أدب الطلب 3

أدب الطلب 3

الدرس في أدب الطلب 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أثر المعاصي في حرمان العلم ونسيانه

يبيّن هذا المحور أن المعاصي من أعظم الموانع لحفظ العلم وفهمه، لأن العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئ ذلك النور، مستشهداً بأقوال السلف كابن القيم والإمام مالك والشافعي وسهل التستري، وقصص تدل على أن المعصية تسبب نسيان القرآن وحرمان التوفيق في طلب العلم.

تحذير طالب العلم من المعاصي وآثارها وأهمية التوبة

يؤكد المحور على طالب العلم اجتناب جميع المعاصي ظواهرها وبواطنها؛ لأنها تحجب نور العلم وتقسي القلب، ويذكر نماذج من معاصي اللسان والقلب كالغيبة والنميمة والحسد والغل، ويختم ببيان أن التوبة النصوح هي السبيل لإصلاح ما يطرأ من زلل.

دور التوبة والذكر وقراءة القرآن في فهم العلم وحفظه

يشرح المحور أن طالب العلم لا يُشترط فيه العصمة بل المبادرة بالتوبة وتصفية القلب، ويبين أن ذكر الله بكثرة — قرآناً وتسبيحاً واستغفاراً — يطرد الشيطان سبب النسيان، ويمنح القلب طمأنينة تفتح باب الفهم والحفظ والاستمرار في طلب العلم، كما كان يفعل السلف كابن تيمية، وينصح من يشعر بتشتت الذهن بالإكثار من الذكر وقراءة القرآن كأعظم الأسباب لحفظ العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمما ينبغي أن يهتم به طالب العلم حتى يوفق لحفظ العلم، ولفهم العلم، ولإتقان العلم، وللاستمرار في العلم: أن يبتعد عن الأسباب التي تمنع من فهم العلم وحفظه. ومن أعظم هذه الأسباب: المعاصي. فينبغي لطالب العلم أن يحذر أشد الحذر من أن يواقع معصية، أو أن يتابع المعاصي. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «وللمعاصي من الآثار القبيحة المذنومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله». فمنها: حرمان العلم؛ فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور. انظروا إلى هذا الكلام البديع لذلكم الإمام، يبين في هذه الكلمات أن من أعظم الأضرار المضرة بالقلب هي المعاصي. فمن أضرارها على القلب: حرمان العلم، وعلّل ذلك بأن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور؛ لأن القلوب تصدأ كما جاء في بعض الآثار. وكذلك لما جلس الإمام الشافعي أمام الإمام مالك، وبين يدي الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقرأ الإمام الشافعي على الإمام مالك، فأعجب الإمام مالك من فطنة وتوقد ذكاء الإمام الشافعي، فقال له -أي الإمام مالك يقول للإمام الشافعي-: «إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية». فلا تطفئه بظلمة المعصية. هذه مواعظ من علماء علموا أن من أعظم أسباب حرمان العلم، وكذلك نسيان العلم، هي المعاصي. وقال سهل التستري رحمه الله تعالى: «حرام على قلب يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله»، أي: من المعاصي. وتعلمون الأبيات التي تنسب لإمام الشافعي، سواء صحت أم لم تصح، لكن معناها صحيح: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصٍ». شكا إلى وكيع سوء حفظه، سبحان الله! الإمام الشافعي يشكو سوء حفظه، فماذا نحن نقول؟ فبين له وكيع رحمه الله أن هذا العلم نور، فاحذر من المعصية؛ فإن هذا النور لا يؤتاه عاصٍ، لا يؤتاه عاصٍ. وهكذا كان تلميذ يمشي مع شيخه، فوقعت عين ذلك التلميذ على أمر محرم، أي: نظر إلى شيء محرم، فرأى ذلك الشيخ منه، فقال له: «والله إنك لتعلم، إنك لتعلم عاقبة ذلك، ولو بعد أيام»، يعني: سترى عاقبة هذا الفعل منك ولو بعد أيام. فقال ذلك التلميذ: «مضت الأيام والليالي، فنسيت القرآن، وما أرى إلا بسبب تلك النظرة». انظروا كيف كان السلف يعرفون من أنفسهم سبب المصائب التي تنزل بهم، وأن سببها المعاصي. كذلك الذي قال: «إني لا أعرف أثر معصيتي في عثور دابتي، وفي سوء خلق امرأتي». وهذا يقول: «مضت الليالي والأيام حتى نسيت القرآن، وما ذلك إلا لتلك النظرة». فهذه الآثار عن السلف تبين أن طالب العلم ينبغي عليه، بل يجب عليه، أن يحذر كل الحذر من اكتساب المعاصي، ومن التساهل في المعاصي؛ فإنها من أعظم أسباب نسيان العلم، وعدم دخول العلم إلى قلبه، كما سمعتم في الآثار المتقدمة. ومرادنا بالمعاصي: كل معصية، سواء كانت تتعلق بالقلب، أو تتعلق بالجوارح. فكل معصية واجب على كل مسلم أن يتركها، وبالخص بالأخص طالب العلم؛ لأنه يحمل وحياً بين جنبيه، يحمل نوراً فيه حياة للقلوب. فكيف يحيي قلبه، وكيف يحيي قلب غيره، وقد امتلأ قلبه بالمعاصي؟ فالمراد بذلك: البعد عن جميع المعاصي، مما تتعلق بالقلب، ومما تتعلق كذلك بالجوارح. لا يغنبان أن مرادنا من المعاصي هو الفواحش، كأن يزني أو يلوط، ولكن المعاصي ما هي أشمل من ذلك؛ يشمل النظر، ويشمل كذلك اللمس، ويشمل كذلك البطش والسعي، ويشمل أيضاً اللسان. احذر من معاصي اللسان، ولربما يستذلك الشيطان بمثل هذه المعاصي. آفات اللسان: احذر من الكذب، طالب العلم لا يكون مكذاباً، لا يكذب على أحد، يكون عنده صدق؛ فإن كذب فيخشى أن ينتزع منه العلم. طالب العلم لا يكون مغتاباً يغتاب، وإن كان ربما يستزله الشيطان ويستحل له الغيبة بصورة الحلال، ربما لا يوجد سبب من أسباب جواز الغيبة وهو يؤول لنفسه سبباً فيغتاب إخوانه طلاب العلم، أو يغتاب بعض الفضلاء من طلبة العلم. فهذا من خطوات الشيطان، احذر من هذا المسلك. كذلك احذر من النميمة التي من ورائها الشر والفساد والفرقة. احذر من هذه الأعمال، فإن هذه من المعاصي العظيمة التي لا يستهان بها. الاستهزاء، السخرية، كل ذلك مما يندرج في هذا المعنى. كذلك أمراض القلوب: احذر من أمراض القلوب كالحسد. احذر أن تكون حاسداً لإخوانك طلاب العلم، تتمنى أن تزول منهم هذه النعمة لأنهم مثلاً قد تحصلوا على العلوم، أو تحصلوا على علم ما لم تعلم. ادعُ لهم وأفرح بذلك، وتنافس معهم في هذا الخير، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فالحسد أمره عظيم، ومن المعاصي العظيمة. هكذا ينبغي أن ينزه طالب العلم نفسه من هذا المرض. كذلك أمراض الغل والشحناء والبغضاء لأسباب ليست بشرعية، بل هي من خطوات الشيطان ومن تلبيس الشيطان. احذر من هذه الأشياء؛ فإنها ربما تصرفك عن طلب العلم، وتشغلك عن طلب العلم، وتكره إليك طلب العلم؛ لأنها معاصي، فالقلب يصدأ بها ويقسو بها. فهذا أيضاً مما ينبه عليه في هذا المقام. فالحاصل: أن طالب العلم يحرص كل الحرص على البعد عن المعاصي. وإن صدر منه شيء، فليس معنى كلامنا هذا أن طالب العلم يكون كالملك لا يعصي. كل ابن آدم خطاء، ولكن خير الخطائين التوابون. إذا استذلك الشيطان بشيء من هذه