع العلم وأهله». وأن من فعل شيئاً سئل عن مستنده في فعله، هل كان مقتدياً أم لا؟ ومن لم يكن معه حجة شرعية فلا عذر له بما فعله. ولهذا ذكر ابن عبد البر الإمام المشهور إجماع أهل العلم على أن المقلدة ليسوا من أهل العلم. فتصدى لهذا. وهذه من الفوائد التي هي منثورة في هذا الكتاب. فالإمام عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله تعالى- أراد أن ينبه على مسألة، وهي أن كثيراً من أصحاب العمائم هم في الحقيقة مقلدة، وليسوا من أهل العلم. وإنما العالم من يتكلم بحجة من كتاب الله جل وعلا، أو من سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو بإجماع ثابت صحيح عن الصحابة الكرام وأئمة الأعلام. وإما بقياس صحيح معتبر قد استوفى شروط ذلك القياس المعتبر. أما أن يقول: «هكذا في المذهب، وهكذا قال إمام، وهكذا قال شيخنا». فهذا مقلد. والمقلد ليس من أهل العلم. المقلد ليس من أهل العلم ولو كبرت عمامته. وإنما العلم هو العلم المأخوذ من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وما كان عليه سلف الأمة وإمامها -رحمهم الله تعالى-. فالشاهد من هذا أن في هذا تنبيه من الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، وكأنه يعاني -رحمه الله تعالى- وعانى في ذلك العصر من كثرة المقلدة الذين إذا قال لهم العالم بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبالآثار الثابتة عن السلف الصالح القول الحق: «كذا وكذا». وجد من يخالف، يقول: «قال شيخنا كذا، وقال إمامنا كذا، وفي مذهبنا كذا». وما شابه ذلك، فيقدمون آراء الرجال على كتاب الله جل وعلا، وعلى سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى ما كان عليه سلف الأمة. ومثل هؤلاء ليسوا بعلماء، بل إذا عارضوا بكلام الله جل وعلا، إذا عارضوا كلام الله جل وعلا وكلام رسوله، وكلام وإجماع السلف الصالح بمن هو من مشايخهم وعلمائهم. هؤلاء ممن اتبعوا أهواءهم بغير علم. ومن أضل ممن كان هذا حاله؟ قال الله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. إذا جاء الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فالآراء كلها تحته ودونه، فلا يقدم قول أحد على قول الله جل وعلا، ولا على قول رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. لذا قال: «فتفطن لهذا». قوله -رحمه الله تعالى-: «ولكن حدثنا ابن عباس». قال: «هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، حبر الأمة وترجمان القرآن». دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». والحديث بهذا اللفظ في مسند أحمد وغيره بإسناد صحيح. وجاء في صحيح البخاري: «اللهم علمه التأويل». قال: «وصار آية في العلم والفهم، وكثر ما روى من الأحاديث». على أنه من صغار الصحابة، لكن طلب الحديث من كبار الصحابة، فحفظ الأكثر مما كان عندهم -رضي الله عنهم أجمعين-. أي أن ابن عباس -رضي الله عنه وأرضاه- وإن كان سنه صغير لم يسمح له بالأخذ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشيء الكثير مباشرة ومشافهة. لكنه -رضي الله عنه وأرضاه- جد واجتهد، وأخذ العلم بواسطة أكابر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، فجمع من العلم ما جمع وأوعى -رضي الله عنه وأرضاه-. فكان في زمنه ممن جمع فأوعى، فهما لكتاب الله جل وعلا، وحفظاً لسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك احتكاكاً بصحابة رسول الله الكبار، فعلم فقههم، وكيف كانوا يتعاملون مع النوازل. ولا سيما أنه كان من أهل شورى عمر -رضي الله عنه وأرضاه-. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ». قلت: «فالله أعلم». يقول الشارح: «قلت: فالله أعلم متى عُرِضَتْ». وعرضها: أن الله تبارك وتعالى أراه مثالها. إذا جاءت الأنبياء يوم القيامة، ومن تبعهم ممن نجى بالإيمان بالله وبما بعث به أنبياءه ورسله من دينه الذي شرعه لهم، وهو عبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، والأخذ بما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه. كما قال تعالى عن نوح: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. قال: «فعبادته توحيده، وتقواه طاعته». بامتثال ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه. وطاعة رسوله، وطاعة رسوله هذا هو الدين: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، فعلاً وتركاً، وأن يقدم طاعة رسوله على ما يحبه ويهواه. وهذا بيان من الشارح -رحمه الله تعالى- لمعنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمَ. بمعنى: هل عُرِضَتْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً؟ أم أن الله جل وعلا أراهم كما ذكر -رحمه الله تعالى- مثالهم؟ أراه الله جل وعلا مثالهم. الشارح -رحمه الله تعالى- يقول: أراهم ما يكون. أراه الله جل وعلا مثالها؛ إذ أنهم في ذلك الوقت لم يحشروا بعد، بل والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحشر بعد، بل كان في الدنيا وأصحابه كذلك في الدنيا. فيكون هذا من أمر الغيب الذي أطلع الله جل وعلا عليه نبيه -صلى الله عليه وسلم-. والكيفية الله أعلم بها. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «فرأيت النبي ومعه الرهط». قال: «الرهط: العشر فما دون». والنبي ومعه الرجل والرجلان، أي أتباعهم. والنبي وليس معه أحد، أي يبعث في قومه فلا يتبعه منهم أحد. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وفيه دليل على أن الناجي من الأمم هو القليل قديماً وحديثاً، والأكثر غلبت عليهم الطباع البشرية، فعصوا الرسل فهلكوا. الطباع البشرية الذي أخبر الله جل وعلا عنها بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. لماذا حملها الإنسان؟ قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. ظلوماً في حق ربه جل وعلا، بل كذلك في حق نفسه، وفي حق غيره من عباد الله جل وعلا. وجهولاً كذلك فيما ينفعه في دنياه وأخراه، وفيما يصلحه في دنياه وأخراه. فكما ذكر -رحمه الله تعالى- أن الأكثر غلبت عليهم الطباع البشرية الظلم والجهل، فعصوا الرسل فهلكوا. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. وقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾. وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير. أي التي فيها الدلالة الواضحة الصريحة على أن أكثر الناس على خلاف الهدى، وعلى خلاف ما أراده الله جل وعلا منهم. وأن الحق ظاهر ومنصور، وأهله قليل، وأتباعه قليل. ولكنهم هم المنصورون، وهم الغالبون بإذن الله رب العالمين جل وعلا. قال -رحمه الله تعالى-: ﴿وَالنَّاجُونَ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ الْقَلِيلِ﴾. فهم السواد الأعظم؛ لماذا؟ قال: «لأنهم الأعظمون قدراً عند الله». وإن قلوا، فهم أعظم وأجل وأكبر في نظر الله رب العالمين جل وعلا. قال: «فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة». وقد اغتر بهم كثيرون. أي اغتر كثيرون بالكثرة. يقول: «ما بالنا الناس أنتم على الحق وأنتم قلة، وهؤلاء على الباطل هم الكثرة». فيقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: «فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة». أي عليها أن يكون خلف السبيل السوي، وخلف الدليل، وخلف الحق، ولو قل، لا سالكوه، ولو قل، لا تابعوه. فهم الأمة. قال -رحمه الله تعالى-: «وقد اغتر بهم كثيرون، حتى بعض من يدعي العلم اعتقدوا في دينهم ما يعتقده الجهال الضلال». ولم يلتفتوا إلى ما قاله الله ورسوله. وهؤلاء كذلك من المقلدة، وإن قيل فيهم: «بأنهم علماء». ولكنهم جهال في أعظم شيء، فهو توحيد الله جل وعلا. قوله -رحمه الله-: قوله: «إذ رفع لين سواد عظيم». فظننت أنهم أمتي. فقيل لي: «هذا موسى وقومه». فيه فضيلة أتباع موسى من بني إسرائيل ممن آمن منهم بالرسل والكتب التي أنزلها الله: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وغيرها. بالرسل والكتب التي أنزلها الله: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وغيرها. وكانت بني إسرائيل قبل التفرق كثيرين، وفيهم الأنبياء. ثم بعد ذلك حدث ما حدث من اليهود. وهذا الحديث يدل على أن التابع لموسى -عليه السلام- كثيرون جداً. وقد قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أي في زمانهم. أي في قول الله جل وعلا عن بني إسرائيل: بأن الله جل وعلا قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أي عالمي زمانهم. لا العالمين مطلقاً. وإلا فإن أفضل الأمم أمة محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كما قال الله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». كما جاء في حديث عمران بن حسين في الصحيحين وغيرهما. قوله -رحمه الله تعالى-: «وذلك أن في زمانهم وقبله ممن كفر بالله خلقاً لا يحصيهم إلا الله». كحزب جالوت، وبختنصر، وأمثالهم. ففضل الله بني إسرائيل بالإيمان، فصار أفضل أهل زمانهم. وحدث فيهم ما ذكر الله في سورة البقرة وغيرها من معصيتهم لأنبيائهم، واختلافهم في دينهم. وقد ذكره الله تعالى محتجا به على اليهود الذين كفروا بمحمد -صلى الله عليه وسلم-. فتدبر ما ذكره الله تعالى من أحوالهم بعد الاختلاف. أي كيف كانوا عند الإيمان بالرسل من الاعتصام والقوة؟ وكيف صاروا بعد الاختلاف والتنازع والتشرد؟ كيف بعدوا عن دينهم، وصاروا إلى ما صاروا إليه؟ حتى وصل بهم الأمر إلى أن يقتلوا أنبياءهم، وأن يحرفوا الكتب التي أنزلت عليهم من الله جل وعلا. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «فنظرت فإذا سواد عظيم». وفي رواية: «قد سد الأفق». فقيل له: «هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». قال: «فيه فضيلة هذه الأمة». وأنهم أكثر الأمم تابعاً لنبيهم -صلى الله عليه وسلم-. وقد كثروا في عهد الصحابة -رضي الله عنهم-. وفي وقت الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، فملأوا القرى والأمصار والقفار. وكثر فيهم العلم، وانتشرت لهم الفنون في العلوم النافعة. فما زالت هذه الأمة على السنة، فقرون ثلاثة مفضلة. وقد قلوا في آخر الزمان. قال شيخنا -رحمه الله تعالى- في مسائله، أي الإمام محمد بن عبد الوهاب. وفي فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. في فضيلة هذه الأمة كما وكيفاً. قال -رحمه الله-: «فالكمية: الكثرة والعدد». والكيفية: فضيلة في صفاتهم. كما في هذا الحديث بقوله: «ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». فهذه مزية خاصة بهذه الأمة. مزية خاصة بهذه الأمة. ففضلت هذه الأمة كما ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بأمرين: بالكمية، بأنهم أكثر الأمم. وبالكيفية، أن فيهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب. بل جاء عند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بإسناد حسن أنه قال: «ومع كل ألف سبعون ألفاً». وجاء في رواية أخرى أيضاً بإسناد حسن: «ومع كل واحد سبعون ألفاً». وهذا إن دل على شيء، دل على فضل الله جل وعلا الواسع العظيم على هذه الأمة. فالحمد لله جل وعلا أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. قوله -رحمه الله تعالى-: «ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك». أي الحاضرون له في ذكرهم هذا الحديث. وفيه أيضاً فضل الصحابة -رضي الله عنهم- في مذاكرتهم العلم، وحرصهم على فهم ما حدثهم به نبيهم -صلى الله عليه وسلم- حرصاً على العمل به. وهذا فيه دلالة على أن السلف كانوا أعلم الناس بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبمراده. ولو أشكل عليهم شيء تذاكروه وتدارسوه، ثم أخذوا الفصل من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وفي هذا رد على من قال: «بأن طريقة السلف أسلم». أي لا يعلمون دقائق الأمور، ولا غوامض الأحكام المستنبطة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. وإنما عرفها المتأخرون. فقالوا: «طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم». هذه قاعدة باطلة. بل الحق المبين: أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم. ولا تأتي سلامة إلا عن علم وحكمة. وأي طريق ليس بعلم وحكمة، فليس فيه سلامة. وأي طريق ليس فيه سلامة، فهو ناتج عن عدم العلم أو قلته، وعدم الحكمة أو قلتها. فإذا السلامة والحكمة والعلم متلازمات متلازمات، لا ينفك بعضها عن بعض. فهذا فيه رد على هؤلاء الأفاكين من المتأخرين الذين قالوا هذه المقالة، وتبعهم بعض الناس جهلاً، وبعضهم من أهل الخير تبعهم، وظن أن هذه المقالة فيها معنى حق. والحق أنها باطل لا حق فيها بوجه من الوجوه. قال -رحمه الله تعالى-: «وفيه جواز الاجتهاد فيما لم يكن فيه دليل؛ لأنهم قالوا ما قالوا باجتهادهم، ولم ينكر -صلى الله عليه وسلم- ذلك عليهم». لكن المجتهد إذا لم يكن معه دليل، لا يجوز له أن يجزم بصواب نفسه. بل يقال: «لعل الحكم كذا وكذا». كقول الصحابة -رضي الله عنهم- في هذا الحديث. وفي هذا أدب عظيم في مسائل العلم الاجتهادية. وهي المسائل التي تطرقها الاحتمال والظن، ولا يستطيع الإنسان أن يجزم بها في قول ما.

شاركنا على