الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 204، ألقاها
المقطع يشرح حديث جابر بن طارق بن عوف الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ورأى عنده دباء، فسأله عن ماهيته. الحديث يبين أن الدباء هو قرع يستخدم لتكثير الطعام.
الدباء هو نوع من اليقطين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويتتبعه في الطعام، وكان يأكله مع أنس بن مالك في بيت خياط أنصاري، مما يدل على محبته له.
أحب أنس رضي الله عنه الدباء لمحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتتبع الدباء في الطعام، ويؤكد على أهمية إكثار المرق وتعاهد الجيران به.
يؤكد الحديث على أهمية مراعاة الجار في الإسلام، حيث يعتبر الإيمان ناقصا إذا كان الجار جائعا أو في حاجة ولم يقم صاحبه برعايته، مما يدل على أهمية حقوق الجوار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: مسند جابر بن طارق بن عوف رضي الله عنه، وجابر بن طارق بن عوف هو أحمسى كوفي، أنا سكن الكوفة، وهو بجلي، بجلي أحمسى من بجيلة، ويسمى جابر بن طارق. وجاء في بعض الروايات جابر بن عوف، جابر بن عوف وهو والد حكيم بن جابر. قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو الإمام الحافظ الكوفي العبسي، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن المغيرة العبسي رحمه الله، قال: حدثنا وكيع، وابن الجراح، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي، عن إسماعيل بن أبي خالد، وهو أيضا كوفي، وهو بجلي أو بجلي، وكذلك أيضا هو أحمسى، وهو أيضا من أهل الكوفة، وكان حافظا كبيرا، إسماعيل بن أبي خالد كان حافظا كبيرا، حتى قال الإمام أحمد: ابن أبي خالد يشرب العلم شربا. قال: عن حكيم بن جابر، وهو أيضا أحمسى كوفي، عن أبيه، وهو جابر بن طارق بن عوف، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وعنده هذا الدباء، فقلت: أي شيء هذا؟ قال: هذا القرع، هو الدباء، نكثر به طعامنا. قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلا حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسى، وقد وثقه ابن معين، والنسائي، وابن سعد، كما في تهذيب التهذيب. ورواه الإمام محمد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد به. وإسماعيل بن أبي خالد يعتبر من التابعين، فقد روى عن عبد الله بن أبي أوفى. فـ﴿هذا الحديث﴾ قال: جابر بن طارق: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده دباء. ودباء هذه هو نوع من اليقطين الذي ليس له ساق، على أن يكون من الأشجار التي ليست لها ساق، والمراد بالدباء: هذه النفسها الدباء الحمراء المدورة، وهي القرع، على نوع من القرع يدخل في القرع، الدباء هذه، وأيضا البطيخ، وكذلك الحبحب، فيسمى أيضا كذلك القرع، ويسمى قثاء، وهو المقصود أيضا في قوله: ﴿وقثائها﴾. وقثاء هو الخيار، وقيل أيضا: أنه كلما لم يكن له جذع في الأرض يسمى قثاء. فالدباء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نكثر به طعامنا»، أي: مع المرق، توضع مع المرق حتى تكون لها طعم، وكذلك يكثر بها الطعام، ويصنع بها أيضا الإدام، يصنع بها إداما يؤكل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء، كما جاء في الصحيحين، في حديث أنس، قال: «ذهبت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الأنصار خياط، دعا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في طعامه الدباء، وكان عليه الصلاة والسلام يتتبع الدباء». جاء في رواية حميد، وكذلك جماعة من روى هذا الحديث عن أنس، قال: «فكنت أجمع له بين يديه»، ولم يكن يأكل إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنس. وأما الخياط، فقد ذهب إلى عمله، أي: لم يأكل، إنما قدم لهم الطعام، فلهذا قال العلماء: إذا كان -إذا كان مثلا- رجل مع ابنه، أو رجل مع تلميذه، يعرف أنه لا يتقدر منه، فلا بأس أنه يأكل من، أو يأخذ الشيء الذي يكون بعيدا، أو الذي لا يكون في مكانه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى أن يأكل الرجل من غير يديه، أو من وسط الصحفة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «كل مما يليك». فقال العلماء: في حديث أنس: إما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتتبع الدباء في مكانه، وهذا يدل عليه ما قاله أنس، قال: «فكنت أجمعها له بين يديه». وقد يكون يتتبعها من القصعة والصحن؛ لأجل أنه ليس هناك من سيتقدر من الطعام. قال: هذا بعض الشراح. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتقدر منه أحد من أصحابه، بل كانوا يحبون أن يأكلوا من طعامه، يحبون أن يأكلوا من طعامه عليه الصلاة والسلام. فلهذا قال الإمام النووي: إما أن يحمل على هذا الثاني، أو يحمل على أنها كانت بين يديه، فكان أنس يجمعها له، ثم يأكلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يحبها. قال أنس: «فأحببت الدباء من حب النبي صلى الله عليه وسلم لها». فكان يحبها عليه الصلاة والسلام، ويأكلها، ويتتبعها في الطعام، فأنس رضي الله عنه أحبها بعد ذلك؛ لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحبها. وهذا من شدة المحبة: أن الإنسان يحب ما يحب، أو يحب من محبة الشخص أن يحب ما يحب، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء أحبها. وهذا أيضا كما قلنا لمحبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنبينا عليه الصلاة والسلام. فأيضا فيه: أن الأشياء التي يكثر بها الطعام، هذا تزيد فيها البركة، مثل المرق. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا ذر، يا أبا ذر، إذا طبخت طعاما فأكثر المرق، وتعاهد به جيرانك، تعاهد به جيرانك؛ لأن عندما يكثر الطعام يحتاج الإنسان أن يهدي لجيرانه، يهدي لأقاربه من هذا الطعام، ولا ينبغي له أن يصرف، أو يرمي به؛ فكم من مسكين يحتاج إلى هذا الطعام الذي لا يريده؟ فلهذا يتعاهد الإنسان جاره». جاء في حديث عمر رضي الله عنه: «ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع، ليس المؤمن الذي يبيت شبعان، وجاره جائع». فهذا ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.