المعاصي: نظرة، أو حسد، أو غل، أو شيء من هذه الأمراض، فتب إلى الله، تضرع إلى الله، ادعُ الله، استغفر الله، اعترف بهذا الذنب، واعزم أنك لا تعود إليه. التوبة أمرها عظيم. فليس معنى هذا أن طالب العلم يكون كالملك لا يعصي، ولكن المراد أنه لا يسترسل في المعاصي، ولا يتبع الذنب بالذنب، بل يبادر إلى التوبة إن استذله الشيطان، وينشط ويحرص على تنقية قلبه. وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها». فأن تحرص أنك دائماً تصقل قلبك، وذلك بالتوبة والتخلص من المعاصي والآثام. فهذا أمر مهم جداً. كذلك مما يعين على فهم العلم، وعلى حفظ العلم، وعلى الاستمرار في العلم: ذكر الله، أن تكثر من ذكر الله، قراءة القرآن، ومن التسبيح والتحميد والتهليل، وتعظيم الله عز وجل، والاستغفار والتوبة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾. قال العلماء: الحكمة من ذكر الله عند النسيان أن سبب النسيان الشيطان، والشيطان يخنس بذكر الله. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾. تذكروا: ذكروا الله بجوارحهم وبكذلك قلوبهم. ولذلك جاءت آيات كثيرة في القرآن تبين أن سبب النسيان هو الشيطان. قال موسى عليه السلام: ﴿ مَا أَنسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾. وقال سبحانه وتعالى في ذاك السجين الذي أخرج من السجن: ﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ ﴾. وقبل ذلك قال: ﴿ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾. فأنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث في السجن بضع سنين. فالشيطان هو الذي ينسي العبد، وبالذكر يخنس الشيطان ولا يجد له سبيلاً على المؤمن بذكره لله. فأكثر من ذكر الله عز وجل، وذكر الله فيه طمأنينة للقلب. إذا كان القلب مطمئناً قبل الحق والهدى والعلم والنور. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. ألا بذكر الله تطمئن القلوب، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. وأكد كان السلف رحمهم الله، بأثر عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، أنه إذا استعصت عليه مسألة أكثر وأكثر من ذكر الله، أكثر من ذكر الله حتى يفتح الله سبحانه وتعالى عليه. وكان يجلس بعد الفجر يداوم على هذا، كما ذكر ذلك عنه تلميذه البار ابن القيم عليه رحمة الله. قال: «كان شيخنا يجلس بعد الفجر، فإن لم أجلس، فإن لم أفعل ذلك سقطت قواي»، أو بهذا المعنى. فكانوا يحرصون على ذكر الله. العلم مع الذكر، الدعاء، قيام الليل، قراءة القرآن، تسبيح، تحميد، يفتح الله عز وجل عليك. أنت دائماً مع الله عز وجل، فهذا أيضاً سبب عظيم من أسباب حفظ العلم وفهم العلم والاستمرار في العلم. اجعل قلبك دائماً رطباً من ذكر الله، وكذلك لسانك رطباً من ذكر الله. فهذه من أعظم الأسباب في قبول القلب للعلم وحفظ العلم. وأنتم تلاحظون هذا: إذا كنت منشرح الصدر، تجلس في حلقة العلم وأنت تشعر بالنشاط للحفظ وللفهم. وأما إن كنت شارد الذهن، مشغول القلب، بعيد عن ذكر الله، ما تصدق، والدرس ينتهي تريد أن تتخلص من هذا الدرس. فأكثر من ذكر الله، ومن قراءة القرآن، فإن هذا من أعظم الأسباب في حفظك للعلم. فنكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلنا، والحمد لله رب العالمين.